ها هو عبد الكريم سروش يعود من جديد، في هيئة شيخ المثقفين الدينيين وشيخ الطريقة السروشية، وقد نسي أن أول من ضرب بالفأس في جسد هذه الأيديولوجيا كان هو نفسه، حين تجاوز علي شريعتي. لكنه اليوم لا يكتفي بالدفاع عن علي شريعتي والقول: «حتى اليوم لا أكّن تلك الشكوك تجاه شريعتي»، بل يغضب أيًضا في مواجهة منتقدي علي شريعتي الذين ينتقدون دوره في مزج الإسلام بالماركسية، ويهاجم اقتصادًيا نبيًلا لم يجد، في وصفه للتزوير العلمي الذي ارتكبه شريعتي، كلمة أفضل من تلك الكلمة، فيستخدم بحقه لفًظا أكثر إساءة منها.
عندما نتحدث عن «المثقفين الدينيين»، ينبغي لنا في البداية أن نوضح ما نقصده بهذا المصطلح. فـ«المثقف الديني» هو، أو بالأحرى «المثقف الديني الإصلاحي»، تيار نشأ بين المتعلمين الجدد، يقوم بالإصلاح من داخل الإسلام، لكنه يعمل خارج المؤسسة الرسمية للدين، أي الحوزات العلمية التيُتعّد مهد المؤسسة الدينية، ويحاول أن يطّور الإسلام ويعززه في مواجهته مع العالم الحديث وعصر الحداثة.
وبعد سيد جمال الدين الأسدآبادي (الأفغاني)، الذي خرج من الحوزة لكنه لم يبَق في الحوزة، واجهنا في إيران ثلاثة أجيال من المثقفين الدينيين.
الجيل الأول كان الجيل الأول يضم مثقفين مثل مهدي بازركان ويد الله سحابي، الذين نظروا إلى الدين من منظور العلم. وكان المقصود بالعلم لديهم هو المعرفة التجريبية الحديثة في العلوم الطبيعية والهندسة، وكان معيار علميتها هو التجربة، أي الاختبار.
لم يكن هذا التيار يعرف العلوم الإنسانية والاجتماعية، لأنه كان غريًبا عن الفلسفة باعتبارها أّم هذه العلوم، وهو الأمر الذي تحول لاحًقا إلى نقطة ضعفه الأساسية.
فمع ظهور الماركسية بوصفها أول احتكاك للعلوم الاجتماعية الحديثة بإيران، بدأت أزمة المثقفين الدينيين. ومع ترجمة كتاب «رأس المال» لماركس، وأعمال مثل «مبادئ علم الاقتصاد» التي ترجمها مثقفون من حزب توده، مثل عبد الحسين نوشين، أصبح غياب الدين عن هذا العلم مشكلة مطروحة. وكتب أبناء المثقفين الدينيين، ومن بينهم أفراد في منظمة مجاهدي خلق، كتيبات مثل «الاقتصاد بلغة بسيطة»، من خلال نسخ التعاليم الماركسية والتودهية (نسبة إلى حزب توده)، فكانوا يعيدون إنتاج الرواية اليسارية عن المجتمع.
الجيل الثاني
كان الجيل الثاني من المثقفين الدينيين من خريجي العلوم الاجتماعية، ومن بينهم أشخاص مثل علي شريعتي وسيد أبو الحسن بني صدر، اللذين درسا علم الاجتماع والاقتصاد. وفي ذلك الوقت كانت العلوم الاجتماعية قد بدأت حديًثاُ تدرس في جامعة طهران، بجهود أشخاص مثل غلام حسين صديقي وإحسان نراقي (أحد مستشاري فرح بهلوي). لكن الطلاب الشباب، مثل شريعتي وبني صدر، توجهوا إلى فرنسا لسّد النقص في العلوم الاجتماعية في إيران من منبعها الأصلي. كان مثقفو الجيل الثاني أهل خطابة ومقالة، وصّبوا المفاهيم الاشتراكية التي جلبوها من فرنسا في قوالب نظرية، مثل نظرية «الاقتصاد التوحيدي»، ومنحوا الإسلام غطاًء ماركسًيا ـ اشتراكًيا.
