السؤال الذي لا يجرؤ أحد على طرحه
عندما تسير في شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت، تراها في كل مكان: صور آية الله علي خامنئي إلى جانب حسن نصرالله، معلّقة على أعمدة الإنارة، ومثبتة على واجهات المباني، تراقب مجتمعًا اعتاد الاعتماد على سخاء طهران للبقاء.
لكن ثمة حقيقة مزعجة يهمسُ بها السياسيون اللبنانيون في السرّ ولا يجرؤون على قولها علنًا: ماذا سيحدث الآن بعد موت خامنئي؟
برحيله، سيأخذ خامنئي معه كامل هندسة الاستراتيجية الإقليمية لإيران — تلك الهندسة التي لم يكن لبنان فيها مجرد قطعة، بل ربما “جوهرة التاج”. وبالنسبة لبلدٍ يتنفّس بصعوبة تحت وطأة أسوأ انهيار اقتصادي في التاريخ الحديث، فإن التغيير الوشيك قد يكون الضربة القاضية التي تُدمّرنا.
أو، إذا سمحتم لي بقدر من التفاؤل، فإنه قد يكون الشرارة التي تدفعنا أخيرًا إلى إنقاذ أنفسنا.
الراعي الذي نحب أن نكره!
لنكن صريحين بشأن ما تعنيه إيران للبنان.
بالنسبة لجيراني الشيعة في الجنوب، الدعم الإيراني ليس جغرافيا سياسية مجرّدة — بل هو المستشفى الذي يعالج أطفالهم، والمساعدة النقدية التي تبقيهم على قيد الحياة، والمولّد الذي يضيء بيوتهم حين لا توفّر الدولة سوى ساعتين من الكهرباء يوميًا. إنه دعم حقيقي وملموس ولا يمكن استبداله بسهولة.
بالنسبة لآخرين، المسيحيين في الأشرفية، السُنّة في طرابلس، الدروز في الشوف — النفوذ الإيراني هو القبضة الخانقة التي تمنع لبنان من التنفّس، والفيتو الذي يعرقل كل إصلاح، والأجندة الخارجية التي تتقدّم على مصلحتنا الوطنية.
كلا المنظورين صحيح. وهذه هي مشكلتنا تحديدًا.
إيران، عبر حزب الله، أصبحت في آنٍ واحد جهاز الإنعاش للبنان وطفيلياً يعتاش عليه. نعتمد عليها لأن دولتنا فشلت، وتستمر الدولة في الفشل جزئيًا لأن تلك التبعية تسلب أي حافز للإصلاح.
العاصفة المقبلة
برحيل خامنئي، سيواجه لبنان حسابًا عسيرًا لسنا مستعدين له إطلاقًا.
المال سيجف
خط التمويل السنوي الذي يُقدّر بمليار دولار لحزب الله؟ لا تتوقعوا انتقالًا سلسًا. حروب الخلافة في إيران معروفة بمشاكلها. المرشحون لمنصب المرشد الأعلى سيكونون منشغلين بتثبيت نفوذهم في طهران بدل القلق على استمرارية الخدمات في الجنوب والبقاع.
وهذا يعني عمليًا أن:
•المستشفيات التي يديرها حزب الله ستواجه نقصًا في الأدوية.
•المساعدات الشهرية التي تدعم نحو 150 ألف عائلة سوف تتوقف.
•شحنات الوقود التي أبقت بعض الأضواء مضاءة ستنقطع.
•أموال إعادة الإعمار الموعودة بعد حرب الجنوب قد تختفي.
بالنسبة لمئات الآلاف من اللبنانيين، هذا ليس تحليلًا سياسيًا نظريًا. إنه مسألة وجودية.
الزلزال السياسي
فماذا يحدث عندما يصبح ذلك الدعم في مهب الريح؟
تحدثت مع محللين سياسيين، ووزراء سابقين، وقادة ميليشيات (جميعهم اشترطوا عدم ذكر اسمائهم — نحن في لبنان). وكان هنالك إجماع يدعو للقلق: لا أحد يعلم.
هل سيصبح “حزب الله” أكثر لبنانية، ومضطرًا إلى التسوية من دون دعم طهران غير المشروط؟
أم هل سيتفكك إلى أجنحة متنافسة تدعمها مراكز قوى مختلفة داخل إيران؟
أم هل سيصعّد عسكريًا لإثبات وفائه لخطه الثوري؟
الإجابة حاسمة. ثمة طريق قد يفتح المجال أمام انفتاحٍ سياسي؛ وآخر قد يقود إلى اضطراب داخلي.
ما أخشاه بالدرجة الأولى
غطّيتُ أزمات لبنان المالية لسنوات :انهيار العملة، سطو دولتنا ونخبها المالية على أموال المودعين، السياسات المالية المشبوهة، انفجار المرفأ، وهجرة الأطباء والمهندسين. لكن هذا السيناريو المحتمل هو ما يؤرقني.
لأنه يجمع أسوأ نقاط ضعفنا:
فجوة الخدمات
حينما يتعثّر نظام الرعاية الاجتماعية التابع لحزب الله، من سيملأ الفراغ؟ الدولة التي لا تستطيع توفير الكهرباء؟ المجتمع الدولي الذي يربط مساعداته بإصلاحات يرفضها سياسيونا؟ دول الخليج التي لن تستثمر طالما يتمسك حزب الله بسلاحه؟
الفراغ سيملأه اليأس. واليائسون يتخذون خيارات خطرة.
