تكريم لسيد عظيم من لبنان الكبير
كيف نتحدّث عن رجل كان يكره إحداث الضجيج؟ رجلٍ كان ينفر من اللفتات الصاخبة ومن كل أشكال الاستعراض، فيما كان ذكاؤه ونبل طبعه، على رغم تواضعه الشديد، يفرضان حضورهما بقوة تكاد تزعجه هو نفسه؟
المهمّة شديدة الصعوبة. ولا سيما أن الرجل نفسه، الذي لم يكن مولعًا بالإعلام ولا بالمقابلات ولا بالأوسمة ولا بالأضواء، كان سيعترض بلا شك على هذا التمرين المحفوف بشيء من المجازفة، الذي يخوضه كاتب هذه السطور.
ومع ذلك، فإن السبب نفسه الذي يدفع إلى الكتابة عنه اليوم هو أن الشيخ ميشال الخوري، الذي رحل في 4 تموز 2026، قبل أن يتمّ عامه المئة بقليل، اختار طوال حياته طريق الصمت والتحفّظ، وفيًّا لمقولته الأثيرة: “علينا أن نخدم، لا أن نجعل الخدمة في خدمة مصالحنا”، واضعًا الدولة وأولويتها فوق كل اعتبار آخر. لذلك يبدو الحديث عنه اليوم ضرورة حقيقية، في زمن يمرّ فيه لبنان بمرحلة عميقة من التفسّخ. ولا سيما أن رؤيته للبنان ولدوره ما زالت أكثر راهنية من أي وقت مضى.
فليتّسع صدره لهذه المحاولة، التي هي أقرب إلى شهادة صديق وفيّ وممتنّ منها إلى عمل صحافي، لتقول بتواضع من كان، وما سيبقى منه في الذاكرة، ولو في ذاكرة أولئك الذين حظوا بامتياز معرفته ومرافقته.
الأبوان… والمرجعان
ذكاء. نبل. تفانٍ صامت في خدمة الشأن العام، والدولة، والوطن.
إذا كان لا بد من اختيار ثلاثية تقارب شخصية الشيخ ميشال الغنية والمعقدة إلى حد بعيد، فهذه هي.
كان بشارة الخوري، أول رئيس للجمهورية اللبنانية المستقلة، محقًّا عندما أطلق يومًا هذه العبارة الموجزة والرائعة: “ابني ميشال أمير. ماذا أقول، أمير؟ أرشيدوق!”
وكان ميشال الخوري بالفعل من كبار رجال السياسة اللبنانية، بالمعنى الأكثر نبلاً ورقيًّا للكلمة. أميرًا في خدمة الجمهورية والديموقراطية، في زمن عتاولة السياسة اللبنانية وضواريها، الساعين بإدمان إلى الألقاب… وإلى الأوصياء.
ولكن هل كان يمكن أن يكون الأمر غير ذلك، حين كان اسم والده بشارة الخوري يكاد يختلط باستقلال لبنان الكبير، واسم والده الروحي، خاله ميشال شيحا، يكاد يختلط بالدستور اللبناني؟
كان الإفلات من اسم الأب مستحيلاً. حتى إنه، بعدما تجاوز التسعين، وعلى رغم مسيرة عامة استثنائية وثقافة واسعة، كان يلاحظ بشيء من الضيق أن وسائل الإعلام لا تزال تلصق باسمه اسم والده، كأن اسمه وحده لا يكفي بعد…
كان القدر ساخرًا. لم يتوقف عن مناكفة الشيخ ميشال، من دون أي اعتبار لسنّه ولا لمسيرته ولا لخبرته.
مسيرة متمرّد
ومع ذلك، كان الرجل قد حارب منذ شبابه المبكر فكرة الإرث السياسي والمحسوبيات، وهو ما وضعه بطبيعة الحال في مواجهة مع عائلته نفسها.
كان يكنّ لوالده الإعجاب والاحترام والتعلّق. وقد رآه في سن المراهقة يتحدّى، معرّضًا حياته للخطر، بنادق الجنود السنغاليين التابعين للانتداب الفرنسي، عندما حضروا في تشرين الثاني 1943، بفظاظة وإهانات وتهديدات وعنف، إلى القصر الرئاسي في القنطاري لاقتياده إلى قلعة راشيا.
