كل صباح أحد، أعود إلى منزلنا الصيفي في قضاء المتن، إحدى المناطق اللبنانية ذات الغالبية المسيحية التي كانت تُعرف تقليدياً بأنها من معاقل الطبقة العليا والوسطى. وكحالِ كثيرٍ من العائلات اللبنانية، دأبت عائلتنا على التجمّع في الكنيسة نفسها عبر أجيال متعاقبة. لم تتغير الجدران الحجرية، وما زالت الترانيم مألوفة، ولا يزال عَبَقُ البخور ينساب في أرجاء الكنيسة تماماً كما كان عندما كنت طفلة. لكن شيئاً عميقاً قد تغيّر، وما إن تلاحظه حتى يصبح من المستحيل أن تغضّ الطرف عنه.
كان هناك زمنٌ كانت فيه قدّاسات يوم الأحد احتفالاً اجتماعياً أيضاً. كانت النساء تحضرن بفساتين ملوّنة، شعورهنّ مصفّفة بعناية، وأحمر الشفاه موضوع بإتقان، والمجوهرات مختارة بإتقان. كنّ يأتين للعبادة، ولكن أيضاً للقاء الجيران، وتبادل الأخبار، والاستمتاع بالطقوس الناعمة التي تجمع أفراد الطائفة. وبعد انتهاء القداس، كان من المعتاد أن تتلقى دعوة لتناول القهوة مع قطعة من الكعك المصنوع في المنزل. كانت الضيافة أمراً فطرياً. ولم يكن الإعتداد بالنفس يُقاس بالثروة، بل بالكرامة، والكرم، والحرص على الاعتناء بالمظهر ويالنفس.
اليوم، باتت الكنيسة نفسها تروي قصة مختلفة.
أصبحت الفساتين باهتة ومتهالكة. واختفت الزيارات المُكلِفة إلى صالونات تصفيف الشعر، وحلّ محلها الشعر الرمادي الطبيعي، ليس لأن الموضة تغيّرت، بل لأن صَبغَ الشعر بات من الكماليات التي اختفت بهدوء من ميزانية الأسرة. ما زالت الابتسامات مهذبة، لكن الوجوه التي تقف خلفها تَكِنّ إرهاقاً عميقاً. هناك ثِقَلٌ في عيون أناس أمضوا السنوات السبع الماضية يشاهدون مستقبلهم يتلاشى، بينما يتظاهرون أمام من حولهم بأن كل شيء على ما يرام.
إنه فَقرٌ لا يشبه أي فقر عرفه لبنان من قبل.
فَقرٌ لا يعيش في مخيمات اللاجئين أو في أحياء السَكَن العشوائي، بل يختبئ خلف فيلات جميلة بُنيت قبل عقود، حين كانت العائلات تؤمن بأن العمل الجاد والادّخار الحصيف كفيلان بضمان الأمان في سنوات الشيخوخة. وما زالت تلك المنازل شامخة، لكنها تكشف لمن يدقق النظر علاماتٍ خفية من التراجع. فالحدائق التي كانت يُعتنى بها بعناية فائقة أصبحت مُهمَلة. واختفت الورود لتحل محلها الأعشاب البرّيّة. وتمتد الأشجار عشوائياً نحو السماء لأن البُستاني الذي كان يأتي كل أسبوعين لم يَعُد في متناول الأسرة. ويتآكل أثاث الحدائق ببطء تحت أشعة الشمس. وتبقى البوابة المكسورة على حالها. ويتقشُّر الطلاء عن المصاريع التي لم يعد أحد قادراً على ترميمها.
أما الشوارع، فهي تروي قصتها الخاصة. سيارات بأبواب منبَعجة، ومصدات متشققة، ومصابيح مكسورة تبقى من دون إصلاح لأشهر، وأحياناً لسنوات. قبل الانهيار المالي، كان من الممكن إصلاح مثل تلك الأضرار خلال أيام قليلة. أما اليوم، فإن إصلاح المظهر الخارجي للسيارة ينافسُ الإنفاق على الطعام والدواء والكهرباء، ويخرجُ خاسراً لا محالة.
الناس الذين يعيشون في هذه المنازل ليسوا فقراء بالمعنى التقليدي للفَقر. إنهم معلمون متقاعدون، ومصرفيون سابقون، ومهندسون، وموظفو دولة، وممرضون، وأصحاب أعمال صغيرة. أمضوا عقوداً يدخرون، ويدفعون اشتراكاتهم في أنظمة التقاعد، ويشترون عقارات متواضعة، ويؤمنون بأن النظام المصرفي اللبناني سيحمي مدخراتهم التي جمعوها بجهد عمرٍ كامل. لكن الانهيار المصرفي حاصر مدخراتهم ومعاشاتهم التقاعدية داخل مؤسسات وثقوا بها ثقةً مطلقة.
