بقلم فنسنت بوردناف (Vincent Bordenave)
يكشف تحليل شبكة الطرق القديمة عن تنظيم غير معروف للإمبراطورية الرومانية، بين التخطيط الإمبراطوري والإرث المحلي.
بأكثر من 300 ألف كيلومتر عند بلوغها أوج اتساعها، كانت شبكة الطرق في الإمبراطورية الرومانية تُغطي حوضَ البحر الأبيض المتوسط بأكمله، وتَضمنُ استمراريةً سياسية وإدارية في مختلف أنحاء أراضيها.
في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، نشر فريق علمي في مجلة Scientific Data التابعة لمجموعة Springer Nature أداةً تتيح استكشاف الطرق الرومانية هي أشبه بنسخة من “خرائط غوغل” (Google Maps) في العصور القديمة، إذ يمكنها حساب الوقت اللازم للانتقال، على سبيل المثال، بين “نيموسوس” (حالياً مدينة “نيم” في جنوب فرنسا) ولوتيسيا (باريس).”
وبعد نحو عام، ينشر عدد من أعضاء الفريق نفسه، هذه المرة في مجلة Nature Communications، مقالًا جديدًا يحلّل بالتفصيل بٌنية تلكَ الشبكة الواسعة.

إن هذا العمل الضخم، الذي يستند إلى تحليل دقيق للمصادر المكتوبة، مثل خريطة بويتينغر، وهي خريطة من العصور الوسطى موروثة عن العالم الروماني، وإلى البيانات التي جُمعت خلال الحفريات الأثرية، يقدّم صورة شاملة وغير مسبوقة لشبكة الطرق في الإمبراطورية الرومانية في ذروة قوتها.
تقول كلارا فيليه (Clara Filet)، عالمة الآثار في جامعة “بوردو” والمشاركة في تأليف هذه الدراسة: «استمرت الإمبراطورية الرومانية عدة قرون، وهذا ما يجعل من الصعب سرد تطورها عبر الزمن. فعددٌ ضئيل جدًا من الطرق يُعرَف تاريخُه بدقة، ولذلك ما زلنا نواجه صعوبة في تتبّع هذا التطور».
في أوج ازدهارها، عام 117 ميلادية، امتدت الإمبراطورية الرومانية على مساحة تقارب 5.5 ملايين كيلومتر مربع، من الأراضي الجرمانية و”سور هادريان” شمالًا إلى شمال إفريقيا جنوبًا، ومن المحيط الأطلسي غربًا إلى بلاد ما بين النهرين شرقًا.
ولضمان تماسك تلك الإمبراطورية، أتاحت شبكة طرق متينة للجيوش التحرك بسرعة نحو الحدود للدفاع عنها، كما سهّلت حركةالتبادلات والتجارة.
وتوضح العالمة: «في إطار ذلك التنظيم، نُلاحظ أنه، خلافًا لما يقوله المثل الشائع، لم تكن روما في موقع مركزي. فقد كانت مدن وسيطة، مثل أنطاكية وأنقرة وبيزنطة وكورنثوس، تتمتع بشبكة طرق أفضل بكثير».
حلّل الباحثون أربع خصائص أساسية للتضاريس: متوسط الانحدار والإنحدار الأقصى، ومؤشر الموقع الطوبوغرافي (الذي يوضّح ما إذا كان الطريق يمر عبر قاع وادٍ أم فوق قمة مرَتَفع)، واتجاه المسارات، ومدى استقامتها. ثم قورنت تلك البيانات ببيانات المحاور الرئيسية للطرق الحديثة المعبّدة.
وتبيّن أن الطرق الرومانية، خلافًا للاعتقاد الشائع، كانت عمومًا أقل استقامة من المحاور الرئيسية للطرق الحالية، ولا سيما في المناطق ذات التضاريس الوعرة. ويُفسَّر هذا الاختلاف باختلاف متطلبات التنقّل: فالمهندسون المعاصرون يسعون إلى تقليل المنعطفات للسماح للمركبات بزيادة سرعتها، في حين كان الرومان يُعطون الأولوية لتجنّب أشدّ المنحدرات أو تكييف مساراتهم معها، بهدف تخفيف العبء عن الدواب التي تجرّ العربات، إذ إنها شديدة التأثر بالفروق الكبيرة في الارتفاعات.