ظلّ ذلك المشهد محفورًا في ذاكرة ميشال الشاب حتى النهاية، ولا سيما أن والدته لور شيحا أصيبت يومها بأزمة قلبية توفيت من مضاعفاتها بعد سنوات قليلة. وكانت سلطات الانتداب قد رفضت إسعاف السيدة الأولى بصورة طارئة: كان ينبغي أولاً التأكد من أن الرئيس بات رهن الاعتقال… ويمكن القول إن الشيخ ميشال فقد بذلك والدته كضحية جانبية لمعركة استقلال أرضه الأم، لبنان الكبير… تلك الأم نفسها التي طلبت إليه أن يعدها بألا يدخل معترك السياسة، فلم يعدها بشيء…
لكن عندما قرر رئيس الجمهورية، بعدما كان الفساد قد بدأ يصيب محيطه القريب وتنخره الزبائنية، تجديد ولايته، تمرّد الابن وغادر المنزل العائلي ولجأ إلى أستاذه ومرشده ميشال شيحا، الذي كان بدوره معارضًا لمبادرة الشيخ بشارة المناقضة للروح الجمهورية.
ولم تبقَ الخلافات في إطار عائلي صرف. ففي أيلول 1950، وقف الشيخ ميشال علنًا في الندوة اللبنانية التي أسسها ميشال أسمر لينتقد نهج والده. حمل الاسم، نعم. لكن ليس بأي ثمن.
وهذا مقطع من محاضرته:
“حققنا الاستقلال. ثم ماذا؟ ماذا فعلت دولة الاستقلال؟ ماذا أنجزت في بناء الدولة، وفي بناء الوطن، وفي بناء المواطن؟ لا شيء. عدنا إلى الوراء… إلى العادات العثمانية وممارسات الاستعمار. عدنا إلى الفساد والإهمال والانحدار… إن الذين ولدوا مع استقلال 1943 يكبرون ويشيخون من دون أن نكون قد بذلنا الجهد أو أدّينا الواجب لجعلهم لبنانيين حقًا… يجب إزالة بقايا الماضي وهذا الجمود القاتل لأساليب بالية ورثناها من الانتداب ومن المراحل السابقة، كما يجب إزالة عائق أخلاقي هو ذهنية “فرّق تسد”.”
وهكذا اختار ابن الاستقلال… الاستقلال.
وظل هذا خيارًا ثابتًا، منسجمًا وواعيًا، طوال مسيرته، على رغم قربه الطويل من المدرسة الشهابية. وهذا ما فعله أيضًا حين قرر الاستقالة خلال ولايته الثانية حاكمًا لمصرف لبنان، بعد الحرب، بسبب معارضته الشديدة لسياسة الاستدانة التي اتبعها رئيس الحكومة رفيق الحريري. أصرّ الحريري على بقائه في منصبه، على رغم الخلافات، وباسم صداقتهما. فجاءه جواب الشيخ ميشال، حادًّا كعادته: “لكي نبقى صديقين، عليّ أن أرحل…”
وإذا كان قد ترأس لبعض الوقت الحزب الدستوري قبيل الحرب الأهلية، فإنه رفض تحويله إلى حزب تقليدي، وحاول، من دون جدوى، تحديثه. بل تجرّأ، في ما يشبه تدنيسًا للمحرّمات السياسية، على أن يقترح على ريمون إده، ابن الخصم اللدود لوالده، إميل إده، دمج الكتلة الوطنية بالحزب الدستوري لمواجهة صعود الميليشيات وإغواء العنف… فجاءه الرد البارد من “العميد”: “لن يضع ابن إميل إده يده أبدًا في يد ابن بشارة الخوري!”