وكان إنكار الملكية الخاصة، وتقديم المجتمع على الفرد، وإعادة بناء تقديس الدولة، ومحاربة رأس المال، من أبرز نتائج هذا التيار.
ثم انضم إليهم لاحًقا أشخاص مثل حبيب الله بيمان، بل أصبح بعضهم أكثر ماركسية من الماركسيين أنفسهم، حين تحولوا بعد الثورة إلى منّظرين لعمليات المصادرة وتأميم الاقتصاد والصناعة، من خلال مجلة «أمَّت»، استمراًرا لنظرية «بلا طبقات».
الجيل الثالث
أما الجيل الثالث من المثقفين الدينيين فقد ظهر بعد الثورة الإسلامية.
وكان أبرز وجوه هذا الجيل عبد الكريم سروش، ثم محمد مجتهد شبستري، الذي انتقل من الحوزة إلى مجال المثقفين الدينيين، وكذلك مصطفى ملكيان، الذي تخلى عن المؤسسة الدينية واتجه إلى العمل الفكري. لكن هؤلاء أيًضا لم يبقوا في إطار المثقفين الدينيين بالمعنى التقليدي.
كان هؤلاء أهل فلسفة وكلام وعرفان، ولم يحملوا الفقر الفلسفي الذي اتسم به الجيل الأول، ولا النزعة الماركسية ـ الاشتراكية التي طبعت الجيل الثاني، كما كانوا يعرفون العلوم الإنسانية، وليس العلوم الاجتماعية فحسب. والتمييز بين العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية هنا يعني التمييز بين الفلسفة واللاهوت من جهة، وعلم السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع من جهة أخرى.
ومن الناحية السياسية، كان الجيل الثالث ناقًدا للنزعة المناهضة للفلسفة والمناهضة للفقه لدى الجيل الأول، الذي تأثر بمعلمين خفيين، من بينهم شريعت سنغلجي، واتجه إلى مناهضة الفلسفة الصدرائية (نسبة إلى الفيلسوف ملا صدرا)، وكان يرى الفلسفة عديمة الجدوى في مقابل العلم الحديث.
ومن داخل هذا الاتجاه الفلسفي جاء نقد الماركسية، الأمر الذي أنقذ المثقفين الدينيين من أضرار الجيل الثاني.
لكن كان هناك داء آخر داخل هذا التيار:
ففلاسفة مثل عبد الكريم سروش، رغم أنهم درسوا فلسفة العلم، كانوا أقرب في الفلسفة الإسلامية إلى علم الكلام، الذي تتمثل مهمته في توظيف العقل لإثبات الدين، وليس استخدام عقل مستقل عن الدين.
ولهذا، فإنهم بوصفهم مثقفين جدًدا انتهوا في نهاية المطاف إلى السعي لتأسيس علم كلام جديد. وبوصفهم مفكرين صدرائيين، كانوا يرون ارتقاء الحكمة والفلسفة في ارتباطها بالمعرفة أو العرفان، بل وحتى بالتصوف والصوفية.
«الأوشينية» و«الصناعة والقناعة»
من الضروري هنا الإشارة إلى نموذج واحد من الفهم الخاطئ للمثقفين الدينيين للعصر الحديث، لأنه يرتبط مباشرة بزماننا وبالنقاش الدائر اليوم.
في عام 1985 ميلادي، الموافق 1365 هجرًيا شمسًيا، أي قبل أربعين عاًما، أرسلت وزارة الإرشاد الإسلامي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفًدا إلى اليابان لزيارة معرض صناعي. وفي ذلك الوقت، كما هو الحال اليوم حين تبحث إيران عن «نموذج» وتلتفت أحياًنا إلى روسيا، وبدرجة أكبر إلى الصين، بوصفهما نموذًجا، كانت إيران تعتقد أن اليابان، التي عانت من الولايات المتحدة، استطاعت أن تحقق التقدم من خلال العودة إلى التقاليد. لكن فهمنا لتقاليد اليابان كان ينتهي في نهاية المطاف إلى الكيمونو، أي الزي التقليدي الياباني. وهذا أيًضا كان نتاًجا مباشًرا وغير مباشر لبث المسلسلات اليابانية، مثل «الأعوام البعيدة عن الوطن» (أوشين) أو «قصة الحياة» (هانيكو).