ما يقارب 70 مليار دولار من الودائع ما يزال مجمّداً فعلياً داخل النظام المالي اللبناني. وقد أعلن حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد أن نحو 50 مليار دولار من هذه الخسائر تمثل أموالاً مستحقة على الدولة اللبنانية للمصرف المركزي، نتيجة عقود من تمويل عجز الموازنة العامة. ومهما تكن الصيغة المحاسبية التي سيُتفق عليها في نهاية المطاف، فإن الواقع الإنساني يبقى بسيطاً ومؤلماً: لقد أصبح المواطنون اللبنانيون العاديون، من غير أن يستشيرهم أحد، مُمَوِّلي دولة لم تسدّد لهم أموالهم حتى اليوم.
لقد سمحت تعاميم متتالية صادرة عن مصرف لبنان للمودعين بسحب مبالغ شهرية محدودة، غالباً ما تكون في حدود 400 أو 800 دولار، حسب طبيعة حساباتهم وظروفها. وبعد سبع سنوات على الانهيار، باتت عائلات متقاعدة كثيرة تعيش بالكامل على هذه السحوبات المحدودة. وفي بلد أصبحت فيه الأسعار تُحتسب بصورة متزايدة وفق قيمة الدولار، فإن هذا الدخل بالكاد يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية. كثيرون ممن كانوا يعيشون سابقاً حياةً مريحة أصبحوا اليوم يحسبون ثمن كل عملية شراء من متجر البقالة، ويؤجلون استبدال الأجهزة المنزلية المعطلة، ويتخلّون بصمتٍ عن مستوى المعيشة الذي أمضوا عقوداً في بنائه.
لكن المأساة تتجاوز الجانب المالي.
فالشباب لا يكادون يجدون أملاً في الحصول على عمل ذي معنى داخل لبنان. أما من تجاوزوا الخمسين من العمر، فإن فرصهم تكاد تكون معدومة. وكان العديد من المتقاعدين يعتمدون على إيرادات الإيجارات لتكميل معاشاتهم التقاعدية، إلا أن انهيار قيمة الليرة اللبنانية أدى إلى تراجع كبير في القيمة الحقيقية لتلك الإيجارات. وهكذا، تآكلت جميع مصادر الأمان المالي في الوقت نفسه.
ومع ذلك، فإن قلة قليلة من هؤلاء تطلب المساعدة.
فهناك شعور غير مُعلَن بالكبرياء، ولا سيما داخل العديد من البيئات المسيحية اللبنانية العريقة، حيث ظلّ الاستقلال المالي يُعدُّ على الدوام جزءاً من الكرامة الشخصية. وغالباً ما يُنظر إلى طلب المساعدة ليس باعتباره دليلاً على ضيق الحال فحسب، بل بوصفه نوعاً من الفشل. وسواء كان هذا التصور مُبرَّراً أم لا، فذلك ليس هو المهم؛ إذ إنه يؤثر بعمق في سلوك الناس. فكثيرون يفضلون أن يخفضوا مستوى معيشتهم بصمت، بدلاً من الوقوف في طابور أمام مؤسسة خيرية.
وتصبح عواقب ذلك واضحة في كل مكان، بمجرد أن يُمعِنَ المرء النظر فيها.
فقد أُلغيت بوالص التأمين لأن أقساطها أصبحت باهظة لا يمكن تحمّلها. وأصبحت الفحوصات الطبية الروتينية تُؤجَّل حتى تقتصر على زيارة سنوية، ثم لا يعود الناس يراجعون الطبيب إلا في حالات الطوارئ. وتُقنَّن الأدوية ويُقتصد في استخدامها. وتُؤجَّل مواعيد طبيب الأسنان إلى أجل غير مسمى. وتتحول الأمراض البسيطة إلى حالات خطيرة لأن العلاج يُؤخَّر حتى لا يبقى أي بديلٍ آخر. وفي كثير من الحالات، لا يموت الناس لأن الطب لم يعد موجودًا، بل لأنهم انتظروا وقتًا طويلًا قبل أن يطلبوا العلاج.
وقد تكون الآثار النفسية أكثر تدميرًا من ذلك.