كان ريمون إده رجل دولة، نعم، لكنه لم يكن شارل ديغول…
أما الجنرال، فقد أظهر قدرًا أكبر بكثير من الفروسية والعقلانية عندما كلّف فؤاد شهاب، وكان يومها رئيسًا للجمهورية، الشيخ ميشال بمهمة لدى الإليزيه لوقف بيع أراضٍ فرنسية في لبنان إلى المصرفي الفلسطيني يوسف بيدس. ديغول، الذي لم يكن ينهض لأحد، استقبل ابن خصمه القديم واقفًا، ورمقه من علٍ، وقال له بنبرة لا تحتمل الرد: “أعرف ابن من أنت… سيأتي يوم تندمون فيه لأنكم أخرجتم الفرنسيين من لبنان!”
ومع ذلك، سهّل الرئيس الفرنسي بعد ذلك مهمة الموفد الشاب، ونجحت المهمة. وفي أعقابها، كلّف جان كابلان من مجموعة السويس، عام 1967، ميشال الخوري تولي إدارة البنك اللبناني الفرنسي، لتبدأ بذلك مسيرة طويلة في القطاع المصرفي.
رجل الكواليس
تحوّل ميشال الخوري تدريجيًا إلى رجل المهمات السياسية والدبلوماسية الدقيقة التي تنجز في الظل، أولاً لدى فؤاد شهاب، ثم لدى شارل حلو، الذي عهد إليه برئاسة المجلس الوطني للسياحة، وهو مؤسسة استراتيجية مكّنت الشهابية من ممارسة دبلوماسية موازية فعلية بعيدًا من الأضواء.
كان هذا الدور ملائمًا له تمامًا، منسجمًا مع شخصيته كخادم للدولة ورجل كواليس، بعيدًا من الأضواء… حتى وإن تولّى حقائب وزارية أيضًا، بينها وزارة الدفاع قبل حرب الأيام الستة.
وبهذه الصفة، استطاع خلال اجتماعات مع نظرائه ومسؤولين عسكريين عرب أن يلمس، بالأرقام والتقديرات، أن جيوش المنطقة كانت متجهة إلى هزيمة ساحقة أمام الجيش الإسرائيلي في حال اندلاع مواجهة. وكان التباعد بين حقيقة موازين القوى والخطاب الشعبوي لعبد الناصر مقلقًا. وقد تركت الهزيمة، ثم موجة الحماسة الشعبية الاستثنائية التي أحاطت بالرئيس المصري، أثرًا عميقًا فيه. فقد رأى فيها أحد أكثر أمراض المنطقة استعصاءً: قدرة الزعيم على الاحتفاظ بسطوته على الوجدان الجماعي حتى بعد كارثة بهذا الحجم…
وهذا المزيج من التحفّظ والأناقة جعله أيضًا موضع استشارة مستمرة وإصغاء دقيق من جانب الدوائر الدبلوماسية. وكان يتحرك انطلاقًا من هيكل أخلاقي وسياسي لا محرّك له سوى خدمة الوطن واستقلاله وسيادته واستمراره. وكان ميشال الخوري من قلّة السياسيين الذين لا يطلبون شيئًا لأنفسهم… ولهذا كان جديرًا بالثقة. لأنه كان عصيًّا على الفساد.
وكانت مهمة رسمية إلى إرنست بيفن، في بريطانيا كليمنت أتلي، قد لقّنته درسًا لا ينسى في هذا المجال. ففي أعقاب الحرب، أراد، من باب المجاملة البحتة، أن يقدم الشوكولا لمحاوريه البريطانيين في وقت كانت البلاد لا تزال تعاني الحرمان. لكن الهدية أُعيدت إليه: ففي بلد ما زال يخضع للقيود والتقنين، لم يكن المسؤولون العامون يقبلون امتيازات لا يستطيع المواطن العادي الحصول عليها.
ظلّ هذا الموقف محفورًا في ذهن ميشال الخوري. فما أعجبه لم يكن التقشّف في ذاته، بل الفكرة شبه المقدسة القائلة إن المسؤول العام يجب أن يخضع للقواعد نفسها التي يخضع لها سائر الناس. وبالنسبة إلى رجل سيمضي حياته في إدانة الزبائنية والفساد، كانت الحكاية درسًا في معنى المواطنة وأخلاق الخدمة العامة.