وعلى الرغم من الرقابة الشديدة على مضمون القصص، فإن مهمة الرقيب لم تكن صعبة بسبب ملابس النساء اليابانيات! وفي استمرار لهذه «الأوشينية»، ذهب سروش أيًضا إلى اليابان ليجيب عن السؤال: «ماذا تريد جماعتنا التي قامت بالثورة أن تفعل ، بالصناعة؟»، كما يقول في كتابه” تفرج صنع” ص .2
كان سروش ينطلق في رحلته من حكم مسبق مفاده أن الصناعة أشبه بـ«غول متمرد»، وأن نتائجها هي: «تعظيم الطبيعة، وإزالة الغفلة، وإزالة التقاليد، والقضاء على القناعة، وإثارة الطمع، وزيادة الاحتياجات».
ولهذا ذهب سروش إلى اليابان بهدف كبح التقنية و«حّلها وإذابة كيانها»، لكي يثبت أن: «أفضل تكنولوجيا هي تلك التي لا تكون موجودة».
وكانت ثمرة رحلة سروش مقالته «الصناعة والقناعة»، التي نُشِرت ضمن كتاب «تفّرج صنع»، الصادر عن دار سروش للنشر التابعة لمنظمة الإذاعة والتلفزيون، عام 1366 هجرًيا شمسًيا (1987 تقريًبا).
يبدأ الدكتور سروش مقاله بالإشارة إلى «تقدير المسؤولين المحترمين في وزارة الإرشاد الإسلامي» وإلى «العزم على استخلاص العبر من الصناعة ومن تدبير وحيل أرباب العلم والتقنية» (ص 274)، وهي عبارات تكشف بوضوح عن موقفه المسبق.
كان فيلسوف العلم الذي انحدر إلى مرتبة منّظر أيديولوجي للنظام، يعرف بالطبع أن «اليابان كانت تريد أن تُظهر أنها تنتقل من التقليد إلى الابتكار» (ص 275).
لكن ما أورده سروش لم يتجاوز رواية سطحية وسريعة عن المعرض الصناعي، بل إنه لم يَر في اليابان، حتى بمستوى مراسل اقتصادي، أيا من التقنيات الحديثة. أما عن الجناح الإيراني، فقد اكتفى بالقول إنه «كان يتمتع بأجواء روحانية». ولكن ما الذي كانت تعنيه هذه الروحانية في معرض صناعي؟
«كان المقهى الشعبي، الذي كان مقصد السالكين ومنتهى طريقهم ومزيل تعبهم، غاية الطريق في آٍن واحد، وكان هو نفسه موضوع المعرض» (ص 280).
والعجيب أن فيلسوف النظام كان يشعر بالزهو لأن الجناح الإيراني في معرض الصناعة الياباني قد صُمِّم على هيئة مقهى شعبي، كانت «جداول المياه تجري من الجهات الأربع للمقهى، على مثال حديقة فين، وكانت تنبع من حوض للوضوء، وكان منظرها عظيًما باعًثا على البهجة».
يا للعجب! كان سروش يثني على هذا المشهد، وُيقّدر «ملح» وزارة الإرشاد الإسلامي، التي أوصلت بلًدا كان يتمتع بصناعة مبتكرة في عقد الأربعينيات [من القرن الإيراني] إلى فضيحة في عقد الستينيات، بحيث أصبح المقهى الشعبي يحل محل المصنع!
يا للأسف لو أن سروش كتب تقريًرا آخر عن ذلك المعرض!
إنه يشكر الله على «التوبة التي قامت بها إيران من النظام الملكي الشرير، والاغتسال الذي قامت به بماء الثورة، والنعمة التي نالتها في ظل الجمهورية الإسلامية الإيرانية» (ص 280). ونحن لا نعرف ما الذي كان يقصده بذلك. هل كان تأميم الصناعات وتحول المصانع إلى مؤسسات خاسرة، وتهالك التكنولوجيا نتيجة المصادرات الكبرى في عام 1358 [1979]، هي ماء التوبة الذي اغتسلت به الصناعة الإيرانية؟
نقد شريعتي واتهام الليبرالية
مّر الدكتور عبد الكريم سروش نفسه بتحول وتطور في معرفته الدينية، وكتب نظرية «قبض وبسط الشريعة»، لكنه لم ينتقد قط نظرية «الصناعة والقناعة».
