لطالما استفزني كل المشككين بامكان التعايش بين اللبنانيين، ولطالما نظرت اليهم على انهم لم يعرفوا لبنان، او انهم عرفوه من خلال مجتمعاتهم الضيقة والتي ضاقت اكثر عليهم بفعل الحرب الاهلية.
لقد نشأت في بيت علماني، عرفت لبنان منذ نعومة اظافري من خلال والدي، الذي كان يساريا اشتراكيا رفيقا وصديقا للمعلم كمال جمبلاط، لاكتشف قبل ايام وانا اقلب اوراقه، ان صداقة ربطته بالامام موسى الصدر.
وبلغة اليوم، يبدو من سابع المستحيلات، ان يقف ماروني علماني الى جانب رئيس “المجلس الاسلامي الشيعي” ليفتتح مسجدا للشيعة، ويتبرع بكل ما كان في جيبه لصالح بناء المسجد.
ولكن لبنان الذي عرفته، هكذا كان، وهكذا عشته مع والدي، حين وصل ذات يوم الامام موسى الصدر الى بيتنا في قريتنا المتواضعة، بصحبة صديق الوالد الشيخ محمد رشيد حماده، من قرية “داعِل”، الواقعة في الوسط العالي لبلاد البترون، لينقل الوالد الى القرية حيث كان مقررا ان يفتتح سماحته مسجدا للشيعة في البلدة.
وبين الاوراق، وجدت الكلمة التي القاها والدي في افتتاح المسجد التي انشرها كاملة بصورتها الاصلية ونصا لتسهيل القراءة، لمن يريد.
هذا هو لبنان الذي عرفته وأصر على العيش في:، لبنان المتنوع طائفيا ومذهبيا، لبنان الذي اشترك فيه العلماني المسيحي الماروني مع كبير الطائفة الشيعية في افتتاح مسجد وتبرّع بكل ما كان في جيبه حينها لصالح بناء المسجد.
صاحب السماحة
ممثلي السلطات الرسمية
أيها الأخوة المواطنون
شكراً لأهالي “داعل” الذين أتاحوا لي شرف الكلام في حضرة صاحب السماحة العلامة الإمام موسى الصدر والتحدث إليكم جميعاً في هذه المناسبة الكريمة، مناسبة الاحتفال بتشييد مسجد للعبادة لإخواننا أبناء الطائفة الشيعية.
في هذه المناسبة تحضرني القيم التي جسدها ويجسدها المسجد عبر تاريخ العرب الطويل الحافل بالميراث والبطولات والعمل الوطني الصحيح.
كان المسجد في ما مضى، وما يزال، المكان الأسمى والأشرف والأطهر يختلي فيه المؤمن ليحاسب نفسه ويتصل بربه طالباً العفو والمغفرة، في بهوه تحلق المسلمون ليبتداولوا في أمور الدين والدنيا ومشاكل الحكم وفي محرابه وقف الكثيرون من قادة العرب وحكامهم يدعون الأمة إلى الجهاد في سبيل الحق، وفي أروقته تجادل العلماء والفقهاء لتقرير الأفضل والأصوب من المذاهب والحقائق وإلى جواره توافد طلاب المعرفة ينهلون العلم من الكتاب.
من المسجد، من محرابه، من أروقته، من جواره انطلق العرب حاملين مشعل الهداية رافعين راية الجهاد يزرعون العالم إيماناً وعلماً وفكراً وحضارة ومحبة وتسامحاً فلم يعرف التاريخ فاتحاً كالعرب.
خرجوا من المسجد إلى العالم ثواراً بكل ما تعني كلمة ثورة من نزعة إلى التغيير والتبديل في المقاييس والمفاهيم البشرية القائمة، ثائرين على قحط الجزيرة وقسوة الصحراء، على الوثنية ومفاسدها، وعلى الأعراف القبلية ومساوئها وعلى كل مألوف حولهم تجاوزته الزمن ليشيدوا صرح أمة مجيدة ومجتمعاً جديداً على أسس الإيمان والمحبة والعدل والحلم والتسامح مستلهمين رسالة النبي العظيم قولاً ويقيناً وممارسة.