قيم من أجل لبنان
ولكن كيف يمكن، إذن، أن نروي سيرة رجل شبه غير مرئي، رجل أحرق، على غرار صديقه الكبير ورفيق دربه وشريكه في الكثير من المحطات فؤاد بطرس، جميع أرشيفه قبل موته كي لا يترك وراءه أثرًا؟
رجل رفض بإصرار كتابة مذكراته، على رغم الطلبات المتكررة من جهات مختلفة، وبينها كاتب هذه السطور؟
ورجل لم يترك خلفه سوى كتاب واحد، تأملي، حميم، استبطاني، قلق وبديع، هو Ruptures vespérales، شديد القرب من أجواء أحد أساتذته، إميل سيوران… وقد وقّعه باسم مستعار هو ميشال دوليسكور؟
الجواب: من خلال القيم التي وجّهت عمله السياسي ورافقت مسيرته كلها.
فعندما كان يتحدث عن بشارة الخوري وميشال شيحا، كان ميشال الخوري يعبّر عن رفض غريزي لفكرة “التسامح”، التي كان يراها مهينة في جوهرها، ويصرّ بدلًا منها على معنى “المشاركة”، وهي القيمة التي كانت تجمع الرجلين والتي ورثها عنهما.
وهذه الفكرة المؤسسة، أي “المشاركة”، تفسر من دون شك تعلق “الأبوين والمرجعين” في حياة ميشال الخوري بفكرة لبنان الكبير، والميثاق الوطني، والعيش معًا. فبالنسبة إلى شيحا، كما كان يشرح الشيخ ميشال، كان النظام الطائفي يفترض في نهاية المطاف أن يقود إلى مواطنة جامعة، لا أن يغرق في عصبية قبلية طائفية.
أما بشارة الخوري، فبحسب الشيخ ميشال، كان قد كتب في مخطوط الجزء الرابع من مذكراته، الذي احترق خلال الحرب مع مكتبة القنطاري، أن من ينبغي أن يخلفه في رئاسة الجمهورية هو رئيس الحكومة السني رياض الصلح… بما يشير إلى أن النظام لم يكن يفترض أن يتكلّس، بل أن يتطور، وأن ما كان يهم هو شعور لبناني جامع، لا الانتماءات الموروثة…
وظل ميشال الخوري يدافع عن هذه الرؤية حتى النهاية.
وهي تفسر أيضًا رفضه، بروح شيحا، لدولة إسرائيل، التي كان يعتبرها نقيض نموذج لبنان الكبير التعددي، والتي رأى أنها لعبت، منذ قيامها عام 1948، دورًا محوريًا في إجهاض مسار الدولة اللبنانية الفتية ونموّها. وخلال زيارة إلى الولايات المتحدة في الستينيات، دخل في سجال علني حاد مع أستاذ جامعي كان يدافع خلال مؤتمر عن أطماع إسرائيل في الدول المجاورة… هذا الرجل سيصبح لاحقًا وزير الخارجية الأميركي بالغ النفوذ في عهد نيكسون. اسمه؟ هنري كيسنجر…
وهذه الرؤية نفسها تفسر احتقاره للشعبوية وللانحرافات الطائفية ذات النزعات الفاشية داخل مختلف الجماعات. فعلى رغم تشدده في مسألة الاستقلال وفي رؤيته الخاصة للبنان، وقدرته عند الحاجة على إسكات خصمه بجملة واحدة مصيبة، كان ميشال الخوري قبل كل شيء رجل وساطة واعتدال وحوار، وفيًّا لتعاليم شيحا.
وهكذا، عندما حاول الرئيس إلياس سركيس، عبر الشيخ ميشال الذي كان يومها في ولايته الأولى حاكمًا لمصرف لبنان، التوسط مع الفلسطينيين من أجل الحفاظ على استمرارية المؤسسات وعملها، هدده بشير الجميل، الرجل الأقوى يومها في الشارع المسيحي في بيروت الشرقية، بإذلاله علنًا بحجة أنه يخون روح التضامن المسيحي.
وبالروح الجمهورية نفسها، عارض ميشال الخوري بحزم كل المغامرات الموازية للدولة والمناقضة لها، من الاحتلال السوري إلى الميليشيات، وقد جعل من جسده يومًا درعًا لحماية مبنى مصرف لبنان وموظفيه عندما حاول مسلحون اقتحامه، وصولًا إلى النفوذ الإيراني الذي يمارس عبر حزب الله.