فقد وصفت لي كارين، وهي أخصائية علم نفس سريري تمارس عملها في أحد أحياء بيروت التي كانت تُعد تقليديًا من أحياء الطبقة العليا المتوسطة، زيادةً حادة في عدد المرضى الذين ينبع ضيقهم النفسي مباشرةً من الانهيار المصرفي. وأكثر الحالات التي تقلقها هي حالات رجال في الخمسينات من العمر أمضوا حياتهم وهم يعتقدون أنهم يوفرون الأمان لعائلاتهم.
وقالت موضحةً:
«عندما فقدوا إمكانية الوصول إلى مدخراتهم، شعر كثيرون منهم بأنهم فقدوا هويتهم.”
وهي تعالج اليوم أعدادًا متزايدة من الرجال في منتصف العمر الذين يعانون من اكتئاب حاد، وقلق شديد، ووساوس انتحار. وأكثر ما يلفت انتباهها ليس الخسارة المالية بحد ذاتها، بل الشعور بالخزي الذي يرافقها.
وتقول:
«إنهم لا يأتون طالبين مساعدةً مالية، بل يأتون وهم مقتنعون بأنهم فشلوا في الحياة.»
ويرفض كثيرون منهم إخبار أقاربهم بمدى اليأس الذي وصلت إليه أوضاعهم المالية. بينما يعزل آخرون أنفسهم لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمّل تكاليف الحياة الاجتماعية التي اعتادوا عليها. فيتجنبون حفلات الزفاف، والتجمعات العائلية، والأمسيات مع الأصدقاء، لأنهم لا يحتملون حَرَجَ الاعتراف بأنهم لا يستطيعون دفع ثمن العشاء أو شراء هدية. لقد أصبح فُقدان المال فقدانًا للهوية.
ويبقى يأسهم في معظمه غير مرئي.
يُمنى شهاب، التي تترأس الجمعية الخيرية البيروتية Bey1، شهدت التحول نفسه ولكن من زاوية مختلفة. فقبل الانهيار المالي في لبنان، كانت الجمعية تُعد نحو ستين وجبة أسبوعيًا. أما اليوم، فهي تُحضِّر ما يقارب 1,800 وجبة غداء كل أسبوع.
ولا تعكس هذه الزيادة تنامي الفقر فحسب، بل تعكس أيضًا تغيرًا في طبيعة الأشخاص الذين يطلبون المساعدة.
فقد أصبح المعلمون، والمصرفيون المتقاعدون، وضباط الشرطة، وموظفو القطاع العام السابقون، والعاملون في المكاتب يظهرون اليوم على قائمة المستفيدين من خدمات الجمعية. وهؤلاء أناس كانوا يعيشون حياةً مستقرة ومحترمة تنتمي إلى الطبقة الوسطى، لكن مدخراتهم قد تبخرت فعليًا.
ومع ذلك، لا يزال كثيرون يرفضون دخول ما يعتبرونه مطبخًا خيريًا.
لذلك غيّرت شهاب أسلوبها.
فبدلًا من أن تطلب من الناس الحضور للحصول على المساعدة، تكتفي بدعوتهم إلى الغداء.
فاللغة التي نستخدمها مهمة، لأن الكرامة مهمة.
وعندما يَصلون، يكتشفون أنهم محاطون بأشخاص يواجهون ظروفًا مشابهة لظروفهم. ومع مرور الوقت، يتلاشى الشعور بالخجل تدريجيًا ليحل محله الإحساس بالانتماء إلى مجتمع متضامن.
وتروي أيضًا قصصًا مؤلمة بالقدر نفسه عن أطفال مدارس يذهبون إلى المدرسة من دون علب طعام، لأن أهلهم لم يعودوا قادرين على تحمُّل تكلفة إعدادها، ما دفع الجمعية إلى توزيع وجبات غذائية مخصصة لتلاميذ المدارس. كما تتحدث عن نساء يتخلّين بصمت عن شراء مستلزمات النظافة الشخصية الأساسية لتوفير المال. وبدلًا من توزيع الصابون بوصفه صدَقة، يحرص متطوعو يُمنى على تغليفه وتقديمه على أنه هدية. وبعد أن تُبنى جسور الثقة، يبدأ المستفيدون بسؤال المتطوعين بلطف عن موعد وصول «الهدية» التالية.
في مختلف أنحاء لبنان، تجري أعمال مماثلة من التضامن الهادئ بعيدًا عن الأنظار.
