تعيش صحيفة «الأخبار» حالة من اليأس. فهي لا تملك أي وسيلة للوصول إلى حاكم مصرف لبنان، ولا حتى إلى أيٍّ من المقرّبين منه أو أصدقائه. ومع ذلك، تتحدّث في مقالها الأخير عن أقوال يُزعم أنه أدلى بها ضمن «دائرته المقرّبة».
غادر الرجل لبنان إلى دبي في حزيران 2002، ولم يعد إليه إلا في آذار 2025. أما دائرته الضيقة، فتقتصر على أفراد أسرته، وعدد قليل من أصدقاء المدرسة وبعض زملاء العمل السابقين، ولا يتجاوز مجموعهم اثني عشر شخصاً. وهو لا يتواصل مع الصحافة، باستثناء بعض الإفادات المقتضبة لصحيفة «فايننشال تايمز» أو «نيويورك تايمز» أو شبكة «سي إن إن»، كما يلتزم حمية اجتماعية صارمة. فهو لا يقبل الدعوات، ولا يرتاد المطاعم، وينتقي مشاركاته بعناية، ونادراً ما يحضر المناسبات الرسمية، متمسّكاً بعاداته المتواضعة: القراءة والكتابة ومشاهدة الأفلام الوثائقية.
والذين يعرفونه، ويدركون خلفيته القانونية، يعلمون أنه لا يؤيد أساليب ما يمكن تسميته بـ«ريتز مصغّر»، لأنه يؤمن بالأصول القانونية الواجبة وبحق كل شخص في محاكمة عادلة. ومن هذا المنطلق، أطلق مصرف لبنان سلسلة من الدعاوى القضائية في مواجهة أفراد أساؤوا استخدام أموال عائدة إليه وحققوا من خلالها منافع غير مشروعة.
أما أن تمنح «الأخبار» هؤلاء الأطراف «صك براءة» وتصدر بحقهم «حكماً بعدم المسؤولية»، فذلك يدفع المرء إلى التساؤل عن دوافعها، ناهيك عن أهليتها للحكم، بدلاً من السلطات القضائية اللبنانية، على شرعية الدعاوى التي فتحها مصرف لبنان حديثاً في مواجهة هؤلاء الأشخاص النافذين وعلى مدى استنادها إلى أسس قانونية سليمة.
ولمزيد من دحض نظرية «الريتز المصغّر»، من المعروف أن مصرف لبنان، بمساعدة نخبة من كبار الفقهاء القانونيين والقضاة، اقترح على الحكومة ورفع إليها مشروع نص لقانون يجيز إجراء تسويات خارج المحاكم. ويسمح هذا المشروع للمصرف بتسوية القضايا مع الأطراف التي اختلست أموالاً منه، ومن ثم وقف الملاحقات العامة بحقها، بهدف منحها حافزاً للتسوية وتسديد الأموال. على أن تُودع جميع المبالغ المدفوعة في حساب خاص لدى مصرف لبنان يُخصص لردّ الودائع.
لكن، بما أن «الأخبار» لا تملك حججاً ولا أبحاثاً ولا وقائع، فقد أضافت إلى الرواية التوابل والصلصات كي تجعلها أكثر إثارة للقارئ المحلي، الذي يفضّل عموماً الشائعات على الحقيقة والثرثرة على الوقائع. ففي لبنان، تؤلم الحقيقة، وتدفع الوقائع الإنسان إلى التفكير، وهذا، على ما يبدو، مطلب يفوق قدرة قسم كبير من الطبقة السياسية.
وهكذا، تزعم الرواية أن الحاكم ينفذ رغبات السعوديين بهدف الإضرار، في نهاية المطاف، بالمستقبل السياسي لشخصين مرشحين محتملين لرئاسة الحكومة. ولكن لماذا؟ وما الفائدة التي يمكن أن يجنيها مصرف لبنان أو حاكمه من ذلك، وهو يعرف شخصياً كلاً من المرشحين المفترضين، وتربطه بهما علاقة ودية تفوق علاقته برئيس الحكومة الحالي، الذي كان قد عارض اختياره وتسميته؟
أما الجزء الآخر من الرواية، فيدّعي أن الحاكم ذكر رقماً محدداً، قيل إنه خمسة مليارات دولار، يُفترض استردادها من هذه القضايا، وأنه سينتهي به الأمر إلى إحباط رئيس الجمهورية عندما يتعذر تحقيق هذه النتيجة. والحقيقة أن الحاكم لم يذكر هذا الرقم قط. وإذا كانت «الأخبار» تدّعي العكس، فعليها أن تثبت ذلك. كما أن الحاكم، الذي يكنّ كامل الاحترام لرئيس الجمهورية وينسجم معه انسجاماً تاماً، لا يعمل لدى الرئيس، بل يعمل في خدمة الدولة.
والواقع أنه كلما أحرز هذا الحاكم، الذي يخوض مواجهة ضد تمويل الإرهاب، وفي صدارة الملفات التي يتابعها تمويل حزب الله والتمويل الإيراني، تقدماً في عمله، خرجت «الأخبار» من مكمنها محاولةً تصويب سهامها نحوه.
وبصراحة، لا يقرأ أحد «الأخبار» طلباً للأخبار الاقتصادية أو القانونية أو السياسية، بل للاطلاع على نعوات «شهداء» حزب الله. وحتى في هذا المجال، لا تتورع الصحيفة عن الكذب بغية إخفاء حجم الكارثة.