في 6 شباط 1984، بينما كانت انتفاضة أمل تشق الجيش وتعيد العاصمة إلى دوامة العنف، شاهد البلاد تتفكك وقال: “طار الميثاق.”
وفي 14 آذار 2005، أعاد العنف بعض الأمل، بعد اغتيال رفيق الحريري. انتهى الاحتلال السوري، ليحل محله، في نظره، نير طهران.
وكان الشيخ ميشال، الذي شارك في لقاء قرنة شهوان تحت رعاية صديقه البطريرك نصرالله صفير، وهو بدوره من المؤمنين بفكر شيحا، قد انضم إلى قوى 14 آذار… لكنه وجد هناك الداء نفسه الذي حاربه طوال حياته: صراعات السلطة، والانكفاء الطائفي والهوياتي، ورداءة أصحاب القرار… وهي عوامل قادت في النهاية إلى كابوس انتخاب ميشال عون “التوافقي” رئيسًا للجمهورية، الذي كان يمثّل في نظره خلاصة الشعبوية ورمزًا لنقيض الروح الجمهورية.
وكانت روح الاستقلال عند بشارة الخوري، والجمهورية عند ميشال شيحا، والمؤسسات عند فؤاد شهاب، تُداس لمصلحة شخصنة السلطة والديماغوجية والشعبوية، وتقديم الابتزاز وموازين القوى على الديموقراطية والروح المؤسسية.
“من دون الحرية يصبح لبنان وهمًا”
في الجوهر، كانت رؤيته للبنان تقوم كلها على تركيب صعب بين الحرية والتعددية والاستقلال.
هل كان ناقمًا على النظام اللبناني؟ هل كان حنينه إلى صلاباته الطائفية؟ أبدًا.
لم يكن هذا أسلوب الشيخ ميشال. فبالنسبة إليه، وعلى رغم عيوب النظام، كان قد حافظ على خير لا يعوّض: الحرية. الحرية السياسية، والفكرية، والدينية، والاقتصادية، التي من دونها يفقد لبنان، في نظره، حتى مبرر وجوده.
وعلى رغم عيوب لبنان الكبير ونواقصه، كانت تعدديته هي الضامن لهذه الحرية. وكان كل مشروع يرمي إلى تفكيكها أو تذويبها، فوالده لم يُعدم أنطون سعادة عبثًا، أو تجزئتها تحت أي ذريعة أو اسم، يشكّل تهديدًا حقيقيًا لذلك التوازن الهش الذي يقف حارسًا للحرية.
وكان يقول: “من دون الحرية يصبح لبنان وهمًا.”
لكن هذه الحرية لم تكن قابلة للاستمرار من دون تطور. فمنذ الستينيات، كان الشيخ ميشال يدعو إلى الخروج التدريجي من الطائفية السياسية، وإعطاء الكفاءة الأولوية في الإدارة العامة، وإقرار الزواج المدني، وصولًا إلى علمنة الدولة. ولكن ليس عبر الثورة.
كان يقول، في ما معناه: “يمكن تغيير النظام من داخل النظام نفسه.” وكل إصلاح دائم كان يفترض، قبل أي شيء، تغيير الذهنيات عبر التربية والمواطنة.
وكان يرى أن لبنان يمتلك شيئًا بالغ القيمة: هذه القدرة تحديدًا على جعل جماعات مختلفة تعيش معًا، وهو ما كان رينيه ماهو يسميه “أسلوبًا حضاريًا”. لكن البلاد خانت هذه الرسالة حين تركت الطائفية تتحول إلى زبائنية وانغلاق هوياتي وأداة للتدخل الخارجي.
الميثاق نعم، لكن الإنسان أولًا
كان الشيخ ميشال شديد التعلّق بالميثاق، لكنه كان يلوم واضعيه لأنهم تركوه غامضًا، بما أتاح للبنانيين أن يتنازعوا على تفسيره، في حين كانوا يتفقون عمليًا على ألا يعرّفوه تعريفًا واضحًا. لذلك، وقبل اتفاق الطائف، كان يدعو إلى ميثاق جديد يقوم على أهداف جديدة مشتركة بين جميع اللبنانيين، وعلى مواجهة نوع من الاستسلام الجماعي، وخلق فرص تقدم حقيقية للجميع.
