(الصورة: “مُرَشَّحنا” لرئاسة الجمهورية “المحتلة”)
عادت جوقات رياض سلامة إلى الساحة من جديد، لا لِتُرَوِّج، انتبهوا، لبراءة الرجل، فذلك بات، في نظرها، أمراً يتجاوز حدود المعقول! بل لِتُرَوِّج لفكرة أنه يتعرض لمعاملة غير عادلة. ليس من ميليشيا كانت تحميه حتى آخر يوم له في منصبه، ولا من مافيا المال التي لا تزال على صلة به، ولا من غوغاء، أو من مجموعة من المودعين الذين قد لا يخفون رغبتهم في الاقتصاص منه، بل من القضاء!
ذلك القضاء نفسه الذي أمضى سنوات يسخر منه، ويستخف به، ويزدريه، ويعامل مؤسساته باحتقار. وربما لم يعد الأمر كذلك اليوم بعدما تبدّل المناخ السياسي في البلاد، ووصل إلى قصر بعبدا رئيس لا يرقى الشك إلى نزاهته، وإلى السراي رئيس حكومة لا تُمسّ استقامته، وتسلّم مصرف لبنان حاكم لا تربطه أي تضارب مصالح بأحد، فيما يتولى النيابة العامة التمييزية مدعٍ عام لا يدين إلا لمنصبه وقسمه.
بدأت فصول حكاية «المريض الوهمي» مع إقامته السابقة في مصحّ بحنّس، حيث وجد طبيباً متفهماً، كان، فيما يفحصه، يفتح هاتفه الـ«آيفون» ــ هاتف الطبيب لا هاتف المريض ــ ليتصل بمدوّن يقيم في واشنطن، يتولى نقل رسائل الحاكم السابق إلى العالم: توقيفه غير قانوني، واحتجازه غير إنساني، وصحته تتدهور، وهو على شفير الموت. ومنذ زمن طويل وهو «على شفير الموت»، فيما كانت، في المقابل، صدقية مصرف لبنان تتعرض لضربة قاتلة، والودائع ترقد في غيبوبة منذ ست سنوات متواصلة، والدولة، بفعل مديونيتها المتراكمة وسخاء الحكومات السابقة، تتحول إلى دولة متسوّلة لا يبدو أن أحداً يبالي بها سوى حفّاري قبور صندوق النقد الدولي… إن كانوا يبذلون عناء الاهتمام أصلاً.

ثم، وبعد الإفراج عنه لقاء كفالة نقدية بلغت أربعة عشر مليون دولار، وهي من أعلى الكفالات التي عرفها القضاء اللبناني، وجد نفسه في مواجهة موجة جديدة من الدعاوى، وهذه المرة تقدّم بها مصرف لبنان بتهمة الإثراء غير المشروع. وبعد اثنتين وسبعين ساعة فقط من تقديم هذه الدعاوى، بدأت الحملة على الحاكم الحالي. انطلقت عبر شاشات التلفزة أولاً، ثم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما منصة «إكس» وغيرها، ثم عبر «يوتيوب»، حيث دخل الجميع على الخط بحماسة متجددة. فأصبح الحاكم الجديد، تارة، وكيلاً للصرافين غير الشرعيين، وتارة أخرى حليفاً لـ«حزب الله»، ثم تابعاً للرئيس ماكرون، ثم شريكاً لشركة CMA-CGM في صفقة بيع مرتقبة لطيران الشرق الأوسط، ثم شخصاً يفتقر إلى الخبرة وإلى أي رؤية نقدية واضحة، قبل أن تمتد الحملة إلى مسائل شخصية لا تمت بصلة إلى منصب الحاكم، ولا إلى مهمة مصرف لبنان، ولا حتى إلى الحقيقة.
ثم عاد رياض سلامة ليقع مرة أخرى في شبكة الإجراءات القانونية التي نسجها مصرف لبنان. هذه المرة، ضيّق المصرف الخناق عليه، واستجوبه، وأحضره قسراً أمام القضاء ووضعه في عهدة الأجهزة الأمنية. وهنا انتقلت الرواية إلى مستوى جديد. فقد أصبح الخطاب يقول: ربما يكون رياض مذنباً، لكنه ليس الوحيد؛ فلماذا هو المسيحي الوحيد الذي يُلاحَق؟ ولماذا لا يُستدعى الآخرون؟ ولماذا لا يُحاسَب السياسيون الذين وفّروا له الغطاء؟ جميع هذه الأسئلة قد تكون مشروعة ــ باستثناء الادعاء بأنه المسيحي الوحيد الذي خالف القانون أو الذي يلاحقه القضاء ــ إلا أن مشروعية هذه الأسئلة لا تجعل الدعوى المقامة بحق سلامة غير مشروعة.
لذلك، يستطيع أن يستعين بكل ما يشاء من محطات تلفزيونية، ومدونين في الولايات المتحدة، وأطباء مأجورين، وصحافيين، وبكل ما يمكن لأمواله غير المشروعة، بحسب ما يُدّعى، أن تشتريه. غير أن الوقائع الأساسية ستبقى على حالها، وسيظل متهماً ــ لا مداناً بعد ــ بأنه أثرى نفسه بعشرات ملايين الدولارات، وربما بمئات الملايين، من أموال مصرف لبنان التي تعود في نهاية المطاف إلى المودعين. وكل من يختار الدفاع عنه رغم هذه الاتهامات الخطيرة، سيكون عليه أن يتعايش مستقبلاً ليس فقط مع حكم القضاء، بل أيضاً مع حكم الرأي العام.
أما مصرف لبنان، فهو مستعد للثبات وانتظار الحكم، لا لأنه واثق من النتيجة، بل لأنه واثق من مشروعية قضيته. فهل يتمتع المدافعون عن سلامة باليقين نفسه حيال قضيتهم، أم أنها مجرد قضية لمن يدفع أكثر؟
الأيام كفيلة بالإجابة…
ولننتظر ونرَ!

