منذ عام 2011، لم تكن الأزمة الليبية يوماً أزمة شُحّ في المبادرات، أو عقم في النصوص القانونية؛ بل كانت دوماً أزمة“المُشخِّص الذي يقتات على المرض“. وفي هذا السياق السريالي، تأتي وثيقة المبادئ الصادرة عن رئاسيات المجالس الثلاثة (النواب، الدولة، والرئاسي) بشأن “خارطة طريق لإنهاء المرحلة التمهيدية“، لتطرح صياغات منمقة وجداولزمنية طموحة، لكنها في جوهرها لا تتعدى كونها “جرعة وهمية” تُحقن في أجساد سياسية ميتة إكلينيكياً؛ واجهات كرتونيةلواقع أمني واقتصادي بالغ التوحش والتعقيد.
● الخديعة الكبرى
تعتمد المنظومة المهيمنة على المشهد الليبي منذ سنوات على استراتيجية بقاء مخادعة وخبيثة يمكن تسميتها بـ “التحكمالسياسي في الزمن“؛ وهي آلية مكررة لامتصاص غضب الشارع وتخدير الوعي الجمعي عبر تحديد فترات زمنية وهميةوقصيرة الصلاحية (مثل سقف الـ 8 أشهر المقترح).
إن وضع جدول زمني لا يتجاوز ثمانية أشهر لإنجاز تعديل دستوري رابع عشر، وصياغة قوانين، وإعادة هيكلة تسعمناصب سيادية، وتوحيد الميزانية، هو أمر غير كافٍ عملياً ومستحيل لوجستياً. فالإدارات الفنية للمفوضية العلياللانتخابات تحتاج وحدها من 4 إلى 6 أشهر لإعداد التدابير اللوجستية بمجرد تسلمها قوانين جاهزة، نهائية، وخالية منالطعون القانونية.
لذلك، فإن الهدف الحقيقي من هذه المدد الضيقة ليس التوجه نحو صناديق الاقتراع، بل “شراء الوقت” وإعادة تدويرالفراغ، من خلال إشغال الرأي العام بتفاصيل تفاوضية ومقايضات جديدة تمطّ عمر الأجسام الحالية وتمنحها شرعية مؤقتةمستعارة من رحم الأزمة ذاتها.
● الشياطين الكامنة في التفاصيل
عند إخضاع الوثيقة الأخيرة للتحليل، تتكشف عدة ثغرات جوهرية صُممت بعناية لتكون ألغاماً موقوتة تُفجر الاتفاق عندأول محاولة للتنفيذ الفعلي:
> غياب آليات الإلزام والمحاسبة؛ إذ تفتقر الخارطة إلى أي تدابير عقابية أو رادعة في حال أخلّ أي طرف بالتزاماته، ممايفتح الباب لإعادة إنتاج سيناريوهات التعثر السابقة دون أدنى عواقب للمعرقلين.
> ترحيل الألغام الدستورية؛ عبر الاعتماد على قوانين لجنة (6+6) الميتة بسكتة سياسية، دون حل جذري وعلني للمسائلالخلافية الكبرى (مثل شروط ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية) يعني نقل الانسداد السياسي ذاته من قاعات الحوار إلىمرحلة التنفيذ على الأرض.
> تقنين المحاصصة وتوسيعها؛ من خلال إن إقحام “مؤسسات الاستثمارات الخارجية” و“المؤسسة الوطنية للنفط” فيبازار المادة 15 من الاتفاق السياسي، يعيد صياغة مفهوم الدولة كـ “غنيمة” يجري تقاسمها جهوياً وفصائلياً مع تدخلاتخارجية سامة تحت مسمى فضفاض هو “توحيد المناصب السيادية“.
● الواجهات الكرتونية وحراس المافيا
تكمن المفارقة الوجودية في أن الشخصيات والأجسام التي تصدرت مشهد التوقيع على هذه “الصفقة المفخخة” هي ذاتهاالتي ارتبطت في الوجدان العام الليبي بإنتاج الأزمات وإحباط أي مسار يؤدي إلى الاستقرار خوفاً من فقدان كراسيهاومكتسباتها.
لكن التشخيص الأكثر عمقاً ونزاهة يتجاوز هؤلاء الموقعين؛ فهم في حقيقة الأمر “واجهات كرتونية” في مسرح عرائس لايملكون من أمر سيادتهم شيئاً. إن القرار الحقيقي في ليبيا اليوم مرتهن لبنية سلطة موازية خفية تتحكم في المشهد عبرمسارين:
مافيات السلاح والفساد: القرار أسير لدى “مافيات مسلحة” تسيطر على الجغرافيا وتحمي شبكات فساد عابرة للمدنوالخطوط السياسية، تنهب المال العام وادارة التهريب وتتحكم في مفاصل المصارف والاعتمادات. أي اتفاق لا يضمنمصالح هذه الشبكات المالية المسلحة سيكون مصيره سلال المهملات فوراً.