وكان يقول:
“كان الميثاق قاعدة ضرورية عندما وُضع، لكنه يصبح قاعدة سلبية إذا أريد له أن يشكّل أساس بناء أمة. فالقاعدة الإيجابية الضرورية لبناء الدول الحديثة ليست موجودة في الميثاق.”
وكان واضحًا لديه أن المشكلة لا تكمن في النصوص وحدها، بل في البشر.
وكتب عام 1970:
“يجب تسريع تنشئة المواطن على المواطنة، لكي يصبح مواطنًا صالحًا، وعندها لن يعود مستحيلًا بناء وطن صالح.”
وأضاف:
“الحاجة الأساسية هي إنشاء حزب قائم على عقيدة، يجمع مختلف المكونات التي يتكوّن منها لبنان. لو كان مثل هذا الحزب موجودًا اليوم لكنت أول من ينضم إليه. لكنت تحمّلت نصيبي من المسؤولية وأديت واجبي في هذا المجال.”
وقال أيضًا:
“النظام يحتاج إلى أعمال كبرى: أولًا الإرادة، ثم التربية، ثم الأخلاق (…) وقد تبيّن لي أن التغيير والإصلاح يجب أن يبدآ من المدرسة، ومن البيئة العائلية، ومن التربية.”
وفوق كل ذلك، كان يرى أن المواطنة تتطلب أن تتوافر لكل لبناني شروط حياة كريمة تعزز ارتباطه بلبنان وتجعله يشعر بأن له مكانًا حقيقيًا في وطنه.
وكان يلاحظ:
“لا يستطيع ميثاق 1943 أن يصمد طويلًا إذا كانت إحدى الفئات التي قبلت به محكومة بحياة صعبة. (…) الإنسان لا يتعلق بوطنه إلا إذا وجد فيه الشروط التي تسمح له بأن يعيش بكرامة.”
وكان يشدد:
“لا يكفي أن يكون لبنان نموذجًا حيًا للتعايش الإسلامي المسيحي، بل يجب أيضًا أن تكون لدى المسيحيين والمسلمين إرادة دائمة وأكيدة في أن يبقوا لبنانيين.”
أما حكمه على الطبقة السياسية، فكان منذ السبعينيات بلا رحمة:
“نطلب أحيانًا المستحيل ونحن نعرف أنه مستحيل، ثم نواصل المطالبة به. لماذا؟ لأن بعض الناس لا يريدون في الحقيقة أن يفعلوا شيئًا.”
حياد لا ينفصل عن العيش معًا
وقبل كل شيء، كان الشيخ ميشال يدافع عن تصور خاص للحياد اللبناني. ليس العزلة، بل العكس تمامًا: قدرة لبنان على أن يكون حاضرًا في عوالم عدة في آن واحد، عربيًا من دون أن يُبتلع، منفتحًا على الغرب من دون أن يخضع له، متحدثًا مع الجميع من دون أن يصبح تابعًا لأحد.
حياد انفتاح وسيادة.
وكان يقول: “لكن من أجل ذلك، يجب على لبنان أن ينتج وأن يعرف ما هو”، والأهم أن يبقى نفسه.
وأضاف بعد سنوات: “لبنان خطّ حدود يمرّ في داخل كل لبناني، لكنه في الوقت نفسه خطّ التحام.”
وبعبارة أخرى، كانت التعددية والعيش معًا يغنيان الشخصية اللبنانية ويمنحانها تركيبًا معقدًا، يسمح للإنسان بأن يشعر ويفكر مع أبناء الجماعات الأخرى من خلال نموذج من التعاطف، بما قد ينزع فتيل ما سيطلق عليه أمين معلوف لاحقًا اسم “الهويات القاتلة”.
وهذا هو، في نظره، جوهر الكينونة اللبنانية.
وبعد أكثر من نصف قرن، ما تزال هذه الصيغة المستلهمة من فكر شيحا حول وظيفة لبنان، في عالم يزداد انغلاقًا داخل الهويات، راهنة بصورة لافتة.
