لا تُشير المعطيات في فرنسا إلى أن المظاهرات الجارية هذه الأيام، وأقصد احتجاجات طلاب المدارس، “ذات طبيعة إسلامية”. فهي تدور أساسا حول أوضاع التعليم، ونَقص المدرّسين، وطول ساعات الدراسة، والإنفاق الحكومي. وقد امتدت إلى أكثر من ألف مدرسة، وشارك فيها أكثر من 250 ألف شخص وفق أرقام وزارة الداخلية الفرنسية.
ورغم حضور شباب من أصول مهاجرة ومسلمة في المجتمع الفرنسي، وأن بعض المشاركين في الاحتجاجات قد يكونون مسلمين، إلا أن القضية الفلسطينية تستقطب مظاهرات منفصلة في فرنسا، وبعضها تقوده أو تشارك فيه مجموعات ذات خلفية إسلامية أو مؤيدة للفلسطينيين. وهناك بالفعل مظاهرة كانت مقررة في باريس في 7 أكتوبر وتم منعها.
واللافت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال قبل أيام إن ما يجري في فرنسا “ليس متعلقاً بالمدارس بل برغبة الإسلام في السيطرة”! لكن هذا يعكس تفسيرا سياسيا لا ما تقوله التقارير الميدانية. وتشير التحقيقات الصحفية إلى أن اليسار الراديكالي الفرنسي وبعض النقابات والمنظمات الطلابية حاولت استثمار الحركة الطلابية وتوسيعها سياسيا.
ولا يمكن الإنكار أن الجالية المسلمة أو الإسلام السياسي بات قوة مؤثرة في الشارع الفرنسي، وزاد تأثيره مقارنة باليسار واليمين. فقد أصبحت الجالية كتلة اجتماعية وسياسية مهمة. لكن من المهم التفريق بين المسلمين “كناخبين ومجتمع” وبين “الإسلام السياسي”. مع ذلك فإن الأدلة لا تدعم القول إن “الإسلام السياسي” أصبح القوة المهيمنة في الشارع الفرنسي، بل تشير إلى أن حضوره أصبح أكثر تأثيرا.
ووفق بيانات “INSEE”، المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية في فرنسا، وهو جهاز رسمي مسؤول عن جمع وتحليل ونشر الإحصاءات، كان المسلمون يمثلون نحو 10% من السكان في فرنسا بين 18 و59 عاما في مسح 2019–2020، والإسلام هو ثاني أكبر دين في البلاد. كما أن الانتقال الديني بين الأجيال قوي نسبيا إذ إن 91% ممن نشأوا في أسرة مسلمة قالوا إنهم يتبعون دين والديهم. وهذا يجعلهم كتلة انتخابية يمكن أن تؤثر في نتائج الإنتخابات.
وتشير دراسات انتخابية فرنسية إلى أن الناخبين المسلمين يميلون بوضوح إلى اليسار، وخصوصاً اليسار الراديكالي، أكثر من ميلهم إلى اليمين. وأشار تقرير لـ”الجمعية الوطنية الفرنسية” إلى تقديرات تضع التصويت لليسار بين المسلمين عند نحو 65%، وبالتالي فإن زيادة الوزن السياسي للمسلمين لا تعني زيادة وزن “الإسلام السياسي”، بل قد تعني زيادة وزن اليسار.
ونشرت الحكومة الفرنسية في مايو 2025 تقريرا رسميا عن “الإخوان المسلمين” و”الإسلام السياسي” في فرنسا. وحذر التقرير من محاولة بناء نفوذ طويل الأمد من خلال المساجد والجمعيات والتعليم والعمل المحلي، وتحدث خصوصاً عن ظاهرة أطلق عليها “الإسلاموية البلدية”.
ونقلت “رويترز” أن التقرير لم يَجِد دليلا على أن جماعة “مسلمي فرنسا” تسعى إلى فرض الشريعة أو إقامة دولة إسلامية، وإنما تركز على السعي لنشر النفوذ السياسي والاجتماعي.
أما اليمين الفرنسي فهو يستفيد من قضية الإسلام. فصعود اليمين واليمين المتطرف يجعل الإسلام والهجرة والهوية الوطنية قضايا انتخابية أكثر أهمية. وكلما زاد حضور المسلمين والهجرة في المجتمع، زاد حضور هذه القضايا في خطاب اليمين. وهناك أبحاث أكاديمية وجدت أن مجرد الوجود المرئي للمساجد يمكن أن يرتبط بزيادة الدعم لليمين المتطرف في بعض المناطق، وإن كانت هذه العلاقة معقدة ولا تعني أن المسلمين أنفسهم يصوتون لليمين.
في مارس 2026، قدم اليمين الفرنسي في مجلس الشيوخ مشروع قانون لمكافحة ما يسميه “التغلغل الإسلامي” في المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والرياضية والجمعيات، وأقره مجلس الشيوخ في مايو بأغلبية 208 مقابل 124. المشروع كان لا يزال في المسار التشريعي، وهذا يدل على أن “الإسلام السياسي” أصبح ملفا مؤسسيا وأمنيا وسياسيا حقيقيا في فرنسا.
إن الدولة الفرنسية أصبحت أكثر تشددا تجاه “الإسلام السياسي”، بينما يستمر جزء من اليسار في الدفاع عن المسلمين ضد ما يراه تمييزا أو “إسلاموفوبيا”. وهذا الاستقطاب المتبادل قد يكون أهم من حجم “الإسلام السياسي” ذاته.
