كلّما بدأ المسار الدبلوماسي الأميركي–اللبناني–الإسرائيلي يكتسب شيئاً من الجدية والزخم، غرق لبنان فجأة في ضباب كثيف من الشائعات. تُصنَّع الشكوك، ويُضخَّم الالتباس، وتُصوَّر كل مؤسسة متصلة بالمفاوضات على أنها مضطربة أو منقسمة أو قاب قوسين من الانهيار.
الأسلوب مألوف: إذا تعذّر إيقاف المفاوضات مباشرة، وجب تقويض ثقة الرأي العام بها. وإذا لم يكن ممكناً إسقاط المسار، فلا بأس بجعله يبدو هشّاً قبل أن تتاح له فرصة إثبات قدرته على الصمود.
أحدث فصول هذه الحملة هو الزعم بأن السفير سيمون كرم، كبير مفاوضي الرئيس جوزاف عون، يستعد للاستقالة. وقد انطلقت الرواية من مصدر مجهول نقلت عنه صحيفة «الأخبار». لكن لا استقالة قُدّمت أو أُعلنت، ولا رئاسة الجمهورية أفادت بانتهاء مهمة كرم، ولا خلف له جرى تعيينه. حتى التقارير التي أعادت نشر الادعاء أقرت بأنه لا يزال خبراً مشروطاً يفتقر إلى أي تأكيد رسمي.
والأهم أن سيمون كرم نفسه لم يعلن استقالته قط. لم يقل علناً إنه يعتزم التنحي، ولم يظهر أي تصريح موثوق أو مسجّل يؤكد أنه عبّر عن مثل هذه النية في مجالسه الخاصة.
فالسفير المكلّف بمفاوضات بهذا الحجم لا يستقيل بفعل تقلّبات المناخ السياسي، ولا يرسل إشارات الدخان من استديو تلفزيوني، ولا يهمس بقرار رحيله في أذن مذيع متأهب لالتقاط الشائعات، ولا يعهد بمستقبل الدبلوماسية اللبنانية إلى «دائرة المصادر المطلعة» في صحيفة ما. ولو قرر كرم إنهاء مهمته، لتوجّه أولاً إلى من كلّفه بها: رئيس الجمهورية.
وإلى أن يحصل ذلك، ستبقى الاستقالة مقيمة حصراً في المخيلة الخصبة لمن يروّجون لها.
ثمة حقيقة أخرى مزعجة بالنسبة إلى صناعة الشائعات. فبحسب مصادر موثوقة ومطّلعة على أجواء المفاوضات، يُحظى عمل كرم بتقدير الفريق الأميركي، بمن فيه وزير الخارجية ماركو روبيو، ومستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام، وسائر كبار المسؤولين المشاركين في المسار. وقد عبّر هؤلاء، علناً وفي اجتماعاتهم الخاصة، عن تقديرهم لجديته واستعداده المهني وأسلوبه في إدارة التفاوض.
أما السجل العلني، فينسجم مع هذا التقييم. فقد وصفت وزارة الخارجية الأميركية مراراً المحادثات التي شارك فيها الوفد اللبناني بأنها مثمرة وبنّاءة. وبعد جولة أيار، تحدثت واشنطن عن «تقدّم ملموس على المسار السياسي»، فيما أفضت اجتماعات روما الأخيرة إلى اتفاق على الهيكلية والمبادئ التوجيهية لآلية المناطق التجريبية المقترحة.
وكان الوزير روبيو قد وصف هذه المفاوضات بأنها فرصة تاريخية، كما أشاد علناً بشجاعة الرئيس عون ورؤيته في المضي بها.
ولا يعني ذلك أن واشنطن توافق كرم على كل مسألة وتفصيل. فالمفاوضون لا يُكلَّفون لكي يكونوا لطفاء أو متوافقين مع الجميع، بل للدفاع عن مصالح بلدانهم بدقة وانضباط، وبما يكفي من الذكاء للتمييز بين التسوية والاستسلام. والاحترام على طاولة التفاوض لا يُكتسب بابتسامة في صورة جماعية، بل بالحضور مستعداً، والإحاطة بالملف، ورفض التفريط بالمصلحة الوطنية لمجرد تحسين أجواء الجلسة.
وبهذه المعايير، أدّى كرم مهمته كما ينبغي.
لماذا تُصنَّع شائعة الاستقالة الآن؟
ليس في التوقيت ما يدعو إلى الحيرة. فقد ظهرت الشائعة فيما كان الرئيس عون يستعد لاستحقاقات مهمة مع الولايات المتحدة، وفي وقت بدأت المفاوضات تتخذ شكلاً واضحاً وقابلاً للبناء عليه.
ومن هنا، تصبح رواية استقالة كرم مفيدة على أكثر من مستوى. فهي توحي بأن مبعوث الرئيس فقد ثقته بالمفاوضات، أو بالرئيس، أو بفكرة الحل الدبلوماسي نفسها.
وفي الحالات الثلاث، الجواب هو: لا.