فالحياد الإيجابي الذي صاغه ميشال الخوري في محاضرة في الندوة اللبنانية في أيار 1961 يشبه إلى حد بعيد ما يبقى هذا المبدأ عليه في 2026: حماية للبنان من حروب الآخرين، بعيدًا من أي نزعة انعزالية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على دور لبناني ناشط في محيطه.
دين الوفاء
لكن قصة واحدة ربما تكشف أكثر من غيرها أهمية التعاطف والآخر في تصوره للسياسة، بما ينسجم مع النزعة الإنسانية الشاملة التي دافع عنها شيحا.
إنها تجربته الصادمة في العراق خلال عهد كميل شمعون، التي لقنته، بطريقة أشد قسوة بكثير، درسًا أساسيًا في أخلاق الحياة.
كان قد تناول الغداء لتوه في بغداد مع الملك الشاب فيصل الثاني، وكان ميشال يشرف آنذاك على مشروع إنشائي لحسابه، عندما أطاحت الثورة، في 14 تموز 1958، الملكية الهاشمية في حمام دم. ورأى ميشال الخوري عمال الورشة ينصبون المشانق للعائلة المالكة. وأخبره أحدهم بأن واحدة منها مخصصة له، لأنه “صديق الملك”…
أنقذ كبير مهندسي الورشة حياته، واقتاده مسرعًا مباشرة إلى المطار.
وعندما عاد إلى بيروت، اكتشف في تلك الليلة أن شعره قد شاب. لم يكن قد شعر بالخوف في اللحظة نفسها، لكن الجسد، من جهته، كان يمسك حسابه الخاص.
وبعد سنوات، حين وجد منقذه نفسه في خطر، مسجونًا ومحكومًا بالإعدام في العراق، حرّك الشيخ ميشال علاقاته، ولا سيما عبر فؤاد شهاب، للحصول على العفو عنه وتمكينه من مغادرة البلاد. ونجح في ذلك، ولو إلى حين: فقد اغتيل الرجل لاحقًا بعد عودته إلى العراق.
بالنسبة إلى الشيخ ميشال الخوري، دين الوفاء لا يسقط.
وكان هذا مبدأ اعتمده في حياته الشخصية وفي سلوكه السياسي على السواء.
وبعد ما يقارب نصف قرن، ظل يتحدث عن ذلك الرجل بمزيج مقلق من الامتنان والقلق، متسائلًا إن كان قد وفّاه حقّه، وكان جديرًا بمن أنقذ حياته.
نبل الروح إما أن يكون، أو لا يكون.
لا يمكن اختراعه.
ولعل هذا هو، في النهاية، ما لمح إليه بشارة الخوري عندما وصف ابنه بأنه “أرشيدوق”…
رجل النهضة
كان ميشال الخوري أيضًا صاحب ثقافة تكاد تثير الدهشة باتساعها وتنوعها. وكانت الأسماء تطفو عفويًا في الحديث من دون أن يخطر له أن يستمد منها مكانة: تشابلن، الذي التقاه في لندن، سيوران، شتوكهاوزن، هيلين كارير دانكوس، إلى جانب عدد كبير من الكتّاب والفنانين والمفكرين والشخصيات المرموقة في العالم السياسي والديني والاجتماعي والثقافي.
كان ينتقل بسهولة من نقاش في الدستور اللبناني إلى الموسيقى المعاصرة، ومن شيحا إلى بول فاليري. وخلال رحلة قمت بها إلى سيت عام 2018، طلب مني أن أزور قبر فاليري باسمه وأن أقف عنده لحظة صمت. فقد كان هو الآخر واحدًا من أساتذته.
الشيخ ميشال، الجنتلمان الذي كان دائمًا كامل الأناقة والرقي، لم يكن بحاجة إلى الاستعراض. لم يكن بحاجة إلى أن يبرهن على نفسه. لا جشع، ولا نهم إلى الألقاب أو الاعتراف.
أما Ruptures vespérales، الأثر الحميم الوحيد الذي تركه، فيكشف رجلًا مسكونًا بالوحدة والهوية والزمن، وفوق كل شيء بالغياب.
