كيف يمكن لصحيفة شيوعية–إسلاموية مثل «الأخبار» أن تعتقد حقًا أن الناس سيقرأون، أو سيصدقون، كلمة واحدة مما تنشره من تحليلات مالية؟
منذ اليوم الأول للأزمة المالية في لبنان، دأبت صحيفة «الأخبار»، المعروفة بقربها من حزب الله، إن لم تكن لسان حاله، على صبّ جام غضبها على المصارف التجارية، محمّلةً إياها مسؤولية انهيار الليرة اللبنانية، وانهيار القطاع المصرفي، وضياع الودائع، والتخلّف عن سداد سندات اليوروبوندز، وشلل الاقتصاد، وربما أيضًا اغتيال جون كينيدي والصراع العربي–الإسرائيلي، ما دمنا قد قررنا توزيع الاتهامات جزافًا، من دون أي تحقق من الوقائع أو احترام للحقائق.
لقد كانت الحكومة اللبنانية، التي خضعت عمليًا لنفوذ حزب الله منذ ما يقارب ثلاثة عشر عامًا قبل اندلاع الأزمة، عقب حرب عام 2006، تهيمن على المشهدين السياسي والاقتصادي. وكثيرون لا يرون الوجه الاقتصادي لحزب الله، إلا أن الاقتصاد الموازي الذي يديره، والقائم على تهريب المخدرات، وتزوير الدولار الأميركي، والاستيراد غير الشرعي المعفى من الرسوم الجمركية ومن أي رقابة عند دخوله أو تداوله في الأسواق، خلق طبقة من التجار والمستفيدين المرتبطين به، سواء في كولومبيا وفنزويلا عبر أموال المخدرات، أو في أفريقيا عبر التجارة المعفاة من الرسوم، أو في سوريا عبر عمليات تزوير العملة الأميركية.
ومن هذا المنطلق، حقق انهيار القطاع المصرفي بالنسبة إلى حزب الله هدفين أساسيين: أولًا، تحويل لبنان إلى اقتصاد نقدي تتحكم به مراكز نفوذ تقع فعليًا في الضاحية الجنوبية لبيروت؛ وثانيًا، القضاء على الطبقة الوسطى والبرجوازية اللبنانية، التي ظلّ انتماؤها السياسي والتاريخي للدولة الشرعية ومؤسساتها، لا للحزب.
والأسوأ من ذلك أن عددًا من القيادات اللبنانية ومؤسسات الدولة سار في هذا «التحالف مع الشيطان». فقد قبل الرئيس ميشال عون، الذي كان يتولى رئاسة جمهورية تتداعى، بالخضوع لهيمنة حزب الله مقابل رئاسة غير قابلة للمساءلة، وفرص واسعة للاستفادة من منظومة الفساد. كما تراخى رياض سلامة في تطبيق قواعد «اعرف عميلك» ذلك يتيح له إبرام صفقات خاصة مع بعض المصرفيين المقربين منه، الذين استغلوا أموال مصرف لبنان لتحقيق مصالحهم الخاصة، في حين كان يفترض أن تُستخدم هذه الأموال لدعم استقرار العملة وردّ الودائع إلى أصحابها. ونال كل فاسد، من سياسيين وموظفين، حصته من الكعكة، فيما استحوذ حزبُ الله على الحصة الأكبر.
ثم جاءت الخطوة التي فاقمت الكارثة، عندما نجح حزب الله، عبر نفوذه داخل الحكومة آنذاك، في دفع لبنان إلى التخلّف عن سداد سندات اليوروبوندز، ليتحوّل البلد إلى دولة منبوذة في نظر المجتمع المالي الدولي، ويفتح الباب أمام اقتصاد السوق السوداء وإدراج لبنان على اللوائح الرمادية، بعدما كان، حتى في أشد سنوات الحرب الأهلية بين 1975 و1990، يحافظ على حد أدنى من المصداقية لدى المصارف المراسلة العالمية، ولم يتخلّف يومًا عن الوفاء بالتزاماته السيادية.
إن حزب الله، في نظر كاتب هذا النص، ليس سوى كتيبة إيرانية متمركزة في لبنان، لا تؤمن بهذا البلد ولا بمؤسساته ولا بحدوده، بل ولا بوجوده كدولة مستقلة. ومن هنا، فإن تدمير النظام المصرفي، ودفع الدولة إلى التخلّف عن سداد ديونها، وسحق الطبقة الوسطى، ودفع آلاف الشباب والكفاءات إلى الهجرة، لم يكن نتيجة أخطاء عشوائية، بل جزءًا من مشروع متكامل.
فالقطاع المصرفي الشرعي هو العدو الطبيعي للاقتصاد الموازي؛ إذ لا يمكن لكليهما أن يزدهر في الوقت نفسه. والطبقة الوسطى تناقض ثقافة تمجيد الموت، لأنها تريد لأبنائها أن يتخرجوا من المدارس والجامعات، لا من معسكرات التدريب ليموتوا في الحروب. كما أن الدولة تقوم على المؤسسات والقانون والعدالة، بينما تقوم الميليشيا على المصلحة الخاصة، والطائفية، والفوضى.
لذلك، ربما يجدر بصحيفة «الأخبار» أن توفّر على نفسها عناء تخصيص صفحات للاقتصاد والمال. فلا أحد يبحث عن دروس في الحب والسلام في مؤلفات ستالين، ولا أحد يتلقى دروسًا في الأناقة من خنزير.
