حصري لموقع “الشفاف”ّ
منذ ست سنوات، ينتظر المودعون اللبنانيون.
ينتظرون خطة للتعافي المالي.
ينتظرون مجلس النواب.
ينتظرون الحكومة.
ينتظرون صندوق النقد الدولي.
ينتظرون المصارف.
ينتظرون أن يقرر أحدٌ ما، أيُّ شخص، ما الذي ينبغي أن يحدث لودائعهم المحتجزة.
إذا كان هناك أمر واحد أثبتت الدولة اللبنانية اتساقًا ملحوظًا فيه، فهو عجزها عن اتخاذ القرارات. هذا بلد قد يستغرق إصلاح أنبوب مياه فيه سنوات، وقد تستهلك خطة للكهرباء عقودًا من النقاش، بينما يُمكن أن تبقى خطة التعافي المالي عالقة في أروقة اللجان لمدة أطول من المدة التي بقيت فيها ودائع المودعين عالقة داخل المصارف.
في مرحلةٍ ما، لا بدّ للمودعين أن يطرحوا على أنفسهم سؤالًا بسيطًا:
هل تفضّل أن تراهن على أن الحكومة اللبنانية ستجد حلًا، أم أن تراهن على أصول ملموسة في القطاع الخاص موجودة بالفعل؟
بالنسبة لكثيرين، قد تكون الإجابة بديهية.
آخر مَهرَب لـ”اللولارات”؟
أحدُ المنافذ القليلة المتبقية أمام المودعين لتحويل الدولارات العالقة في المصارف إلى أصول حقيقية هو سوق الأسهم اللبنانية، ولا سيما من خلال أسهم شركة “سوليدير”.
وقد لا تبقى هذه الفرصة متاحة إلى الأبد. إذ يتزايد اعتقاد المشاركين في السوق بأن مصرف لبنان سيتجه في نهاية المطاف إلى تسعير أسهم “سوليدير” بالدولار الحقيقي (“الفريش دولار”)، بدلاً من الدولار المصرفي العالق (“اللولار”). وإذا حدث ذلك، فقد تختفي إمكانية استخدام” اللولارات” لاكتساب مُلكية في واحدة من أكثر شركات التطوير العقاري قيمةً في لبنان.
وبالنسبة للمودعين الذين لا تزال أموالهم محتجزة داخل النظام المصرفي، فقد يكون الوقت قريباً من النفاذ.
ما هي شركة سوليدير بالضبط؟
إذا جرّدنا الحديث عن الشركة من السياسة والمشاعر المحيطة بها، يبقى سؤال بسيط ومباشر: ما هي أصولها؟
تمتلك شركة سوليدير بعضًا من أكثر العقارات قيمةً في وسط مدينة بيروت.
تسيطر الشركة على نحو 1.25 مليون متر مربع من حقوق التطوير والأراضي في وسط بيروت. وباحتساب قيمة تقديرية تبلغ حوالي 2,200 دولار أمريكي للمتر المربع، فإن قيمة هذه الأراضي وحدها تُقدَّر بنحو 2.75 مليار دولار أمريكي.
إضافةً إلى ذلك، تمتلك سوليدير حوالي 190 ألف متر مربع من العقارات المطوَّرة، بما في ذلك أسواق بيروت. وبمتوسط تقييم يبلغ 7,500 دولار أمريكي للمتر المربع، فإن قيمة هذه الأصول تتجاوز 1.4 مليار دولار أمريكي.
كما تمتلك الشركة 43% من شركة “سوليدير إنترناشيونال”، التي لديها مشاريع واستثمارات متميزة في المملكة العربية السعودية وعجمان.
وبالإضافة إلى الأصول المذكورة أعلاه، تمتلك “سوليدير” عددًا من الأصول القيّمة الأخرى، من بينها حصة 50% في “زيتونة باي” و”نادي اليخوت”، فضلًا عن رصيد نقدي كبير.
وبشكل إجمالي، تُظهر الشركة في بياناتها المالية أصولًا تبلغ قيمتها حوالي 4.9 مليار دولار أمريكي.
والأهم من ذلك، وعلى خلاف العديد من المؤسسات اللبنانية، فإن الشركة تكاد لا تعاني من أي ديون.
وفي عصر أصبحت فيه قوة الميزانيات العمومية عاملًا حاسمًا، فإن انعدام الديون ليس تفصيلًا ثانويًا.
الأرقام لا تتطابق
تمتلك شركة سوليدير حاليًا ما يقارب 165 مليون سهم قائم، موزعة بين 100 مليون سهم من الفئة “أ” و65 مليون سهم من الفئة “ب”.
قامت الشركة، على مدى السنوات الماضية، بإعادة شراء جزء من أسهمها، وبلغ إجمالي ما أعادت شراءه حتى الآن نحو 6.5 مليون سهم. بالإضافة إلى ذلك، يُتَوقّع أن تقوم “سوليدير إنترناشونال” بإعادة شراء ما يقارب 4% من أسهمها بسعر 120 دولارًا للسهم. ويشير ذلك إلى أن إدارة “سوليدير إنترناشونال” تعتبر أن السهم مقوَّم بأقل من قيمته الحقيقية، كما أن هذه الصفقة ستوفر لـ”سوليدير” دفقًا نقديًا مهمًا يعزز سيولتها.
واستنادًا إلى أصول الشركة، يقدّر المحللون صافي قيمة الأصول بحوالي 30 دولارًا للسهم الواحد بالقيمة الحقيقية للدولار.
ومع ذلك، لا يزال السهم يُتداول عند حوالي 70 إلى 75 دولارًا لبنانيًا (لولار)، وهو ما يعادل نحو 11 دولارًا بالقيمة الحقيقية وفقًا لأسعار الصرف السائدة.