أجل لقد جاء الإسلام بتعبير صادق عن تطلعات الشعوب إلى الأفضل والأسامى من الحياة الإنسانية المتكاملة المثلى، أجل لقد حرر الإسلام أبناء الجزيرة مم كانوا عليه من جاهلية وضلال مبين وأطلقهم في العالم رسل الحق والهداية ولكن:
هل يمثل المسجد اليوم القيم التي جسدها في ما مضى؟
هل يتوافد المسلمون إلى المساجد كما كانوا يتوافدون في الأمس؟
هل يخرج المسلمون من مساجدهم كما كانوا يخرجون في الأمس مؤلفة قلوبهم موحدة أهدافهم نقية ضمائرهم؟
ما كنت لأسمح لنفسي بطرح هذه الأسئلة لولم يكن يوليني هذا الحق نزعة عربية في عميقة الجذور وفكرة وثقافة وانتماء يعرفها إخواني وأصدقائي أهل “داعل” وقد طبعتني هذه النزعة بطابع خاص مميز.
ولكن لا أسمح لنفسي بالإجابة وأترك للأحداث والتاريخ أن يجيبوا.
في معركة اليرموك قاتل العرب عدواً يفوقهم عدة وعدداً وانتصروا عليه بقوة إيمانهم ووحدتهم.
في الغرب اندحرت جيوش “الفاندال” أمام طارق بن زياد بالرغم من ضآلة جيشه وقلة عدته.
ودانت أفريقيا الشمالية لجيوش عقبة بن نافع بسنوات معدودة، لا بقوة السلاح كما يزعم المؤرخون بل انصياعاً عن رضى وقبول برسل الدين الجديد.
هؤلاء القادة وتلك الجيوش كانت تعيش رسالة النبوة ويحدد خطاها مناقب عمر وأبي بكر وعثمان ويغمرها فيض عامر من حكمة علي كرم الله وجهه.
أنى لنا اليوم مثل هذه الجيوش ومثل هؤلاء القادة إيماناً وعدلاً ومحبة ورحمة وتسامحاً وصبراً وثباتاً وحزماً.
لو كان لنا كل ذلك لما كان يجسم على أرضنا العربية المقدسة الصليب فلسطين عدو عنصري غاشم يستبيح أعراضنا ودماءنا وينتهك حرمات مقدساتنا، الجولان موطئ أقدام جنوده وسيناء مسرح لفصائله وكتائبه والضفة الغربية ترزح تحت وطأة ظلمه وغدره وكنيسة القيامة والمسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي أصبحت أماكن عبث ولهو في رحابها يعيث الماجنون فساداً.
أجل نحن بحاجة إلى إعادة النظر في بنائنا الذاتي العقلي والروحي وإلى عملية نقد وتقييم ذاتية تعيد إلى بيوت العبادة جدتها وأصالتها وحقيقتها وبالتالي فاعليتها في المؤمنين.
في بيوت العبادة يتكامل بناؤنا الروحي ولكن هذه الروح لا تستطيع التملص من هذه الأرض التي خلقت عليها طالما يحتويها جسد يعوزه الغذاء واللباس والدواء والعلم ليظل هذا الجسد أداة صالحة سليمة في خدمة الروح لتعبد الخالق وتمجده بوعي ورضى واطمئنان.
هذا لا يعني مطلقاً القيام بعملية تطوير جذري في حقائق الدين كما يزعم البعض لأن الحقائق الدينية مطلقة ثابتة أزلية سرمدية ولكن ما هو غير مطلق وغير ثابت وغير أزلي وسرمدي بقاء هذه الحقائق محنطة في بطون الكتب وزوايا بيوت العبادة، وأن لا يستمر فعلها في النفوس والمجتمعات وإيجابية وأسلوب جديد ومعطيات جديدة متوافقة مع روح العصر ومعطيات العلم والتقنية، وهل أصح من العلم والتقنية للتدليل على وجود الخالق عز وجل وعلى قدرته الفائقة المتجسدة في العقل البشري محور الوجود وغايته.
في البدء وفي مراحل معينة كانت بيوت العبادة مصدراً للإيمان والعلم والمعرفة ضمن إطار زمني معين ذي محتوى اقتصادي وفكري وحضاري محدد وتمكنت هذه البيوت المقدسة من تكوين الشخصية المؤمنة في حدود هذا الإطار ومن محتواه بفضل ما أوتيت من قدرة مستمدة من الحق، أما اليوم وقد اتسع الإطار الزمني وتبدل محتواه فالضرورة الإيمانية والروحية والاجتماعية تقضي بأن تنفتح بيوت العبادة لتحتوي امتداد هذا الإطار الجديد الذي في مداه والإفادة من محتواه الفكري والاقتصادي والحضاري في خدمة الإيمان وخدمة الإنسان ككل متكامل بأسلوب جديد وذهنية جديدة.