ومع أنه أصبح في عقد السبعينيات [من القرن الإيراني]، من خلال نظرية «أكثر سمنة من الأيديولوجيا»، أول منتقد لعلي شريعتي، وتجاوز شريعتي بتعريفات هي الأكثر إشادة به، وذلك حتى في مراسم تكريم «المعلم الشهيد (؟) للثورة»، فإنه اتهم بالليبرالية.
لكن تلك الليبرالية بقيت على مستوى فلسفة العلم ولم تصل حتى إلى الفلسفة السياسية. فعبد الكريم سروش لم يكن يعرف شيًئا، ليس فقط عن التاريخ والفلسفة السياسية والقانون الدستوري والاقتصاد السياسي، بل كان يعتقد أن بإمكانه، من خلال فلسفة العلم وعلم الكلام الجديد والعرفان والأخلاق، أن يفّسر العالم الجديد.
ولهذا فّسر، بسذاجة، المجتمع المدني، الذي لا يمكن أن ينشأ إلا من القطاع الخاص، باعتباره مجتمًعا أخلاقًيا.
وفي السنوات اللاحقة، ادعى سروش في حوار مع مجلة «ُگزاِرش فیلم» أنه ليبرالي ديمقراطي، من دون أن يتبنى فلسفة الليبرالية السياسية؛ وهي فلسفة لم يكن «المجتمع المفتوح» لدى كارل بوبر كافًيا لتأسيسها.
استسلام سروش لموجة الماركسية الجديدة
لكن الأمر المثير للدهشة والذي يستحق النقد هو تراجع سروش عن جميع التحولات التي شهدتها العقود الإيرانية من السبعينيات إلى التسعينيات.
فخلال هذين العقدين، ارتدى سروش عباءة الليبرالية، وخاض مواجهة مع اليسار بوصفه مفكًرا ليبرالًيا. لكنه منذ عدة سنوات، وبعد أن عاش في مهد الليبرالية، ثار عليها إلى درجة توحي بأنه نسي أبسط بديهيات الليبرالية.
لقد أصيبت الولايات المتحدة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة بفيروس اسمه الترامبية، وهو أقرب إلى الفاشية منه إلى الليبرالية التي كتب عنها الآباء المؤسسون للولايات المتحدة في المقالات الفدرالية ( Federalist The .(Papers
لكن نقد الإمبريالية الأمريكية ــ وهو واجب يقع على عاتق جميع أنصار الحرية، بل وحتى الليبراليين المستقلين والوطنيين والعالميين ــ لا يعني إنكار الحداثة والتنمية والتقدم والديمقراطية.
فلا تزال قيم مثل حقوق الإنسان، وحكم القانون، والمجتمع المفتوح، والتنمية المستدامة، والاقتصاد الحر قابلة للدفاع عنها. بل إن الإمبريالية والفاشية الأمريكية ينبغي، في الواقع، أنُتنتقد من هذا المنظور نفسه. ولا ينبغي الاستسلام للموجة الماركسية الجديدة التي، من خلال اختزال الليبرالية في النيوليبرالية، تتجاهل القيم التحررية.
يجب الوقوف بثبات، ومن موقع الليبرالية، في مواجهة كل من الماركسية والفاشية، والأهم منهما في زماننا هذا: الإمبريالية.
والمثال الواضح على الاستسلام لموجة الماركسية الجديدة المناهضة للنيوليبرالية هو الدكتور عبد الكريم سروش، إلى درجة تجعل المرء يتساءل عما إذا كان قد كان ليبرالًيا أصًلا، رغم أنه لا يزال يّدعي الليبرالية.
