مع تسارع الأيام الـ 45 التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضمن قراره التاريخي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، يبرز إلى السطح مشروع أمني طموح يُعرف باسم “القفل الفولاذي” (Steel Lock). هذا المشروع لا يمثل مجرد استجابة لتهديدات أمنية، بل هو التدشين الفعلي لنموذج “الاستقرار القسري” الذي تعتمده القوى الكبرى لإعادة تشكيل الدول التي تعاني من سيولة أمنية مزمنة.
° “القفل الفولاذي”.. من الأيديولوجيا إلى الوظيفة.
تتمثل السياسة الأمريكية الجديدة في تجاوز “الحوارات السياسية التقليدية” والانتقال إلى مرحلة “التعقيم الأمني”. تهدف استراتيجية “القفل الفولاذي” إلى:
• القضاء على القدرات العملياتية: عبر تعاون وثيق مع الشركاء الإقليميين (مصر، السعودية، والإمارات) لضرب البنية التحتية لفروع الجماعات المصنفة.
• تجفيف الموارد: تطبيق “حصار مالي رقمي” يمنع وصول عوائد النفط أو الاعتمادات المستندية إلى أي فصيل يرفض الانخراط في المنظومة الأمنية الموحدة.
• تأمين الأمن القومي الأمريكي: ضمان عدم تحول ليبيا إلى منصة لتهديد مواطني الولايات المتحدة أو مصالحها الحيوية في المتوسط والساحل.
° تقاطع المطارق الدولية (القانون، المال، والأمن).
ما يجعل عام 2026 نقطة تحول هو تلازم المسارات الدولية التي كانت تعمل ببطء في السابق:
• المسار الأممي: إحاطة رئيسة بعثة الأمم المتحدة الأخيرة أمام مجلس الأمن لم تكن مجرد تقرير، بل كانت
“بيان إنذار” بضرورة تنفيذ القرارات ومعاقبة المعرقلين فوراً.
• المسار المالي (صندوق النقد): أصبحت شروط المادة الرابعة للصندوق هي “القفل” الحقيقي؛ حيث لا سيولة ولا اعتراف مالي دولي لأي طرف ليبي لا يمتثل لمعايير الشفافية والرقابة الدولية.
• المسار الجنائي: تعمل مذكرات محكمة الجنايات الدولية والتزامات مجلس حقوق الإنسان كـ “سيف ديموقليس” المسلط على رقاب القيادات العسكرية والسياسية، مما يقلص خياراتهم بين التسليم أو الملاحقة الدولية.
° خارطة القوى في الغرب الليبي.. الفرز والتحول.
في طرابلس، أحدث مشروع “القفل الفولاذي” زلزالاً في التحالفات. نحن نرى الآن تشكل تيارين:
• تيار “البراغماتية الأمنية”: تقوده فصائل مثل (اللواء 444 وقوة الردع)، التي بدأت في تبني خطاب مكافحة الإرهاب والالتزام المهني لضمان مكان لها في “ليبيا الجديدة” كشركاء أمنيين لواشنطن.
• تيار “التخندق الأيديولوجي”: المجموعات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين التي تجد نفسها اليوم محاصرة بين قرار التصنيف الأمريكي وضغوط الشركاء الإقليميين، مما يضعها أمام خيار الانتحار العسكري أو التفكك الهادئ.
° ليبيا كنموذج للنظام العالمي الجديد.
تمثل الحالة الليبية اليوم النموذج الأول لما يمكن تسميته بـ “النظام العالمي للنتائج”، حيث:
• تُمنح الأولوية للاستقرار المادي وتأمين الموارد على حساب المسارات الديمقراطية المتعثرة.
• يتم استبدال السيادة الوطنية المطلقة بـ “إدارة دولية تقنية” للموارد والأمن (عبر صندوق النقد والاتفاقيات الأمنية).
• يتحول التدخل الدولي من “غزو عسكري” إلى “قفل تكنولوجي ومالي” يشل حركة الخصم دون إطلاق رصاصة واحدة في كثير من الأحيان.
° الحسم القادم
إن الأحداث تتجه نحو ذروة محتومة؛ فإما قبول محلي غير مشروط بالترتيبات الدولية الجديدة، أو مواجهة “صراع داخلي شرس” سينتهي بتدخل دولي جراحي لإتمام مشروع “القفل الفولاذي”. ليبيا 2026 ليست مجرد دولة تبحث عن حل، بل هي المختبر الذي يُصاغ فيه مستقبل الاستقرار العالمي القائم على القوة، المال، والمعلومات.
أقرأ أيضا
استراتيجية “القفل الفولاذي”: الهندسة العكسية للفوضى ونهاية جغرافيا التطرف

القفل الفولاذي” إعلامي أكثر من كونه واقعي. دول عظمى كالصرين وروسيا تتأثر جزئيًا فقط، بينما الدول الصغيرة كالنفطية تتعرض لضغط حاسم. غالبًا تلجأ الدول إلى التفاف مالي واستراتيجي، ما يحد من قدرة التهويل الإعلامي على الهيمنة.
عنوان القفل الفولاذي عنوان اعلامي لا أساس واقعي له.
التهويل بهذا القفل محدود التأثير فلا يطبق على الصين أو روسيا الا بشكل محدود ولئن كانت الدول الصغيرة المتمردة على السياسة الأميركية بعيدة جغرافيا وخارج الدول المصدرة للنفط كاليمن مثلا فإن نتائج القفل العقابي لبست حاسمة كما الحال في فنزويلا أو ليبيا.
وعادة تقوم تلك الدول و المكونات المسيطرة فيها باتباع عشرات الطرق للالتفاف بهذا القدر أو ذاك على الهيمنة الأميركية استنادا إلى التحكم بربط الدولار بالنفط .