الحديث عن العيش المشترك بين جماعات متعددة، متنوعة، ومختلفة لكل منها ثقافتها الخاصة، جميل. لكن هنالك أكثر من مشكلة. ما يلي هو بمثابة فتح نقاش.
« العيش المشترك » ليس ماركة لبنانية مسجلة
1ـ المباهاة بأن لبنان يتميز عن غيره بفكرة « العيش المشترك » ليست في محلها. عشرات الدول، وربما كل الدول، فيها « عيش مشترك ». مثلاً، سويسرا، الولايات المتحدة، كندا، ألمانيا، الخ. وحتى الدولة الأكثر مركزية تاريخياً، أي فرنسا « اليعقوبية »، تكرّس العيش المشترك. وطبعاً، كل « المجموعة الأوروبية » تشرّع العيش المشترك.
لا داعي، إذاً، للمباهاة المُبالِغة بأن لبنان اخترع العيش المشترك، إلا في حدود ضيّقة من نوع أن لبنان يتميّز عن بعض البلدان العربية بما يسمّى العيش المشترك.
لا « عيش مشترك » دون « سقف » الوطن
2 ـ لا يكفي شعار « العيش المشترك » إذا لم يكن تحت سقف « الوطنية اللبنانية ». ربما ليس ضرورياً ان ندخل في نقاش « القومية اللبنانية » القديم (لبنان عربي أم فينيقي أم.. اسنكندنافي)، ولكن شعار « الوطنية اللبنانية » هو الحدّ الأدنى الذي لا معنى لـ« العيش المشترك » بدونه. لثلاثة أسباب:
مع حزب الله « العيش المشترك » مستحيل
أولهما، أن ما يمثّله ما يُسمّى « حزب الله » ليس فقط اعتداء على « الحرية » و « العدالة » وحدهما في لبنان. فعلاوة على ذلك، كان أعضاء الحزب وأنصاره يقولون صراحةً، وما يزالون، أن « لبنان ليس بلداً ». بكلام آخر، « لبنان ليس وطنا ».
وهذا مغزى الفيديوهات التي ينشرها حزب الله لتظهر أن النازحين من الجنوب لا يعترفون بما يسمونه « دولة جوزيف عون ونواف سلام ». الحقيقة أن ما يريد الحزب إشهاره هو أنه لا يعترف بـ « دولة لبنان »!
والأسوأ، وربما هنا « بيت القصيد »، أن « حزب الله » جزء من « منظومة استعباد المرأة” التي تمتد من طهران الملالي إلى « داعش » التي « أسدلت الحجاب » على نساء إيران والعرب، و« استبعدت » (حرفياً) ألوف النساء الإيزيديات. على طريق مطار بيروت « الدولي »، كنا نشاهد يافطة « حجابك أغلى من دمي ».

وأخيراً، كيف تتعامل مقولة « العيش المشترك » مع حزبٍ « استدعى » (حرفياً) الإحتلال الإسرائيلي لـ6 بالمئة من أرض لبنان وتسبّب بتشريد مليون مواطن؟ وما زال حتى يومنا يضع يده على 70 بالمئة من ميزانية الدولة اللبنانية؟
الجَذر القومي العربي، والستاليني، والعشائري” لرفض “الدولة” في لبنان
ثانيهما، أن بقايا التيارات القومجية العربية، بمنوّعاتها، وبالخلفية الإسلامية لمعظمها، وحتى الخلفية العشائرية المحلية (الدرزية مثلاً ليس وحيداً)، تَستخدمُ حتى الآن تعبير « السُلطة » غالباً وتعبير « الدولة » نادراً جداً، إلا في مجال « التشهير بالدولة التي لا تقدّم « الخدمات » المطلوبة من المواطنين! وحتى حينما تستخدم تعبير « المنظومة الحاكمة » أو « المنظومة الطائفية »، فإنها تُخفي رفضاًً لفكرة « الدولة اللبنانية »! والأصل في ذلك هو الإيديولوجية القومجية (لبنان ليس بلداً ناجزاً بل « قُطر » ضمن « الأمة العربية”)، البعثية وتفرّعها (بما فيها « الإشتراكيات الستالينية » التي نبَتَت في بلدان العرب مثل الفِطر!).
وهذا، رغم « النقد الذاتي » للسادة « محسن ابراهيم » و « جورج حاوي » اللذين اعترفا بأن « الحركة الوطنية » حمّلت لبنان أكثر مما يحتمل، وأسهمت في تدميره. ورغم الإعتذار الفلسطيني القَيّم والرسمي من الشعب اللبناني.