أخبرتني صديقة أن والدتها المسنّة تتكفل بسداد فواتير الكهرباء لاثنين من جيرانها في المبنى نفسه. أحدهما مصرفي متقاعد لا يزال معاشه التقاعدي محتجزًا داخل النظام المالي. وهو يعيش على السحوبات الشهرية المحدودة التي يسمح بها المصرف، ويرفض اللجوء إلى الجمعيات الخيرية. ولا تستطيع والدة صديقتي تقديم هذه المساعدة إلا لأن أبناءها الأربعة، الذين يقيم بعضهم في الخارج، يدعمونها ماليًا. وهي بدورها تساعد بهدوء جارين يفضلان المعاناة على طلب العون.
قصص كهذه نادرًا ما تتصدر عناوين الأخبار.
لا توجد إحصاءات حكومية تقيس عدد الجيران الذين يسدّدون فواتير بعضهم البعض بصمت.
ولا يوجد أي تقرير اقتصادي يوثِّق أكياسَ البقالة التي تُترك مجهولة المصدر أمام أبواب المنازل لمساعدة المحتاجين.
ولا تحسبُ أية وزارة العبء النفسي الذي يتحمّله الآباء والأمهات الذين يصرّون على أن يكذبوا قائلين لأبنائهم المغتربين أن كل شيء على ما يرام، فيما هم يتخطّون وجبات الطعام بصمت كي تكفيهم أموالهم حتى آخر الشهر.
بعد مرور سبع سنوات على انهيار القطاع المصرفي في لبنان، لا يزال مجلس النواب يناقش إعادة هيكلة المصارف، والإصلاحات المالية، والتشريعات التي يُفترض أن تحدّد كيف يمكن للمودعين أن يستعيدوا، في نهاية المطاف، جزءًا من مدّخراتهم. هذه النقاشات ضرورية، لكنها تجري بوتيرة منفصلة تمامًا عن واقع حياة أولئك الذين ينتظرون نتائجها.
كل شهر يمضي هو شهر إضافي يؤجّل فيه زوجان مسنّان العلاج الطبي الذي يحتاجانه.
وشهر آخر تتساءل فيه معلّمة متقاعدة عمّا إذا كانت قادرة على تحمّل تكاليف التدفئة خلال الشتاء.
وشهر آخر يفقد فيه شخص ما الأمل بصمت.
يتحدّث لبنان كثيرًا عن إعادة بناء نظامه المالي، لكنه يتحدّث أقل بكثير عن إعادة بناء حياة أولئك الذين دمّر ذلك النظام المالي حياتهم.
كل يوم أحد، وأنا أغادر الكنيسة، لم أعد ألتفت إلى جمال الهندسة المعمارية أو إلى الزهور الموضوعة على المذبح. بل أصبحت ألاحظ وجوه أشخاص أمضوا عقودًا وهم يؤمنون بأن الأمانة، والعمل الجاد، والادخار بحصافة، ستمنحهم شيخوخة هادئة وكريمة. لكنهم وجدوا أنفسهم، بدلًا من ذلك، يحاولون التكيّف مع واحدة من أكبر الانهيارات المصرفية في التاريخ الحديث، بكرامة لافتة وصمتٍ يبعث على الدهشة.
فَقرهم نادرًا ما يُلتقط في الصور، لأنه لا يشبه الصورة التقليدية التي نتخيّلها للفقر. إنهم يرتدون ملابس محترمة، ويعيشون في بيوت محترمة، ويصرّون بأدب على أن كل شيء تحت السيطرة.
ولعلّ هذا هو السبب الذي جعل من السهل على بقية اللبنانيين أن يغضّوا الطرف عنهم.
إن أكبر أزمة إنسانية في البلاد لم تعد تقتصر على أولئك الذين كانوا فقراء دائمًا، بل إنها تتكشف بصمت بين أولئك الذين لم يتخيّلوا يومًا أنهم سيصبحون كذلك.
إنهم لا يتسوّلون.
ولا يشتكون.
بل يواصلون التقدّم في العمر، ويزدادون قلقًا قليلًا، ويصبحون أكثر خفاءً عامًا بعد عام، منتظرين وطنًا لا يزال مدينًا لهم، ليس فقط بمدّخراتهم، بل أيضًا بتفسير لما حدث.
ولعلّ هذه هي الإرث الأكثر قسوة لانهيار لبنان المالي: ليس فقط مليارات الدولارات التي اختفت، بل الاختفاء الصامت لطبقة وسطى كاملة، ظلّت معاناتها مستترة خلف الكرامة، والكبرياء، والصمت.

