لأن الطبيعة لا تعرف الفراغ، ولأن لبنان مقبل على فراغ سياسي وأمني وفي بعض جوانبه مالي واجتماعي، يبرز الى الواجهة سؤال ربما آن الأوآن للإجابة عنه.
منذ ما قبل اندلاع الحرب الاهلية، والساحة السياسية اللبنانية محتلة ومُصادَرٌ قرارُها السياسي والامني! بداية المصادرة كانت مع “ابو عمار” ومنظمة التحرير الفلسطينية، وإن كانت جزئية نسبيا، وادت الى اندلاع الحرب في وجه المنظمة، من اجل استعادة السيادة اللبنانية، ولكن على يد ميليشيات مسيحية وليس عبر القوى الشرعية اللبنانية. وبعد إخراج منظمة التحرير من لبنان، عام 1982، كان القرار اللبناني رهنا بالتجاذبات الاقليمية، بين اسرائيل وسوريا مع ارجحية تامة لسلطة ما كان يُسمّى “الوصاية” والاحتلال السوري، الذي كان يتدخل في كل شاردة وواردة في البلد، وصولا الى تعيين رؤساء للجمهورية وفرض التمديد ليعضهم، الى رؤساء الحكومات والوزراء، الذين سمّي بعضهم بـ”الثوابت” و”الودائع”. ومع انسحاب الجيش السوري، انتقلت المصادرة الى الجانب الايراني عبر وكيله اللبناني “حزب الله”، فمارس الحزب ما كانت تمارسه سلطات “الوصاية” السورية.
اليوم، ومع بداية أفول النفوذ الايراني في الاقليم، ومع تراجع الاحلام الطائفية لكل الطوائف اللبنانية التي اعتمدت الاستقواء بالخارج لفرض نفوذها وهيمنتها على اللبنانيين، يبدو السؤال ملحاً، من هي الجهة التي ستملأ الفراغ الذي سيخلفه انسحاب النفوذ الايراني من لبنان؟
في قراة المشهد السياسي اللبناني اين تصطف القوى السياسية المؤهلة نظريا للحلول مكان الايرانيين و”حزب الله”.
في الجانب المسيحي، تنشغل القيادات المسيحية في مناكفاتها اليومية والتي لم تنته فصولا منذ بروز ظاهرة “الجنرال عون”. والسجال السياسي بين القوتين المسيحيتين الكبيرتين لا يعدو كونه سجالا اصبح خارج السياق العام للسياسة ويصيب بالملل، بعد ان عجز كل من الفريقين عن التقدم بالبلاد خطوة واحدة الى الامام، من دون البحث عن الاسباب التخفيفية لهذا الفريق او ذاك. فما يبدو واضحا ان كلا الفريقين لا يملكان القدرة على اجتراح مبادرات انقاذية تساهم في اعادة عقارب بوصلة السياسة الى مكانها الطبيعي، علما ان اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصا لم يعودوا مهتمين “ـبسجال الكهرباء والفيول وتغييب وزير الخارجية، و:بييي اقوى من بيّك” بعد ما كانوا بـ”أوعا خيك”.
في الجانب السنّي، التخبط واضح، بعد العجز في ايجاد قيادات سنية تملأ الفراغ الذي تركه اعتزال الرئيس الحريري وتيار المستقبل العمل السياسي. وعلى الرغم من التراجع النسبي لزخم التأييد الشعبي لتيار المستقبل والحريرية عموما، فإن كل مبادرات ما يسمى قيادات سنية تطمح الى لعب دور سياسي لا تخرج عن كونها ردود افعال على سياسات الحريرية، ما يفقدها بريقها وزخمها قبل ان تنطلق. لانه في الوجدان اللبناني لم يعرف اللبنانيون رخاءا اقتصاديا ولا حيوية سياسية إلا في زمن الحريرية.
في الجانب الشيعي، سيدخل الشيعة مرحلة الاحباط اسوة بما حل بالمسيحيين والدروز والسنة، بعد افول نجم “حزب الله” ومعه حركة “أمل”، خصوصا ان ما عرف بـ “الثنائي” مارس كل انواع القهر والاضطهاد على الشيعة المعارضين ولم يسمح للطائفة بتجديد نخبها من خارج “الثنائي”، بالترهيب والاغتيالات، والاغراءات المالية، وصرف نفوذ وفائض القوة في ادارات الدولة وعلى سائر اللبنانيين.