برميل البارود الطائفي
على مدى ثلاثة عقود، فرض التفوق العسكري الكاسح لحزب الله نوعًا من “السلام القائم على الاختلال” — سلامٌ يجعل تحدي الواقع يبدو عبثيًا.
لكن إذا أصبح هذا التفوق موضع شك، وإذا جف التمويل، وإذا ظهرت انقسامات داخلية، فقد ترى طوائف أخرى في الامر فرصة لإعادة توازن القوى. وفي لبنان، إعادة توازن القوى تاريخيًا تعني شيئًا واحدًا.
أنا لا أتنبأ بحرب أهلية. لكنني أقول إن الشروط التي منعت اندلاعها قد تتلاشى سريعًا.
ما أتمناه (رغم كل شيء)
إن ما يحول دون استسلامي لليأس هو أن الأزمات تكشف الحقائق.
لسنوات طوسبة، حمّل سياسيونا مسؤوليةَ الجمود الذي نعيشه للديناميات الإقليمية والتدخلات الخارجية وتعقيدات الجغرافيا السياسية. تلك الأعذار، وإن لم تكن باطلة كلياً، شكّلت غطاءً للفساد ولسوء الإدارة ولنهب البلاد.
انتقال القيادة في إيران سيجرّدهم من تلك الذرائع.
تخيلوا السيناريو التالي:
•يفاوض حزب الله، تحت ضغط عدم اليقين المالي، للتوصل إلى تسوية سياسية فعلية.
•يرى المجتمع الدولي فرصة ويعرض دعمًا مشروطًا لإصلاحات جدية.
•تتفق السعودية وإيران، المنشغلتان بتحولاتهما الداخلية، على تهدئة لبنانية.
•يواجه سياسيونا، غير القادرين على الاحتماء برعاة إقليميين، مساءلة مباشرة من المواطنين.
هل هذا مرجّح؟ ربما لا. غالبًا ما تتجلّى “الخصوصية اللبنانية” في قدرتنا الفريدة على اختيار أسوأ الخيارات.
لكن الأمر ممكن. والإمكانية في لبنان اليوم سلعة نادرة.
ما الذي يجب أن نفعله الآن
انتظار أزمة الخلافة في إيران حتى تضربنا هو انتحار وطني. يجب أن نستعد، حتى لو كان الاستعداد يتطلب الاعتراف بحقائق غير مريحة.
إلى المجتمع الشيعي
أنتم تستحقون أفضل من التبعية. خدمات حزب الله الاجتماعية وُجدت لأن الدولة تخلّت عنكم. لكن خدمات تقدّمها ميليشيا تخضع لطهران ليست مستدامة ولا تحفظ كرامتكم.
طالبوا بدمج موارد حزب الله ضمن مؤسسات الدولة. ألحّوا على أن تكون الخدمات الإجتماعية حقًا من حقوق المواطنة، لا هبةً من راعٍ خارجي.
إلى بقية الطوائف
الشماتة لن تنقذكم. إذا انهار نظام الخدمات التابع لحزب الله، فلن تبقى الفوضى محصورة في مناطق الشيعة. الفقر ينتشر. اليأس ينتشر. والصراع ينتشر.
الهدف لا ينبغي أن يكون إذلالَ حزب الله، بل إعادة بناء لبنان — وهذا يتطلب إدماج الجميع، بمن فيهم المواطنون الشيعة، في إطار دولة فاعلة.
إلى جميعنا
نحتاج إلى خطة طوارئ وطنية. من سيؤمّن الخدمات إذا تعطلت شبكة حزب الله؟ كيف نمنع الانتهازية الطائفية من تحويل الانفتاح السياسي إلى نزاع؟ ما الإصلاحات التي يمكن تنفيذها فورًا لإثبات جديتنا في السعي للتغيير؟
يجب أن تُناقش هذه الأسئلة في البرلمان، وفي المجتمع المدني، وفي الجامعات.
الحقيقة المرّة
سأنهي بملاحظة قد لا تعجب كثيرين: لبنان لم يكن دولة ذات سيادة فعلاً منذ العام 1975.
احتلتنا سوريا، سيطرت علينا الميليشيات، وكنا بيادق في صراعات إقليمية. فوّضنا أمننا وسياساتنا، بل واقتصادنا، لرعاة خارجيين.
النفوذ الإيراني عبر حزب الله هو مجرد فصل جديد في تاريخ طويل من التبعية.
موت خامنئي لن تعيد سيادتنا تلقائيًا. لكنه سيزيل ركيزة من ركائز خللنا الحالي. ما سنبنيه بعده — دولة فاعلة أم دولة فاشلة، صراعًا متجددًا أم إصلاحًا حقيقيًا — يعتمد بالكامل على الخيارات التي نتخذها الآن.
السؤال غير المريح ليس ما الذي سيحدث بعد وفاة خامنئي.
بل هل نحن قادرون على إنقاذ أنفسنا، أم أننا اعتدنا على الرعاية والشلل إلى حد بات فيه الاستقلال نفسه أمرًا مخيفًا؟
أتمنى لو كنت أعرف الجواب.

