إذا أخذنا التصريحات الإسرائيلية والأمريكية في الأيام الأخيرة مع مجمل مسار الحرب منذ بدايتها، سنحصل على أساس قوي للقول إن إسرائيل أصبحت جادة في هدف إسقاط النظام الإيراني، بينما الموقف الأمريكي مختلف قليلا: واشنطن تريد إضعاف النظام إلى درجة كبيرة، مع توقعات بسقوطه.
تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخير، في 2 سبتمبر، أن كل الأجهزة والأنظمة الإسرائيلية تعمل بتوجيهه من أجل إسقاط النظام الإيراني، ليس تلميحا أو قراءة صحفية، بل تصريح مباشر من رئيس الحكومة.
تحليلات أمريكية سبقت اندلاع الحرب أشارت إلى أن إسرائيل كانت ترى إسقاط النظام في طهران كهدف استراتيجي، وليس مجرد تدمير البرنامج النووي.
أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فقد استخدم في بداية الحرب لغة شديدة الوضوح تجاه تغيير النظام، ودعا الإيرانيين إلى “الاستيلاء” على الحكومة. ثم تراجع لاحقا وقال إنه لا يهتم بتغيير النظام.
لكنه عاد الأربعاء الماضي ودعا الإيرانيين للخروج إلى الشوارع، وتساءل: متى سيقوم الشعب الإيراني ويناضل؟ كما قال إن الاقتصاد الإيراني ينهار وإن الولايات المتحدة تملك الآن وضعا قويا بسبب السيطرة على مضيق هرمز. فهناك عقوبات وحصار نفطي أديا إلى انخفاض صادرات النفط الإيرانية بشدة، وهبوط الريال، وهو ما يزيد احتمالات الاضطرابات الداخلية.
إذن واشنطن لا تكتفي بضرب القدرات العسكرية الإيرانية، بل تضغط على قدرة النظام على الاستمرار اقتصاديا، على الرغم من أن هذا لا يعني بالضرورة قرارا أمريكيا بإسقاط النظام. لذا يبدو المشهد الراهن أقرب إلى وجود “استراتيجية” أمريكية إسرائيلية “غير مباشرة” لتغيير النظام حتى لو لم تستخدم واشنطن رسميا عبارة “تغيير النظام”.
وحسب المحللين فإن السيناريو الحالي الذي يبدو أن واشنطن وتل أبيب تراهنان عليه عبارة عن مجموعة أهداف صعبة، تتمثل في: القصف، والإنهيار اقتصادي، والإحتجاجات الشعبية، وانشقاقات داخل مؤسسات الدولة، ثم سقوط القيادة وظهور نظام بديل.
وكان خبراء أمريكيون حذروا منذ بداية الحرب من أن تغيير النظام يحتاج إلى “تحوّل سياسي داخلي” وليس مجرد حملة جوية. لذا ظهور أربعة مؤشرات جديدة قد يساهم في تحقيق هذا التحوّل، وهذه المؤشرات هي: تأكيد إسرائيلي صريح على إسقاط النظام، دعوة ترامب الإيرانيين على الانتفاض، تصاعد الحصار والضغط الاقتصادي، استمرار الهجمات العسكرية الأمريكية.
بعبارة أخرى، المعركة اليوم ليست فقط بين إسرائيل وأمريكا وإيران، بل أصبحت إلى حد أكبر معركة على تماسك الدولة الإيرانية من الداخل. لذلك رأينا تغيّرا في تصريحات نتنياهو وترامب، وتسارعا في انهيار الاقتصاد الإيراني، وتأكيدات من مسؤولين إيرانيين على أن العقوبات الأمريكية “مؤذية”.
فقد صرّح مسؤول إيراني لـ”رويترز” أن العقوبات تدفع الوسطاء للتراجع عن شراء النفط على الناقلات، وأن جهود عزل إيران عن شبكات التمويل باتت تشكل تهديدا حقيقيا، كما أشار إلى أنه لم يتبق سوى القليل من القنوات لتأمين العملات الأجنبية وشراء السلع.
وتشير البيانات الرسمية الإيرانية إلى أن متوسط التضخم خلال الاثني عشر شهرا الماضية بلغ 69.9% مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمشروبات والتبغ بمعدل يقارب مثلي هذا الرقم، وأن متوسط الراتب الشهري البالغ نحو 125 دولارا لا يكفي لتغطية احتياجات الإنفاق الأساسية للأسرة التي تقدر بنحو 450 دولارا شهريا وفقا للبيانات الرسمية.
لذا يبدو أن الجمهورية الإسلامية، وفق مراقبين كُثُر، دخلت أخطر مرحلة وجودية منذ قيامها، لوجود علامات انهيار قوية جدا، يقابلها عامل واحد قادر على إنقاذ النظام، وهو “تماسك الأجهزة الأمنية والحرس الثوري”.
وحسب محللين استراتيجيين فإن الاقتصاد وحده لن يتمكن من إسقاط النظام، كما أن الحرب وحدها لن تسقطه، وكذلك الاحتجاجات وحدها ربما لا تسقطه. فالسقوط يصبح واردا وبقوة عندما تجتمع الثلاثة مع انقسام داخل الحرس الثوري والأجهزة الأمنية.
إن مفتاح بقاء الجمهورية الإسلامية يعتمد في النهاية على قدرة واستعداد أجهزتها الأمنية لاستخدام القوة ضد الداخل. فهذا العامل أهم من انهيار العملة أو المظاهرات. فالنظام قادر على الاستمرار في السلطة في ظل انهيار الريال وارتفاع التضخم وخروج مئات آلاف بل ملايين المتظاهرين، وحتى في ظل قصف أمريكي إسرائيلي. لكن حينما ترفض جماعات وقوى داخل الحرس الثوري قمع المتظاهرين، هنا تكون علامة انهيار النظام مرتفعة جدا.
فحينما يقول جزء من الحرس الثوري: “سنحمي الجمهورية الإسلامية”، وجزء آخر يقول: “لن نطلق النار على الشعب”، ثم تتحرك ضد بعضها، سيكون “الانشقاق” هو المتوقع، وهو ما يخشاه النظام أكثر من أي تهديد آخر.
إن المشكلة الأساسية التي تواجه التغيير في إيران ليست قدرة الإيرانيين على الاحتجاج، بل قدرة النظام على الحفاظ على جهاز قمع متماسك. فغياب الانشقاقات الأمنية الواسعة كان أحد الأسباب التي جعلت التنبؤ بالسقوط المبكر صعبا. كما أن النظام دخل في مواجهات شرسة عديدة مع الشعب واستطاع، بتماسك جهازه الأمني والقمعي، أن يَهزم الاحتجاجات الشعبية التي وصلت إلى ملايين المحتجين.