وبالنسبة للقراء غير المتخصصين في الشؤون المالية، فهذا يعني أن المستثمرين يشترون أصولًا تبلغ قيمتها نحو 30 دولارًا مقابل دفع حوالي 11 دولارًا فقط.
وهذا يمثل خصمًا يقارب 63% مقارنة بالقيمة المقدّرة للأصول.
التاريخ قدّم الإجابة فعلاً
إن الحجة الأكثر إقناعًا ليست نظرية، بل تاريخية.
في بداية الأزمة، استخدم بعض المودعين الدولارات المحتجزة في المصارف لشراء أسهم سوليدير، عندما كان السهم يُتداول بما يعادل نحو 5 دولارات فعلية.
واليوم، تبلغ قيمة تلك الأسهم نحو 11 دولارًا فعليًا.
في المقابل، أمضى المودعون الذين تركوا أموالهم محتجزة داخل النظام المصرفي ست سنوات وهم يستمعون إلى الوعود، وخطط التعافي، ومسودات خطط التعافي، والتعديلات على خطط التعافي، والنقاشات حول النقاشات المتعلقة بخطط التعافي.
مجموعة أصبحت تمتلك أصولًا ترتفع قيمتها، بينما المجموعة الأخرى لا تمتلك سوى الأمل.
وبالمثل، فإن المودعين الذين استخدموا اللولارات لشراء العقارات خلال السنوات الأولى من الأزمة خرجوا عمومًا في وضع أقوى بكثير من أولئك الذين واصلوا انتظار حل من الحكومة.
وفي لبنان، يشير التاريخ مرارًا وتكرارًا إلى أن المراهنة على الأصول الخاصة غالبًا ما تكون أكثر أمانًا من المراهنة على الوعود الحكومية.
مشكلة السيولة القادمة
هناك مسألة أخرى ينبغي على المستثمرين أخذها في الاعتبار.
اليوم، يوجد ما يقارب 70 مليار دولار من الودائع المصرفية المحتجزة (اللّولار)، والتي يمكنها نظريًا المشاركة في شراء الأصول المُسعَّرة باللّولار.
إذا اتجهت الأسواق نحو التسوية بالدولار الحقيقي، فإن حجم هذه الكتلة سيتقلص بشكل كبير جدا. إن حجم السيولة الفعلية بالدولار المتداولة داخل القطاع المصرفي حاليا يُقدَر بحوالي 3 مليارات دولار فقط.
إن سوقًا تُغذّيه 70 مليار دولار من الودائع المحتجزة يتصرف بطريقة مختلفة تمامًا عن سوق لا تُغذّيه سوى 3 مليارات دولار من الدولارات الحقيقية.
ومن المرجح أن تنخفض أحجام التداول، وقد تصبح السيولة أكثر ندرة.
كما أن الفرصة المتاحة للمودعين لتحويل أرصدتهم المحتجزة إلى أصول منتجة قد تضيق بشكل ملحوظ.
ومن ناحية أخرى، فإن الانتقال إلى تسعير الأصول بالدولار الحقيقي قد يشجع أيضًا على عودة جزء من مليارات الدولارات التي تُحتفظ بها حاليًا في المنازل والخزنات إلى السوق.
فالعديد من اللبنانيين لا يثقون بالنظام المصرفي، لكنهم مستعدون للاستثمار مباشرةً في الأصول التي يملكون السيطرة عليها.
خيار بين شكلين من أشكال الثقة
في نهاية المطاف، لا يدور هذا النقاش في الحقيقة حول “سوليدير”.
بل يدور حول الجهة التي يختار المودعون أن يضعوا ثقتهم فيها.
من جهة، تظل الدولة اللبنانية: بعد ست سنوات من الانهيار المصرفي، عاجزة عن الاتفاق على من يتحمل الخسائر، وكيف ستُسدَّد الودائع، وما الذي ينبغي أن تتضمنه خطة التعافي، أو حتى متى قد يتمّ التوصل إلى حل.
ومن الجهة الأخرى، تقف الأصول الملموسة: الأراضي، والمباني، وحقوق التطوير، وحصص الملكية في المشاريع القائمة بالفعل.
إحداهما تتطلب الثقة بالسياسيين. والأخرى تتطلب الثقة بالأصول.
الأولى أنتجت ست سنوات من الانتظار. أما الثانية، فقد حققت بالفعل نتائج لكثيرين ممن بادروا إلى التحرك مبكرًا.
انتظار غودو
على كل مودع أن يتخذ قراره بنفسه، ولكن ينبغي عليه أن يفعل ذلك بأعين مفتوحة.
إن فرصة استبدال “اللولار” بأصول حقيقية قد لا تظل متاحة إلى الأبد. وإذا انتقلت “سوليدير” في نهاية المطاف إلى التداول الحصري بالدولار الحقيقي، فقد يضيق الباب بشكل كبير أمام أولئك الذين ما زالت اموالهم محتجزة داخل النظام المصرفي.
عند هذه النقطة، قد تكون الاستراتيجية الوحيدة المتبقية هي الاستمرار في انتظار حل مالي شامل. ربما يأتي العام المقبل، أو العام الذي يليه، أو بعد الحكومة المقبلة، أو بعد اللجنة البرلمانية القادمة، أو بعد اللجنة التي شُكلت لمراجعة توصيات اللجنة السابقة!
في لبنان، كل هذا يبقى ممكناً.. تماماً كما هو الحال في انتظار “غودو”.
الفارق الوحيد هو أن “غودو” شخصية خيالية، أما الأرض في وسط بيروت فليست كذلك.