في الجانب الدرزي، يقف الزعيم الاقوى للدروز وليد جنبلاط، حائرا بين تجاذبات السياسة المحلية، والاقليمية، ونصب عينيه مصلحة الدروز في لبنان والاقليم، والمصلحة الوطنية اللبنانية، حيث يمثل لبنان المجأ الاول والاخير للدروز. ولأن جنبلاط لا يرى في اي فريق سياسي حالي شريكا او حليفا، فقد بحث في دفاتره القديمة، فلم يجد سوى رئيس حركة “أمل”، نبيه بري، في استعادة للحلف المزمن بينهما، بعد ان فقد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومن بعده نجله سعد، وما بينهما شريك مصلحة الجبل المثلث الرحمات البطريرك صفير.
يبقى ان مشروع الدولة، هو المؤهل لملء الفراغ، طبيعيا، وهذا يطرح اسئلة بدوره.
تقدم مشروع الدولة في لبنان يعني بمعنى ما الغاء السياسة، ولكن هل يجب ان تلغى السياسة من البلاد؟ وبطريقة ثانية، هل الشعب اللبناني في حاجة الى سياسة؟ بعد كل ما مرّ به من تجارب ونتائج وعواقب لممارسة السياسة على الطريقة اللبنانية؟
هل للدولة مشروع لملء الفراغ الايراني؟ للانصاف، قطع الرئيسان عون وسلام حواجز كانت بمثابة خطوط حمراء، لم يجرؤ قبلهما اي رئيس على تخطيها، خصوصا لجهة التفاوض المباشر مع اسرائيل، بهدف الغاء حال العداء بين البلدين، وقرار حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وهو قرار لم يتخذ منذ أن دخل مفاتلو منظمة التحرير الفلسطينية الى لبنان في عام 1967.
هل هذا يكفي لملء الفراغ الايراني؟ قطعا لا، هناك حاجة ماسة الى إجراء اصلاحات اقتصادية ومالية وبسرعة قياسية، حيث الى اليوم ما زال المال “الكاش” يتدفق الى حزب الله، وسط عجز الدولة عن تأمين ابسط المقومات الاقتصادية لعيش كريم للبنانيين، فإذا كانت الحكومة غير قادرة على زيادة نسبة النمو الاقتصادي في فترة الحرب، اليست قادرة على لجم ارتفاع الاسعار؟ او الاقساط المدرسية؟ على سبيل المثال لا الحصر؟
اذا كانت الحكومة عاجزة عن اعادة اموال المودعين الى اصحابها، هل هي عاجزة ايضا عن إجراء اصلاحات وتدقيقات جنائية في ممارسات القطاع المصرفي، والمالي، لوقف النزيف في حسابات المودعين؟ وتاليا جدولة اعادة هذه الحقوق الى اصحابها وهم على قيد الحياة؟
اذا كانت الحكومة عاجزة عن اجراء الامتحانات الرسمية للطلاب في مواعيدها، هل هي عاجزة عن تحديث البرامج التربوية التي مر عليها زمن لجعلها اكثر عصرية ورقمية وتتماشى مع متطلبات سوق العمل والذكاء الاصطناعي؟
اذا كانت الحكومة عاجزة عن تأمين الاستشفاء لجميع اللبنانيين بما يحفظ كرامتهم، هل هي ايضا تعجز عن وضع سياسة صحية تخفف اعباء الاستشفاء على ذوي الدخل المحدود ومن هم خارج نطاق التغطية الصحية؟
هذا غيض من فيض من ورشة عمل انقاذية يجب ان تضطلع بها الدولة اليوم قبل الغد، من اجل ان تكون جاهزة لملء الفراغ الذي سيحث في اعقاب تدحرج النفوذ الايراني خارج البلاد.
فهل ستبدأ هذه الورشة ام ان هناك من سيملأ فراغ ايران في ايران، ربما سوريا، وربما اسرائيل، وربما الاثنان معا.
