تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 20 أغسطس يحمل معنى أوسع بكثير من مجرد تشديد العقوبات على إيران. فهو أعلن ما أسماه “حرباً اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق”، وهدّد ليس إيران فقط، بل أيضا الدول والشركات والبنوك التي تمنحها منفذا اقتصاديا.
وأعلن وزير الخزانة الأمريكي “سكوت بيسينت” أنه سيكشف عن الإجراءات الجديدة خلال مؤتمر صحفي مقرر يوم الاثنين 24 أغسطس.
يمكن تقسيم “حرب ترامب الاقتصادية” إلى:
▪︎خنق صادرات النفط الإيرانية.
▪︎قطع وصول إيران إلى النظام المالي العالمي. أي استهداف البنوك التي تحوّل الأموال إلى إيران أو منها، كذلك منع المؤسسات المالية الأجنبية من التعامل مع إيران تحت تهديد العقوبات الأمريكية.
▪︎استهداف البنية التحتية التي تسمح لإيران بالتجارة.
▪︎قد تمتد العقوبات إلى النقل والتأمين والخدمات اللوجستية والموانئ.
▪︎الأخطر في هذه العقوبات أن ترامب لا يقول فقط “سأعاقب إيران”، بل يهدّد الدول الأخرى أيضا. فإذا تعامل بنك صيني أو شركة هندية أو خليجية مع إيران، فقد تتعرض هي نفسها لعقوبات أمريكية. وهذا تحديدا ما يجعل الأمر أقرب إلى حصار اقتصادي دولي.
وتشير التصريحات الأمريكية أن الغاية ليست فقط إضعاف الاقتصاد الإيراني، وإنما استخدام الانهيار أو الاختناق الاقتصادي لإجبار القيادة الإيرانية على تقديم تنازلات كبيرة. وقال بيسينت إن تشديد العقوبات يستهدف الضغط باتجاه انهيار نظام الحكم.
ورغم التصعيد الأمريكي هذا، إلا أن إيران يبدو ليست معزولة تماما. فهي لديها علاقات اقتصادية مع الصين وروسيا وتركيا ودول أخرى. ولذلك فإن نجاح خطة العقوبات الجديدة يتوقف بدرجة كبيرة على سؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة إجبار الصين وغيرها على الاختيار بين السوق والنظام المالي الأمريكي وبين الاستمرار في التعامل مع إيران؟
إذا استطاعت واشنطن أن تُنجح خطتها، فإن الضغط على إيران سيكون هائلا.
أشارت “رويترز” إلى أن شركاء إيران التجاريين سيكونون في قلب المواجهة. وقد تضطر البنوك والشركات والموانئ وشركات الشحن والتأمين في الخليج إلى التدقيق في أي تعامل مع إيران خوفا من العقوبات الأمريكية. وفي المقابل، فإن تشديد الخناق قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة مخاطر الملاحة والطاقة في الخليج. وقد قفزت أسعار النفط بالفعل بعد إعلان ترامب الأخير.
لذا، السؤال الأكثر أهمية الآن هو: هل يستطيع ترامب تنفيذ خطته، خصوصا إذا رفضت الصين التعاون معه؟ باعتبار أنّ هذا هو العامل الأساسي الذي سيحدد ما إذا كانت “الحرب الاقتصادية” مجرد تهديد تفاوضي أم بداية حصار اقتصادي حقيقي.
أمّا السؤال الآخر المعني هنا هو: من الذي سيتحمل تبعات هذه الحرب أكثر، هل هو النظام أم الشعب؟
إذا استمرت الخطة الأمريكية، فالشعب الإيراني سيتحمل الضربة الاقتصادية المباشرة والأسرع، لكن النظام سيتحمل الضربة السياسية والمالية على المدى المتوسط. والفرق بين الاثنين مهم جدا.
ففي البداية سيكون الشعب هو الخاسر الأكبر. فالعقوبات لا تصل إلى النظام بصورة مباشرة فقط، فهي تمر عبر الاقتصاد كله، كانخفاض صادرات النفط، ونقص العملة الصعبة، وتراجع العملة المحلية، وارتفاع أسعار الاستيراد، والتضخم، وانخفاض القوة الشرائية.
والتقارير تتحدث اليوم عن تضخم يقترب من 70% وانكماش اقتصادي يتجاوز 5%، مع عائلات إيرانية أصبحت عاجزة عن شراء بعض المواد الأساسية. وكلما نجحت العقوبات في خفض دخل الدولة، فإن جزءا كبيرا من تكلفة ذلك سيؤثر سلبا على المواطن.
لكن النظام لديه وسائل لحماية نفسه. بدءا من أن إيران ليست دولة ديمقراطية تحتاج في قراراتها إلى تأييد المواطنين ورضاهم، مرورا بإعطاء الأولوية للدولار والوقود والسلع الأساسية للمؤسسات التي يعتبرها استراتيجية، وتوجيه موارد الدولة والحرس الثوري والأجهزة الأمنية، واستخدام شبكات التهريب والسوق السوداء، وانتهاء ببيع النفط عبر وسطاء وشركات، والاعتماد على الصين وشبكات مالية وتجارية بديلة.
والولايات المتحدة تعرف بالضبط هذه المسألة. فإيران استطاعت طوال سنوات تطوير طرق للالتفاف على العقوبات. لذلك تركز واشنطن الآن على الشبكات التي تبيع النفط وتحرك الأموال بدل الاكتفاء بالعقوبات التقليدية.
ويشير سيناريو التوقعات، أنّ الأزمة الاقتصادية قد تصبح شديدة بحيث يرفع المواطن من وتيرة اعتراضاته وتتحول الأزمة إلى احتجاجات واسعة وضغط سياسي على النظام. أو أنْ يغذي النظام سردية “نحن في حرب مع أمريكا وإسرائيل، وأي اضطراب داخلي يخدم العدو”، فتتحول الأزمة إلى التفاف حول النظام مع تشديد القمع ضد أي حركة احتجاج.
إن الصين تستورد أكثر من 80% من النفط الإيراني المُصدّر وفق تقرير لـ”رويترز”، لذلك فإن نجاح واشنطن في تعطيل هذا المسار سيضرب المصدر الأساسي للعملة الصعبة لدى طهران.
حينها سيصل الضغط إلى مرحلة قد يضطر فيها النظام إلى الاختيار بين تقليص الإنفاق الداخلي والذي سيؤدي إلى غضب شعبي، أو تقليص تمويل مؤسسات القوة وسيؤدي ذلك إلى غضب داخل النخبة والأجهزة، أو الموافقة على تسوية مع واشنطن. لذلك، يعتقد المراقبون أن الحرب الاقتصادية هي أخطر على النظام من مجرد انخفاض مستوى معيشة الإيرانيين.