وفي حوار مطول حول سيرته الذاتية مع مجلة «اندیشه پویا»، العدد ،101 يقول: «إذا فصلنا الأبعاد المختلفة لليبرالية عن بعضها، فأنا ليبرالي تماًما في مجال الحريات الثقافية» (ص 59). وهنا تكمن المشكلة تحديًدا:
هل يمكن الدفاع عن الحريات الثقافية والسياسية والاجتماعية من دون الدفاع عن الحريات الاقتصادية؟
وهل يمكن، من دون وجود قطاع خاص مستقل وسوق حرة تنافسية، أن نطالب الدولة باحترام الحقوق والحريات السياسية؟
الليبرالية ليست قائمة طعام في مطعم، بحيث تستطيع أن تطلب منها السلطة فقط أو الحساء! فالليبرالية لها تاريخ وفلسفة ومنطق، وتجاهل هذه العناصر يحولها إلى أسد منزوع اللبدة والذيل والبطن، وهو أسد لم يخلقه الله المشكلة أن العلوم الاجتماعية لا علاقة لها بالتمني وبيع الأحلام.
لكن ما يريده سروش يتجاوز الاشتراكية الديمقراطية، ويمكن فهم ذلك من تفسيره لليبرالية:
«إذا كان لدّي نقد، فهو موّجه إلى ليبرالية رأس المال [كابيتال-ليبرالية]، وأعتقد أن الرأسمالية فرضت نزعتها إلى تحقيق المنفعة والاستهلاك والطمع على الليبرالية» (ص 60).
من وصفة القناعة إلى تطهير الجامعة
في الواقع، يتحدث سروش بلغة اليسار، ويشرح نظام السوق الحرة التنافسية من خلال وصفه بأنه رأسمالية.
أما حل سروش، فلا يتمثل في الاشتراكية فحسب، بل هو في الحقيقة أكثر تراجًعا منها: «ربما يكون نظام دولة الرفاه حًلا ومسكًنا مؤقًتا. [لكن] هنا أعود إلى القناعة والحياة البسيطة، وتصبح القناعة جزًءا من منظومة أفكاري. أقول لنفسي وللذين يستمعون إلى كلامي: لا تغرقوا في الحياة الرأسمالية والاستهلاكية، وِعيشوا حياة تقوم على القناعة. النظام الرأسمالي يريد مني أن أكون مستهلًكا، وفي كل مرة أذهب فيها إلى السوق، يحدد السوق ما الذي أشتريه وما الذي لا أشتريه. بطاقة الائتمان تعني أن تشتري كل ما تريد وتظل مديًنا إلى الأبد. ولهذا لا أملك بطاقة ائتمان.
لقد استقيت هذا من الغزالي ومولانا ومن الأفكار الدينية، فالحياة الطيبة هي القناعة» (ص 60).
وهذا يعني أن عبد الكريم سروش لم يتغير خلال أربعين عاًما، من عام 1365 إلى عام 1405 هجري شمسي. فهو يريد من الحكومة أن تتبع شيخ طريقة السروشية وأنُتدّرس القناعة في الجامعات: «لماذا لا نرّوج للحياة البسيطة في الجامعات؟ … يمكننا أن نعّلم في الجامعات مبادئ الحياة البسيطة والقناعة، تماًما كما نقول ما هو الخير وما هو الشر» (ص 61).
وسروش، بالطبع، هو نفسه ذلك العضو الذي عّينه الإمام الخميني في لجنة الثورة الثقافية، والذي لا يزال، بعد 45 عاًما، يؤمن بأن: «يجب على الجامعات أن تتعطر من رأسها إلى أخمص قدميها بعطر وفكر إسلامي».
وكل ما يفعله الآن هو استبدال كلمة «يجب» بعبارة «من الجيد أن» (ص 52).
