ليس مفهوماً ما الذي يدفع فؤاد السنيورة إلى هذا القدر من الشغب السياسي في لحظة يحتاج فيها لبنان إلى أعلى درجات المسؤولية. فبدلاً من الانخراط في مسار دعم الدولة واستعادة قرارها، يختار الاصطفاف في موقع يلتقي، شاء أم أبى، مع خطاب حزب الله، ويمنحه خدمة سياسية مجانية في أكثر المراحل حساسية.
قد يكون للسنيورة حساباته، لكن الحسابات القصيرة الأمد لا تصنع رجال دولة، بل تستهلك رصيدهم. والخطير أن هذا التموضع لا يتناقض فقط مع مصلحة الدولة اللبنانية، بل يصطدم أيضاً مع التوجه السعودي الواضح والثابت في دعم الدولة ومؤسساتها وحصرية قرارها. فمنذ سنوات، لم يكن الموقف السعودي أكثر وضوحاً في الرهان على الدولة اللبنانية، فيما يأتي خطاب السنيورة ليزرع الالتباس بدل أن يعزز هذا المسار.
المفارقة أن الرجل الذي صمد في حصار السراي الكبير، وواجه يومها مشروع إخضاع الدولة، يبدو اليوم وكأنه يهدر بيده ذلك الإرث السياسي. فاللقب الذي اكتسبه يومها، لقب رجل الدولة، لا يُحفظ بالذكريات، بل يُثبت بالمواقف. ومن يضعف موقع الدولة في لحظة مصيرية، يخاطر بخسارة كل ما راكمه من احترام وثقة.
الخلاف في السياسة حق، لكن تحويله إلى معركة تضعف الدولة وتمنح خصومها ذخيرة مجانية ليس اجتهاداً سياسياً، بل خطأ استراتيجي ستكون كلفته على الجميع.
استفق يا دولة الرئيس. فما بنيناه دفاعاً عن الدولة لا يجوز أن نهدمه اليوم بحسابات ضيقة، ولا أن نهديه هدية مجانية لمن عملوا، ولا يزالون، على تقويضها.