وقد نشأ جزء كبير من تلك الشبكة نتيجة إرادة مركزية فُرضَت وخُطِّطَ لها مسبقًا بوقت طويل، استجابةً لمتطلبات سياسية وعسكرية واضحة حُدِّدت على مستوى قيادي أعلى. ومع ذلك، تشير الحفريات الأثرية في كثير من الأحيان إلى أن الطرق الرومانية أُنشئت على امتداد مسارات أقدم منها. وتوضح كلارا فيليه قائلةً: «بالنظر إلى سرعات التنقّل التي ذكرها قيصر في كتابه “حرب الغال”، فمن المستبعد جدًا أن تكون جيوشه قد تنقّلت في بلاد الغال في منتصف الحقول، من دون وجود طرق منظّمة».
كانت التجارة في عالم البحر المتوسط شديدة النشاط خلال القرون الأخيرة السابقة لعصرنا (قبل المسيح)، وهو ما يوحي بوجود شبكة نقل متطورة بالفعل. وهكذا، فإن جزءًا كبيرًا من الطرق الرومانية اندمج ضمن هذه الأنظمة الإقليمية، التي أُعيد تنظيمها ببساطة لتلبية الاحتياجات الجديدة للإمبراطورية. وتوضح كلارا فيليه قائلةً: «يعتمد تنظيم شبكة الطرق، قبل كل شيء، على تنظيم الاستيطان، أي على مواقع التجمعات السكانية. ونلاحظ مثالًا بارزًا على انتقال أحد المواقع، مثل انتقال مستوطنة “بريبكت” المحصنة (Bibracte) إلى مدينة أوتون الرومانية (Autun)، لكن هذه الحالة تظل استثناءً أكثر من كونها القاعدة. فبين نهاية العصر الحديدي والفترة الرومانية، نلاحظ استمرارية كبيرة في النسيج الحضري، على الأقل في “بلاد الغال” (فرنسا حالياًً). وهذا ما يفسر أن الجزء الأكبر من شبكة الطرق ظل على الأرجح مستقرًا نسبيًا، باستثناء بعض برامج البناء الكبرى التي استجابت لاحتياجات جديدة».
تتيح هذه الرؤية الواسعة النطاق، التي تقدم صورة أشبه بصورة ملتقطة عبر الأقمار الصناعية، وتشمل الإمبراطورية بأكملها، إعادة طرح مسألة تنظيمها العام. وعلى أرض الواقع، يتجلى الترابط بين المناطق المختلفة في شكل من أشكال التجانس في بناء المدن، سواء أكانت في شمال إفريقيا أم بلاد الغال أم المشرق، إذ تستجيب هذه المدن لمعايير معمارية وثقافية متشابهة على نحو يثير الدهشة.

وتشرح كلارا فيليه قائلةً: «كانت فترة يتنقل فيها الناس والأفكار، وتُتداول فيها المنتجات التجارية، وهذا يتطلب نظامًا للنقل يعتمد على الطرق البرية، وكذلك على الأنهار والبحر. وإلى جانب الأشخاص، فقد تم أيضاً تصديرُ القِيَم التي كانت تشكّل الهوية الرومانية. وأفضل مثال على ذلك هو الحمّامات الرومانية: ففي مختلف أنحاء حوض البحر الأبيض المتوسط، بات الناس جزءًا من منظومة تتجاوزهم، وتتشارك المعايير الثقافية نفسها التي تتبناها النُخَب في سائر أنحاء الإمبراطورية. ومع ذلك، فعلى الرغم من وجود وحدة سياسية وعسكرية بالفعل، ظل العالم الروماني مشبعًا بتنوع ثقافي كبير».
ترجمة “الشفاف” نقلاً عن جريدة “الفيغارو”.
لقراءة الأصل الفرنسي:
Dans le monde antique, tous les chemins ne menaient pas à Rome