لم يتخلَّ كرم عن الرئيس عون. فهو مستشار موثوق اختاره الرئيس خصيصاً لمهمة بالغة الحساسية الوطنية. وتفويضه صادر عن الدولة اللبنانية، لا عن حزب أو ميليشيا أو برنامج حواري أو عاصمة أجنبية.

ولم يتخلَّ عن الدبلوماسية. فهو يدرك أن البدائل العسكرية جُرّبت مراراً، وأن لبنان دفع ثمنها فوق ما يحتمل. لقد دمّرت الحرب القرى، وهجّرت العائلات، وأضعفت الدولة، وتركت البلاد تفاوض من تحت الركام. والدبلوماسية ليست استسلاماً؛ بل هي، حين تُدار كما يجب، دفاع منضبط عن المصالح الوطنية من دون تقديم جيل جديد قرباناً للشعارات.
ولم يتخلَّ كرم عن المسار التفاوضي. فهو جزء أساسي من فريق لبناني يضم السفيرة ندى حمادة معوض وعدداً من المسؤولين الدبلوماسيين والعسكريين والتقنيين. وقد شارك في الجولات المتعاقبة، وأطلع الرئيس على نتائجها، وواصل تنسيق الموقف اللبناني.
يبدو الهدف الاستراتيجي الإيراني، كما تعكسه ممارسات حلفائها في لبنان، واضحاً: في أسوأ الأحوال، تدمير المفاوضات؛ وفي أفضلها بالنسبة إليها، الحلول محل الدولة اللبنانية بوصفها الجهة المخوّلة بإدارتها.
الهدف الأول مألوف. أما الثاني فيكاد يكون هزلياً.
فلنتخيّل، للحظة، وفداً لبنانياً بديلاً يجري اختياره من الصفوف النيابية لحزب الله. يمكن عندها إرسال محمد رعد أو حسن فضل الله إلى واشنطن للجلوس في مواجهة ماركو روبيو، وشرح النظرية القائلة إن أفضل وسيلة لحماية السيادة اللبنانية هي الإبقاء على جيش مُمَوَّل من إيران وخارج سلطة الدولة اللبنانية.
وقد يستهل الوفد البديل لقاءه بإبلاغ روبيو أن الدبلوماسية المباشرة مرفوضة، وأن سلاح حزب الله غير مطروح للنقاش، وأن قرارات الحرب والسلم ينبغي أن تبقى في أيدٍ خاصة، وأن الجمهورية اللبنانية مرحب بها في الاجتماعات المتعلقة بمستقبلها، شرط ألّا تصرّ على حكم نفسها.
المقعد للبنان. وسيمون كرم يشغله باسم لبنان. وليس لإيران أو حلفائها المحليين أن يعرضوه في مزاد يقيمونه لأنفسهم.
تندرج شائعة الاستقالة ضمن نمط أوسع. فكلما تقدمت الدبلوماسية، أُعلن فجأة أن مؤسسة لبنانية أخرى دخلت مرحلة الاحتضار.
وقد بدت الادعاءات الأخيرة المتعلقة بمصرف لبنان وسعر الصرف مصممة لإثارة القلق المالي. أما سلسلة التفاعلات المطلوبة، فكانت واضحة: إرباك الأسواق، ونقل الاضطراب منها إلى الشارع، وإضعاف الحكومة، ثم تصوير هذه الحكومة على أنها عاجزة عن مواصلة المفاوضات.
يتحول الخوف المالي إلى احتجاج. ويتحوّل الاحتجاج إلى شلل سياسي. ويُنتج الشلل حكومة تصريف أعمال. ثم تُصوَّر حكومة تصريف الأعمال على أنها غير قادرة، دستورياً أو سياسياً، على استكمال المسار الدبلوماسي.
إنها عملية تخريب لنظام الدولة، مرتبة كصف من أحجار الدومينو بيد طفل، مع فارق أن لهذا الطفل دائرة إعلام ودعاية.
والأسلوب نفسه يُستخدم اليوم ضد كرم. فإذا تعذّرت هزيمته إلى طاولة التفاوض، يُعلن أنه يغادرها. وإذا تعذّرت مواجهة الرئيس مباشرة، يُلمَّح إلى أن مبعوثه الموثوق قد تخلّى عنه. وإذا تعذّر دحض الخيار الدبلوماسي، يُروَّج أن أبرز حامليه في لبنان لم يعد يؤمن به.
على لبنان أن يتعلم التمييز بين الخبر والحرب النفسية، وبين المساءلة المشروعة والتخريب المتعمد. فمفاوضات بهذه الأهمية يجب أن تخضع لتدقيق صارم، لكن لا يجوز أن تبقى رهينة كل همسة مجهولة تُنشر في ثوب الكشف الصحافي.
لن يستقيل سيمون كرم لأن مهمته لم تنتهِ. وهو لا يزال ملتزماً بالرئيس الذي ائتمنه عليها، وبالدولة التي يمثلها، وبالمسار الدبلوماسي الذي يمنح لبنان ما عجزت عقود المغامرات المسلحة عن تحقيقه: إمكان الوصول إلى الأمن والسيادة والسلام.
ستمضي الشائعة، وسيخترع أصحابها شائعة أخرى.
أما المفاوضات، فيجب أن تستمر.