بمثل هذه التطلعات الشاملة الواسعة العميقة يجب أن نقبل على بناء المساجد والكنائس متوخين بناء الإنسان الجديد المؤمن بالله، المؤمن بالعلم، المؤمن بإنسانيته وكرامتها ونبلها وشرفها، المؤمن بالعدالة الاجتماعية، المؤمن بالأخوة بالحائلة البشرية الكبرى فتتولى المساجد والكنائس صياغة النفوس وهندسة الأرواح وبلورة الحقائق وصقل العقول وصناعة الأبطال وقيادة الشعوب وتوحيدها تحت راية العدالة الاجتماعية والمحبة الشاملة والوطنية الصادقة.
وهكذا تستعيد هذه الأماكن المقدسة دورها الفعال بأسلوب فعال في إطارنا الزمني الحديث ضمن محتواه الاقتصادي والفكري الجديد، وإن ذاك نخرج من بيوت الصلاة كما خرجنا في الأمس مؤتلفة قلوبنا موحدة أهدافنا، سلاحنا الإيمان ومنجزات العلم والتقنية، وإذ ذاك نستعيد أرض فلسطين السليب ونحتل المكان اللائق بنا تحت الشمس فنفي الأمة العربية بما عاهدت عليه العملاق الخالد الرئيس جمال عبد الناصر.
هذه هي تطلعات الجيل الجديد المشكوك بإيمانه المتهم بعقيدته ظلماً وبهتاناً يرى كل شيء تطور وتحول وتبدل من حوله ويريدونه وهو الذي يعيش في عصر عابرات القارات أن يرى الوجود من خلال حدقاتهم وأن يتخلى عن ذاته ليحيا في ذات الغير التي تجاوزها الزمن، أنا لا أشك بإيمان الأجيال الطالعة إنما أدعو المؤسسات الدينية إلى الإفادة من طاقات الشباب الهادرة وما تحمله من خير للإنسانية وأن تتجاوب هذه المؤسسات مع معطيات العصر الحديثة ومتطلبات الحياة العصرية كما تجاوبت في الأمس مع دعوة المغفور لهما الإمام محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وكما يمهد اليوم للتجاوب مع الحبرين الأعظمين يوحنا الثالث والعشرين وبولس السادس نتمنى بلسان أبناء الجيل الطالع على المؤسسات الدينية درس ظاهرات جيلنا ظاهرة ظاهرة بموضوعية وتجرد ومحبة على ضوء العلوم الاجتماعية والاقتصادية الحديثة فإنها ولا شك ستصل إلى ضالتها المنشودة في تحقيق ما يصبو إليه الشباب وإلى تأكيد دورها الديني الأصيل ولن تجد بينهم غير مؤمنين.
يجب أن يمتد احترام هذه المؤسسات وحبها إلى كل الذين يفكرون ويعملون بطريقة مغايرة لها إن في القضايا الاجتماعية والسياسية أو الدينية وبقدر ما تجتهد في تفهم نظرياتهم تفهماً داخلياً مطبوعاً
بالحب والتودد يسهل حينئذ الحوار معهم أنه هو الحب نفسه الذي دفع بالرسل والأنبياء ليشروا جميع الناس بالحقيقة التي تحمل الخلاص، لِتقأومن هذه المؤسسات بقوة وفعالية كل نوع من الاستعباد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والفكري والثقافي ولتساعدن على تأمين العلم والعمل والعناية الصحية كي تؤمن للإنسانية الشباب السليم والمؤمنين الأتقياء والمصلين الورعين والمواطنين الصالحين الوفيين لمجتمعهم ووطنهم ودولتهم.
بهذه الذهنية الجديدة ندعو إلى المزيد من بناء بيوت العبادة ونحث أصحاب المروءات على المزيد من البذل والعطاء والتبرع ليكتمل بناء مسجد داعل ولكي نشيد كل عام مسجداً وكنيسة فوق كل رابية من روابي هذا الجبل الأشم.
وما هو جدير بالذكر في هذا المجال وحري بالإشارة إليه أننا نتوسم الخير كل الخير في عهد فخامة الرئيس سليمان فرنجية الذي بدأت تباشير الأمل في عهده تدل بوضوح على رغبته الصادقة الأكيدة بتحقيق مطالب الشباب من فرض هيئة الأمن إلى تحقيق الضمان الصحي إلى تخفيض أسعار الأدوية إلى تحقيق التجمع المدرسي، ويعلم الله ما يحمل ضمير هذا الرجل الكبير من مشاريع الخير والنماء لأبناء هذا الوطن الحبيب.
وقبل أن أغادر هذه المنصة أتبرع بكل ما أملك وهو مبلغ ٥٠ ل ل آملاً أن يتجاوزني الخير بدفع بعض ما يملكون.
عشتم وعاش لبنان والسلام عليكم