كلمات سروش صادمة
كلمات سروش هائلة الدلالة: التطهير؟ الجامعة الثورية؟ وما هو معيار الطهارة والنجاسة؟ ومن قال إن الجامعة يجب أن تكون ثورية؟ ألم تكن الحوزة ثورية؟ ألم يكن عدد الفقهاء الذين لم يؤمنوا بالثورة أو بالحكومة الدينية قليًلا؟ ألم تحدث ثورة ثقافية في الحوزة؟ ألم ُيطرد أساتذة الحوزة بسبب عدم انسجامهم مع الثورة؟ ألم تكن الجامعة أكثر ثورية من الحوزة؟
وفي مقابل مفهوم «الطهر» لا بد أن تكون هناك كلمة «النجس». فهل كان أساتذة مثل سيد حسين نصر، الذي لم يكن ثورًيا قط، بل كان حتى يسعى، بطريقة أقرب إلى الكيمياء القديمة، إلى إقامة ملكية إسلامية، من «النجسين»؟
يلقي سروش مسؤولية طرد نصر من الجامعة على عاتق الدكتور محمد ملكي، الرئيس الراديكالي لجامعة طهران، وأحد الشخصيات الوطنية ـ الدينية. لكن من الذي كان يحدد معايير الطهارة والنجاسة غير لجنة الثورة الثقافية، وهي اللجنة التي كان اسمها في الأساس متناقًضا؛ إذ لا يمكن إحداث ثورة في الثقافة، إلا بالطريقة التي اتبعها الشيوعيون في الصين، وهم أنفسهم ندموا لاحًقا على ما فعلوه.
أما نحن فلا نزال في إيران، وخارج إطار الدستور، نملك المجلس الأعلى للثورة الثقافية، الذي يشّرع بالتوازي مع مجلس الشورى، ويجلس فيه حسن رحيم بور أزغدي، بوجه عبد الكريم سروش ولهجة علي شريعتي.
لكن ما الفرق؟!
إذا عاد سروش اليوم أيًضا إلى إيران ــ وهو يريد ذلك ــ واستعاد مقعده السابق من حسن رحيم بور أزغدي، فإنه سيفعل الشيء نفسه الذي قاله:
«كنت آنذاك موافًقا على فكرة تطهير الأساتذة. وحتى الآن، إذا كان المطلوب أن تصبح الجامعة جامعة حقيقية، فأعتقد أن هناك أشخاًصا ينبغي محاكمتهم وطردهم. لكن ليس بسبب عدم كونهم ثوريين، وإنما لأنهم ليسوا أساتذة جيدين، وقد قادوا الجامعة إلى الضعف والانحطاط. ولو أعطوني هذه الجامعة اليوم، لأرسلت بعض الأشخاص إلى المحكمة بسبب الظلم الذي ألحقوه بالجامعة والطلاب. لقد تولوا عشرات المناصب، ومع ذلك ظلوا يذهبون إلى قاعات الدراسة من دون أن يعّلموا الطلاب شيًئا، ويتقاضون رواتب جامعية، وبعبارة أكثر صراحة كانوا يأكلون الحرام».
وهكذا يريد سروش الجامعة دائًما في قفص الاتهام؛ سواء بتهمة عدم الثورية، أم بتهمة أكل الحرام.
إن «الثورة في الثقافة» ليست سوى تلك الأمنية المستحيلة التي لا يزال عبد الكريم سروش يحملها بعد 45 عاًما، والتي وصل، بحسب تعبيره، إلى ما يسميه «الرجعية التقدمية».
أستاذ فلسفة العلم في القرن الحادي والعشرين يجلس في الولايات المتحدة الأمريكية، ويصف للإيرانيين، الذين يناضلون منذ 120 عاًما من أجل التنمية والتقدم والحداثة، والذين مروا بعدة ثورات وحركات وانقلابات وحروب، وصفة القناعة!
عودة سروش في هيئة شيخ المثقفين الدينيين
ها هو قد عاد الآن، في هيئة شيخ المثقفين الدينيين وشيخ الطريقة السروشية، وقد نسي أن أول من ضرب بالفأس في جسد هذه الأيديولوجيا كان هو نفسه، حين تجاوز علي شريعتي.
لكنه الآن لا يكتفي بالدفاع عن علي شريعتي والقول: «حتى اليوم لا أكّن تلك الشكوك تجاه شريعتي… لقد قام شريعتي بعمل عظيم في بلدنا، فأخرج الدين من العزلة، ودفع الماركسية، التي أصبحت دين الشباب، إلى العزلة، وساعد على وقوع الثورة، وهو حدث مبارك في تاريخ بلدنا».