المنصات الاستخبارية والقواعد الأجنبية: هذه المافيات المحلية ليست سوى أدوات في لعبة شطرنج دولية وإقليمية. فشرايين الحياة الليبية (من نفط وموانئ ومطارات وقرار سيادي) تدار وتوجّه عبر دول متدخلة تمتلك قواعد عسكريةمرئية ومنصات استخبارية واعلامية تدير التفاصيل اليومية للمشهد.
● إحاطة هانا تيتا والمقاربة المفقودة
في الوقت الذي كانت فيه الأطراف الثلاثة تحتفي بمبادرتها في الغرف المغلقة، جاءت إحاطة المبعوثة الأممية أمام مجلسالأمن لتسلط الضوء على الهوة الشاسعة بين خطابات الواجهات الكرتونية ومخاوف المجتمع الدولي الحقيقية. المداخلةركزت بشكل صارم على خطورة استمرار حالة التشرذم الأمني، والتهديدات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد الليبي نتيجةاستمرار سياسات الإنفاق الموازي غير الخاضعة للرقابة، وغياب التوزيع العادل للموارد الذي يغذي شبكات المافياالحاكمة.
الرسالة الأممية المبطنة: لقد عكس التزامن بين المبادرة الثلاثية وإحاطة مجلس الأمن رغبة واضحة من البعثة في تذكيرالقادة الليبيين بأن أي “خارطة طريق” لا تحظى بملكية وطنية شاملة، وتفتقر لضمانات تفكيك المعضلات الأمنية والماليةعلى الأرض، لن تكون سوى قفزة أخرى في الفراغ. إنها دعوة غير مباشرة لعدم الانخداع بالوعود الزمنية طالما ظلتالبيئة الأمنية والسياسية مرتهنة لذات أدوات التعطيل.
● الثقة المفقودة
في ظل هذا المختنق، يتضح أن الوعي الجمعي الليبي بات محصناً ضد الصدمات التخديرية؛ فالإجابة الواقعية القاطعة هيأنه لا يمكن الوثوق بهذه الصفقة. وبناءً على معطيات الواقعية السياسية، فإن جهات الثقة المفترضة لإحداث خرق حقيقيتنقسم إلى ثلاثة مستويات:
الإرادة الشعبية (المجتمع المدني): وهي القوة الحقيقية غير المفعلة حتى الآن. الثقة لا تمنح للأجسام السياسية الميتة بلتُنتزع عبر حراك مدني منظم يرفض التمديد ويفرض الانتخابات كحق أصيل وانتزاعاً للسيادة المغتصبة.
المفوضية العليا للانتخابات: باعتبارها جهة تكنوقراطية فنية يثق الجميع في قدرتها اللوجستية، لكنها تظل مكبلة الأيديبانتظار إفراج الأجسام السياسية المعرقلة عن قوانين انتخابية قابلة للتطبيق بالفعل.
الضمانات الدولية الحازمة: لا يمكن الوثوق بالداخل دون وجود “عصا دولية” حقيقية من مجلس الأمن تلوّح بعقوباتمباشرة وموجعة على المعرقلين وشبكات الفساد وتفكك التدخلات الأجنبية المدمرة للاستقرار، وهو ما تتقاطع معه بوضوحالتحذيرات الأممية الأخيرة من خطورة استمرار الوضع القائم.
إنّ إفرازات هذا الاتفاق تؤكد أنّ “خارطة الطريق” الجديدة ليست سوى أداة تكتيكية ضمن استراتيجية “التحكم في الزمن” لترحيل الاستحقاقات وإطالة عمر أجساد فاقدة للشرعية الشعبية والقانونية. الرهان على التزامات شفهية من منظومة تقتاتعلى استدامة الانقسام هو سقوط في فخ الوهم السياسي؛ فالثقة لا تُمنح لمنظومة صاغت الاتفاق ليكون آلية للمحاصصةوتوزيع الغنائم بدلاً من كونه جسراً للعبور نحو الدولة.
إن أي مسار انتقالي لا يبدأ بتفكيك النفوذ المالي والعسكري لشبكات الفساد والمافيات المسلحة، وتقليص ارتهان القرارالسيادي للمنصات الاستخبارية الأجنبية، سيبقى مجرد إعادة تدوير للفراغ السياسي.
الاستقرار لن يتحقق عبر مسرحيات تفاوضية فوقية تنتهي صلاحيتها عند صياغة السطور الأولى من القوانين الانتخابية، بل يفرض حتماً وجود قوة ضغط شعبية حية أو إرادة دولية حازمة قادرة على فرض العقوبات على المعرقلين؛ ودون ذلك، يظل المشهد الليبي مفتوحاً على خياري الانسداد المستدام أو الانفجار الشامل، لتنتهي معها ملهاة “رهائن الطاولةالمستديرة“.
