في لبنان، يبدو أن المرء يجب أن يقتل، ثم يُتَّهَم، ثم تُستنفر طائفته للدفاع عنه، لينتهي الأمر بحصول المتَّهَم على الحصانة. حسنًا، ولكن ماذا عن الضحية؟ من يتحدث باسمها؟ الضحايا في لبنان غالبًا ما لا صوت لهم، وهذه لازمة تتكرر منذ عقود، ولعلها تكون اليوم على وشك أن تتغير.
تملأ الجرائم صفحات الأخبار في لبنان؛ من الاغتيالات السياسية، إلى ما يسمى “جرائم الشرف”، وصولًا إلى السرقة والفساد. ولكن كم شخصًا حُوكم فعلًا محاكمة عادلة، وصدر بحقه حكمٌ نُفِّذ بالكامل؟ نادرًا ما حدث ذلك. فالمزاج الشعبي، رغم ما يبدو عليه من غضب ورغبة في الانتقام، يصطدم سريعًا بحقيقة أن المتهمين ينتمون إلى طوائف وإلى أحزاب. وما إن يُوجَّه إتهام إلى إبن طائفة ما حتى يتحول النقاش إلى منطق عَبثي: لماذا يُحاسَب هذا وحده؟ إما أن يُحاسَب الجميع دفعةً واحدة، أو لا يُحاسَب أحد. وهكذا، لا يُحاسَب أحد.
بعد الحرب الأهلية، أُطلقَ سراحُ معظم المتهمين بجرائم الحرب، ولم يُستجوبوا، ولم يقضوا يومًا واحدًا في السجن، باستثناء قائد واحد اتُّهم ظلمًا وأمضى أحد عشر عامًا في الحبس الانفرادي قبل أن تثبت براءته. كانت تلك وصمة عار في جبين العدالة اللبنانية، وإهانةً للقضاء، وتشويهًا لمعنى الإنصاف.
في مرحلة ما بعد الحرب، جرت محاولة لتطهير الإدارة العامة، فأُقيل عدد من الموظفين الذين اتُّهموا بالفساد وإساءة استعمال السلطة. لكن القرار لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما انقلبت عليه الطبقة السياسية، بعدما اكتشفت أن كثيرًا من أولئك الموظفين كانوا في الأصل من المحسوبين عليها، وقد وُضعوا في مواقعهم تحديدًا لخدمة مصالحها. فسقط مشروع الإصلاح، وبقي الفاسدون في مواقعهم، بل إن بعضهم رُقِّي إلى مناصب أعلى.
اليوم، نشهد موجة جديدة من «تنظيف البيت»، لكنها مختلفة. فهي لا تستهدف مؤسسات أو مصارف أو شركات، بل أفرادًا، وتتعلق حصريًا بجرائم يُدَّعى أنها ارتُكبت بحق مصرف لبنان.
فقد بادر مصرف لبنان إلى إقامة سلسلة من الدعاوى القضائية بحق مسؤولين سابقين فيه، وبحق مصرفيين كبار، متهمًا إياهم بإساءة استعمال السلطة واستغلال مناصبهم لاتخاذ قرارات أفضت، وفق ما ورد في الدعاوى، إلى استخدام أموال المصرف المركزي – أي الأموال التي تشكل في نهاية المطاف جزءًا من منظومة حماية أموال المودعين – لتمويل استثمارات خاصة لا تمت بصلة إلى المهام التي أُنشئ المصرف المركزي من أجلها.
ومن اللافت أن العمليات المصرفية موضوع هذه الدعاوى، وفق ما يورده مصرف لبنان، لم تكن مرتبطة بمصارف متعثرة، ولا بحالات توقف عن الدفع، ولا بخطر إفلاس، ولا بانهيار وشيك يستوجب تدخل المصرف المركزي. بل كانت، بحسب ما جاء في الملفات، عمليات استثمارية خاصة وصفقات مالية خاصة، يُدَّعى أن المصرف المركزي موّلها أو سهّلها بقرارات صدرت في ذلك الوقت، تحت إشراف الإدارة السابقة، وبمشاركة جهات عدة، مع الاستعانة أيضًا بمكاتب محاماة دولية مرموقة لإضفاء مظهر من المشروعية على تلك العمليات.
ويؤكد مصرف لبنان أن هذه الملفات لم تُبنَ على انطباعات أو تكهنات، بل جاءت ثمرة أشهر طويلة من العمل القانوني والمالي، شارك فيها فريقه القانوني الداخلي ومستشارون خارجيون في لبنان وخارجه. وقد جُمعت خلالها الوثائق، والرسائل، والبيانات، والمراسلات، وخضعت للتدقيق والمراجعة والمقارنة والتحقق من قبل أكثر من جهة مستقلة، قبل أن تُحال إلى القضاء المختص.
ومن جهته، لم يتخذ القضاء إجراءاته بصورة فورية، بل أمضى أشهرًا في دراسة مئات المستندات، والاستماع إلى الإفادات، والتحقق من الأدلة، قبل أن يتخذ الإجراءات القضائية التي رآها مناسبة. وعندما اعتبر أن هناك من المعطيات ما يبرر السير بالدعوى، أصدر قراراته وفقًا للأصول القانونية، واتخذ التدابير التي يخولها له القانون.
بعد ذلك، بدأت حملة مضادة في وسائل الإعلام، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وفي الأوساط السياسية والاجتماعية. وارتفعت الأصوات التي تقول إن هؤلاء لم يرتكبوا شيئًا، وإن غيرهم قام بالأفعال نفسها، لتعود اللازمة القديمة نفسها: إما أن يُحاسَب الجميع، أو لا يُحاسَب أحد.
إلا أن هذه القضية تختلف عن كثير من القضايا السابقة. فالمؤسسة التي يُقال إنها تضررت هي مصرف لبنان، وهي مؤسسة وطنية يفترض أنها ملك لجميع اللبنانيين. أما المتضررون النهائيون، فهم المودعون الذين ينتمون إلى جميع الطوائف والانتماءات السياسية، وليس إلى فئة واحدة دون أخرى.
ولهذا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول هوية الأشخاص، بل حول مبدأ المحاسبة ذاته. فإذا ثبتت المخالفات أمام القضاء، فإن استرداد الأموال يصبح واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا. أما إذا لم تثبت، فالقضاء وحده هو الذي يملك إعلان البراءة.
إن الهدف ليس الانتقام من أحد، ولا تصفية حسابات مع أحد، بل استرداد الحقوق والأموال حيث يثبت القضاء أنها استُعملت أو خرجت من المصرف المركزي بصورة مخالفة للقانون. فالفرق كبير بين الانتقام والاسترداد؛ الأول تحركه العواطف، أما الثاني فتحكمه العدالة وسيادة القانون.
ويبقى الزمن وحده كفيلًا بإظهار الحقائق، وبإثبات ما إذا كان لبنان قد بدأ فعلًا مرحلة جديدة عنوانها المحاسبة، أم أنه سيعود مرة أخرى إلى الحلقة نفسها التي عطلت العدالة لعقود.