بل إنه يغضب في مواجهة منتقدي علي شريعتي الذين ينتقدون تحديًدا هذا الدور الذي لعبه في مزج الإسلام بالماركسية، ويهين اقتصادًيا نبيًلا، لم يجد في وصفه للتزوير العلمي لشريعتي كلمة أفضل من تلك التي استخدمها.
ثم يفتح، من جديد، باب الاحتقار والإهانة، وهو غافل عن الحركة الفكرية التحررية التي بناها، خلال هذه السنوات البعيدة عن الوطن، مثقفون وطنيون واقتصاديون من أنصار الاقتصاد الحر، مثل موسى غني نجاد، ومحمد طبيبيان، وسيد جواد طباطبائي، ومسعود نيلي وغيرهم، رغم الاختلافات بينهم.
نهاية المثقفين الدينيين
لكن علينا الآن، بكل أسف، أن نعلن أن المثقفين الدينيين لم يصلوا إلى نهاية طريقهم فحسب، بل أداروا ظهورهم أيًضا لتراثهم، فكرًيا وأخلاقًيا على حد سواء.
فقد تحولوا من تيار فكري إلى حلقة وطائفة، ومن خلال تقسيم الناس إلى «أهلنا» و«غير أهلنا»، بل ومن خلال تخصيص القضايا الفكرية وتحويلها إلى قضايا شخصية، أصبحوا يدافعون عن طائفتهم وقبيلتهم، حتى لو لم يعد لديهم أدنى إيمان بما يدافعون عنه. لا يزال سروش يعتبر نفسه مديًنا لشريعتي (ص 48)، في حين لم تعد هناك أي صلة فكرية بين الاثنين، باستثناء أن شريعتي ــ الذي ينزعج أنصاره من وصفه بالمحتال ــ كان هو أيًضا يصف الفلاسفة بأنهم «أراذل التاريخ».
ومن جهة أخرى، فإن عبد الكريم سروش ــ الذي يشعر بحق بالانزعاج من طرح مسألة عدم إسلام شريعتي ــ ينقل عن الآخرين، برضا وقبول، كلاًما عن سيد أحمد فرديد، الذي كان أستاًذا لعلي شريعتي وأستاًذا لإحسان شريعتي في مجال العداء للغرب، قائًلا:
«هذا الرجل شيطان خبيث».
بل إنه يتجاوز ذلك ليدخل في حياته الخاصة، ويتحدث عن:
«كيفية غسل يديه ووجهه فجأة بعد الثورة، رغم أنهما كانا ملوثين بأنواع المنكرات والمسكرات، ثم تنصيبه على كرسي القداسة».
كان سيد أحمد فرديد، بالطبع، شبيًها بعلي شريعتي من حيث إن كًلا منهما قامت فئة من منّظري الثورة وأيديولوجييها بصناعته وتحويله إلى رمز.
لكن إذا كان وصف شريعتي في وسائل الإعلام بأنه محتال أو غير مسلم أمًرا محّرًما، فلماذا ينبغي، حتى في حالة سيد أحمد فرديد، فتح ملف المنكرات والمسكرات الخاص به؟!
كان بإمكان عبد الكريم سروش، من خلال مواصلة مشروع الإصلاح الديني، وإعطاء الفلسفة السياسية والاقتصاد السياسي والقانون الدستوري، والأهم من ذلك كله، تاريخ المثقفين الدينيين ما يستحقه من اهتمام، أن يحّول هذا المشروع إلى مشروع فكري متكامل. لكن طبيعته الصوفية حالت دون تمكنه من الاعتراف بأهمية العلوم الاجتماعية بوصفها علوًما دنيوية، ومن تقديم وصفات دراويش للسياسة والاقتصاد وحقوق الإنسان، ومنعه أيًضا من أن يتحدث عن القناعة في الوقت الذي يعيش فيه هو نفسه في ذروة النعمة والرفاه.
*قوچاني (الصورة أعلاه)، من أبرز الكتاب والصحفيين الإيرانيين. هو مثقف ذو حضور سياسي واضح داخل التيار الإصلاحي/الوسطي الإيراني.

