لم يعًد حضورُ رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف في الوسط السياسي والإعلامي داخل إيران بارزا مثلما كان الوضع بعد حرب الـ40 يوما حينما تصدّر الأجواء السياسية وقاد الوفد الإيراني للتفاوض مع الجانب الأمريكي بغية التوصل إلى اتفاق معه. فهل تقلّص دوره راهنا وبات “غائبا” عن الساحة سياسيا وإعلاميا، أم هو لا يزال اللاعب البارز بل من اللاعبين الأبرز؟
منذ حادثة قطعٍ مقابلته التلفزيونية، التي فسرتها أوساط سياسية وبرلمانية بأنها تعكس خلافا داخل مؤسسات النظام حول النفوذ السياسي، ثم التظاهرات التي نُظّمت ضده بسبب ما تم وصفه بالتنازل عن بعض الحقوق الإيرانية أثناء مفاوضات إسلام آباد، تراجع ظهور قاليباف في وسائل الإعلام بشكل كبير بمعية تراجع تصريحاته.
لكن ذلك، وفق المراقبين، لا يعني بتاتا أنه بات مغيّبا، بل يعني أن مواقفه التفاوضية ومكانته السياسية أصبحت موضع تنافس داخل النظام. فعلى الرغم من أنه لا يزال يشغل موقعا مؤثرا كرئيسٍ لمجلس الشورى وكقيادي في الحرس الثوري، وشارك في ملفات سياسية وأمنية حساسة، فإن ذلك يدل على أنه لا يزال ضمن الدائرة العليا لصنع القرار لكن في إطار من الصراع السياسي الضيق.
ويمكن القول إن قاليباف بات يمثل أبرز رمزٍ في أحد جناحي هذا الصراع، فيما يمثّل “أحمد وحيدي” رئيس الحرس الثوري الرمز الآخر المنافس له في الجناح الآخر. أي أن نفوذ قاليباف يواجه منافسة من تحالفات داخل الحرس الثوري، وبالتالي هو لم يعد اللاعب المنفرد أو الأقوى بدعم من المرشد (إن كان حيًّا) أو من مكتبه، بل أصبح يواجه منافسة واضحة.
فالمرشد الأعلى (حسب الدستور) يبقى صاحب الكلمة النهائية في القضايا الاستراتيجية. لكن قيادة الحرس الثوري أصبحت أكثر تأثيرا في رسم السياسات الأمنية والعسكرية. وقد عززت الحرب الأخيرة وزن هذه المؤسسة داخل النظام. كما أن وجود المرشد من عدمه والتشكيك في وجوده والبيانات التي تصدر عنه، أصبح في قبضة الحرس الثوري بصورة كاملة.
ثم، من المفترض أن يلعب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، محمد باقر ذو القدر، الدور الأبرز في مراكز اتخاذ القرارات باعتبار أن لهذا المجلس دورا محوريا بعد المرشد، لكن “ذو القدر” يخضع حاليا وبالكامل لإرادة وحيدي، باعتبار أن “ذو القدر” قيادي من الحرس ومحسوب على وحيدي وهو ما يجعل تأثيره خاضعا لجناح رئيس الحرس.
أما الرئيس مسعود بزشكيان، صاحب التأثير الثالث بعد المرشد والمجلس الأعلى للأمن القومي دستوريا، فلا يمتلك أي قرار في الملفات الاستراتيجية. وتشير التقارير إلى أنه يواجه ضغوطا من التيار المحافظ والمؤسسات الأمنية ومكتب المرشد وأصبح مهددا بالابتعاد عن الساحة السياسية بشكل رسمي إذا ما تم قبول استقالته التي قدمها لمكتب المرشد عشرات المرات.
يبقى دور رئيس مجلس الشورى، الذي يستمد نفوذه من موقعه الدستوري ومن خلفيته الوظيفية كقيادي بارز في الحرس الثوري ويسانده جناح قوي فيه يستطيع من خلاله أن ينافس في موضوع اتخاذ القرارات وفي لعب دور رئيسي في القضايا المصيرية.
بعبارة أخرى، فإن من يقود إيران راهنا هو الحرس الثوري، ويتنافس داخله جناحان، أحدهما يقوده أحمد وحيدي، وهو الأقوى، والثاني يقوده قاليباف.
