بين الولايات المتحدة وإيران بشأن مضيق هرمز، تواصل سلطنة عُمان التعويل على الحوار لتجنب مزيد من التصعيد.
ترجمة “الشفاف”
المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران حول مضيق هرمز تضع سلطنة عُمان أمام ضغوط متناقضة من الطرفين المتحاربين. فقد رفض دونالد ترامب الوساطة العُمانية مع إيران، وهي وساطة كانت واعدة، مفضّلًا شنّ هجوم منسّق مع إسرائيل في 28 فبراير ضد نظام آيات الله. بل إن الرئيس الأمريكي هدّد، في 27 مايو، بـ«سحق» عُمان، التي لم يعد يحتمل حيادَها في النزاع الدائر.
لكن مسقط تقاوم أيضًا ضغوط طهران، التي تريد إرغامها على التعاون في نظام غير مسبوق لفرض رسوم عبور في المضيق. ويمكن للسلطان العُماني هيثم بن طارق أن يعتمد على دعم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي استقبله في باريس في 29 يونيو. وتعهد رئيسا الدولتين آنذاك بالعمل من أجل «ملاحة حرة، من دون قيود أو شروط أو عوائق» في مضيق هرمز.
وتختبر الأزمة الأمريكية ـ الإيرانية الأولوية التي تمنحها عُمان للدبلوماسية على حساب السلاح من أجل ضمان أمنها. وتحمل هذه المقاربة الاستراتيجية بَصمةَ السلطان قابوس بن سعيد، الذي انتهى حكمه، الممتد لنصف قرن من عام 1970 إلى عام 2020، بعدد من الوساطات الناجحة بين إيران والولايات المتحدة، وبين قطر والإمارات العربية المتحدة، وبين المملكة العربية السعودية وإيران، وكذلك بين مختلف أطراف النزاع اليمني.
ظلّ السلطان قابوس
من خلال تفضيله التفاوض على القوة الغاشمة، كان الحاكم العُماني يراهن على ديناميكية إيجابية، من شأنها أن يؤدي فيها تهدئة التوترات الإقليمية إلى تعزيز استقرار بلاده. وكان السلطان يتمتع، علاوةً على ذلك، بهامش واسع لاتباع السياسة التي يختارها، إذ كان يشغل في الوقت نفسه منصب رئيس الوزراء ووزير الخارجية ووزير الدفاع.
كان ذلك التركّز الكبير للسلطات يثير المخاوف في حال وفاة سلطان لم يكن له وريث رسمي. لكن، عند وفاة السلطان قابوس عام 2020، تبيّن أنه عيّن في وصيته أحد أبناء عمومته خلفًا له، وهو السلطان هيثم الحالي. وكانت عملية الانتقال سلسة إلى حد كبير، إذ تعهّد العاهل الجديد منذ البداية بمواصلة سياسة خارجية تقوم على «التعايش السلمي» و**«عدم التدخل».
أما الدستور العُماني، فقد عُدّل في عام 2021 لاستحداث منصب ولي العهد، وبالتالي وضع حدّ لأي غموض بشأن مسألة الخلافة في المستقبل. ويشغل الابن الأكبر للسلطان، “ذي يزن بن هيثم”، منصب ولي العهد الرسمي. وقد تلقّى تعليمه، مثل والده، في جامعة أكسفورد، وعمل دبلوماسيًا لمدة سبع سنوات، متنقلًا بين مسقط ولندن، قبل أن يُرقّى في عام 2020 إلى منصب وزير الثقافة.
التحول الإسرائيلي
لا تزال عملية صنع القرار في عُمان خاضعة لسيطرة وثيقة من جانب الأسرة الحاكمة. فالسلطان هيثم لا يزال رئيسًا للحكومة ووزيرًا للدفاع. كما أن اثنين من نواب رئيس الوزراء هما من إخوته، أحدهما مكلّف بالتعاون الدولي، والآخر بالشؤون العسكرية. وقد عيّن مؤخرًا ابنه وولي عهده نائبًا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية.
في المقابل، عيّن منذ عام 2020 وزيرًا كامل الصلاحيات للشؤون الخارجية، وهو منصب كان السلطان قابوس قد احتكره طوال العقود الخمسة التي أمضاها في الحكم. وقد أُسندت هذه الحقيبة الحساسة إلى “بدر البوسعيدي”، وهو دبلوماسي مخضرم كان والده مستشارًا مقرّبًا جدًا من السلطان السابق.
وكان الوزير البوسعيدي هو الذي قاد الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، أولًا في ربيع عام 2025، بين مسقط وروما، ثم في فبراير 2026، بين مسقط وجنيف. ولا يخفي مرارته إزاء انهيار جهوده بسبب شنّ الهجوم الإسرائيلي ــ الأميركي على إيران. وقد أعرب علنًا عن قلقه من أن الولايات المتحدة «تفقد السيطرة على سياستها الخارجية». ويقترح الآن وضع «هندسة أمنية» للخليج الفارسي من خلال الحوار بين إيران والعراق والدول العربية الست الواقعة على الضفة الجنوبية للخليج. وينبغي لمثل ذلك التفاهم الإقليمي أن يعارض صراحةً التهديدات الناجمة عن «قرارات تُتخذ خارج الخليج، وقبل كل شيء في تل أبيب».
إن خيار التشاور والمراهنة على حسن الجوار يتوافقان مع التوجهات الأساسية للدبلوماسية العُمانية. لكن إسرائيل باتت تُعتبر في عُمان مصدرًا رئيسيًا لزعزعة الاستقرار، وينبغي تحييد قدرتها على إحداث الضرر. وهذه قطيعة واضحة هذه المرة مع قرار السلطان قابوس استقبال بنيامين نتنياهو في مسقط عام 2018، أي قبل عامين من اتفاقات أبراهام لتطبيع العلاقات الإسرائيلية ــ العربية.
ومع أن تلك القطيعة عبّر عنها الوزير المعني بدلًا من السلطان نفسه، فإنها تذكّر بأن حياد عُمان له حدود. ولا سيما أن الرئيس الأميركي جدّد في 17 أغسطس تهديداته بـ «قصف» عُمان إذا عرقلت السلطنة التوصل إلى اتفاق بشأن مضيق هرمز.
أستاذ جامعي في معهد الدراسات السياسية في باريس (Sciences Po)