ويعترف فيه:
“إنها الخشية، في النهاية، ما يدفعني إلى الكتابة، رهاب الغياب.”
وهكذا تصبح كل كلمة يخطها، بمعنى ما، سلاحًا في وجه المحو.
وفي هذه المفارقة شيء غريب ومؤثر معًا: ميشال الخوري، الذي كان يخشى الغياب ويقاوم العدم، رفض مع ذلك أن يصنع بنفسه صورته للآتين بعده. أو ربما كان مجرد العيش، وما يتركه الإنسان من أفعال في ذاكرة المقربين منه، هو وحده الأثر الذي كان يكفيه، وهو في نظره أسمى بكثير من زخارف مجد وهمي مسجّل على ورق قابل للفناء…
وبالنسبة إلى رجل النهضة هذا، شبه الكوني في فضوله، تحولت الكتابة بذلك إلى شكل من أشكال المقاومة الوجودية.
موت لبنان في روحه
هل يمكن للإنسان أن يطيل العيش، في الحلو والمرّ، إلى أن يفقد الرغبة فيه؟
عندما بلغ الخامسة والتسعين، كان ميشال الخوري يقول لزواره القلائل: “أصدقائي لم يعودوا في هذا العالم. لقد تجاوزت زمني على الأرض منذ زمن طويل. لكن الموت لا يريدني…”
كان إحباطه السياسي عميقًا. فمنذ شبابه، ظل يدين بلا كلل، لا عيوب المؤسسات بقدر ما يدين رداءة الذين يفرغونها من معناها.
“كثيرون يتخذون من الخدمة وسيلة لخدمة أنفسهم، وقليلون يخدمون حقًا.”
لعل كل خيبته السياسية كانت تختصر في هذه العبارة.
وكان زميله القديم في الصف حسن الرفاعي، الذي تقاسم معه المقعد نفسه في الحكمة، سيصل بطريقته إلى التشخيص نفسه قبيل وفاته في أيلول 2025. وكذلك فؤاد بطرس. أما سمير فرنجية، من جيل أصغر، والذي كان يصارع السرطان منذ فترة، فقد اختار، بعد استسلام قوى 14 آذار أمام حزب الله والتسوية التي أوصلت ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية عام 2016، أن ينسحب من كل شيء ويعود إلى منزله ليموت فيه، وقد أثقلته الخيبة والمرارة السياسيتان.
كان هؤلاء، ومعهم قلة آخرون، لا ينتمون إلى جيل نجا بأعجوبة من الشعبوية، فقد عرف زمنهم منها الكثير، بل إلى تقليد سياسي آخر: تقليد التحفظ والكفاءة والتفاني في خدمة الدولة، والاقتناع بأن الحوار يبقى أحد العناصر المؤسسة للسياسة.
لكن إحباط ميشال الخوري انتهى إلى ملامسة شيء أعمق بكثير من السياسة.
في أيلول 2020، في مئوية لبنان الكبير، وبعد شهر من انفجار مرفأ بيروت، قال لي عبر الهاتف:
“لم أعد أشعر بأي فخر بالانتماء إلى لبنان. لم أعد أتعرف إليه إطلاقًا. لا أريد أن أُدفن في أرض لبنانية. أريد أن أُوارى الثرى في فرنسا.”
وعندما تصدر هذه الكلمات عن رجل كتب أن “لبنان فعل إيمان قبل أن يكون صيغة سياسية”، فإنها تحمل عنف قطيعة حميمة.
كانت مأساة فقدان الأرض الأم تضرب من جديد.
غادر ميشال الخوري هذا العالم على رؤوس أصابعه. اعتكف خلف أبواب منزله حين لم يعد الجسد قادرًا على الاحتمال، ثم اختفى كما خدم: في صمت كامل.
وفي آخر اتصال هاتفي بيننا، كتم نشيجه قبل أن يقول لي: “ميشال، أينما ذهبت، ستكون دائمًا معي، وأنا أعرف أنني سأكون دائمًا معك.”
أمضى الشيخ ميشال حياته يمحو آثاره.
لكن، فليسامحني، لم ينجح في محو هذا الأثر. ولن ينجح.