وإذا أردنا أن نستطرد: يجوز التساؤل عن الجذور التاريخية، منذ أكثر من 1000 سنة، للكُره العربي لفكرة « الدولة »! ثم « زاد الطين بلّة »، كما يُقال، الدعوة الماركسية « الحديثة » لإسقاط « دولة » البورجوازية التي تلقفّها بحبور حُثالات البعثين السوري والعراقي، وجعفر النميري، ومعمّر القذافي، وبقية مخابرات المنطقة.. فأسقطوا معظم دول المنطقة.
وثالثهما، أن نقدَ ما يسمى « النظام الطائفي » في لبنان، الذي يُزعم أنه هو ما حالَ دون نشوء « فكرة المواطنة » يُخفي في الغالب نفس الرفض لـ « فكرة لبنان ». اللبنانيون يتمتعون بمساواة مطلقة أمام القانون، أبها السادة!
الحقيقة أن الحرية الواسعة التي أمّنها ما يسمّى « النظام الطائفي في لبنان » هي التي تسمح بانتقاده، مع أن كل النظم العربية، بدون استثناء، « طائفية » و « دينية » حتى العظم! فكّر فيها! (كلها « من المحيط إلى الخليج »).
انتشار فكرة « ما بينعاش معهن »
3ـ التركيز على شعار « العيش المشترك » وحدَهُ، أي قُبول « التنوّع » و « عدم التشابه » يتجاهل دقة المرحلة التي دخلها لبنان تحديداً بسبب حزب الله والنموذج الذي فرضه بالإرهاب، والإغتيالات، والدولار الإيراني، على المجتمع الشيعي:
في كل زياراتي للبنان هذا العام لاحظت شعاراً متداولاً بين مختلف الفئات والأحزاب، وليس المسيحية وحدها (حتى في أوساط الحزب « السوري » القومي الإجتماعي!) هو « ما بينعاش معهن »! بكلام آخر، لا يمكن العيش مع الشيعة اللبنانيين، خصوصاً الجنوبيين منهم.
هذه ظاهرة مستجدّة، ومتداولة، وهي بعض الأساس الذي تقوم عليه دعوات « الفيدرالية » و« الكونفدرالية » و « اللامركزية الإدارية ». ولم يعد ممكناً تجاهلها.
4ـ لكل ما سبق، ينبغي أن ينطلق مفهوم « العيش المشترك » من مفهوم « الوطنية اللبنانية ». وإلا سيكون تمهيداً لما لا يريده رافعو الشعار وهو « اللامركزية الإدارية » أو « الكونفدرالية » أو « الفيدرالية ».
« لبنان الكبير »، الذي نريده، سيقوم بسواعد كل اللبنانيين، ومع إسهام شيعي حاسم مطلوبٌ الآن، في هذه اللحظة التاريخية، وإلا فـ« الوطن الصغير » نفسه معرّض للخطر.
(ملاحظة على الهامش: من ذمّوا الدور المؤسّس للبطريرك الحويك، في احتفالية جرت قبل أيام، ألا يتناسون أن “مارونياً” آخر إسمه “بشارة الخوري” قاد معركة استقلال الوطن الذي يُزعَم أن الفرنسيين أسَسوه؟)
ما العمل؟
لا أعرف. وقد لا يملك لبنان الصغير، الذي يتذكّر بعد يومين تفجير مرفأ بيروت العظيمة، القدرة على حَسمِ خياراته بنفسه.
لكن، يمكن التفكير بـ« مؤتمر وطني لبناني » يعيد تأسيس ما صنعه « الآباء المؤسّسون » في أربعينات القرن الماضي، وما تطوّر مع « اتفاق الطائف ».
هذه إمكانية حقيقية لأن « فكرة لبنان » التي كانت ضعيفة حتى عهد الرئيس المحترم الياس سركيس باتت الآن الفكرة الغالبة في كل لبنان (هل يقبل مواطن واحد في « الأقضية الأربعة المسلوخة بفعل الإستعمار »، كما يقال، بمغادرة لبنان للإنضمام إلى سوريا؟)
أو يمكن أن تتطوّر الأمور عفوياً وروتينياً إلى حسمٍ عسكري محلي ودولي.
حتماً هنالك احتمالات أخرى، ولكن من المؤكد أنه لم يعد مسموحاً للبنانيين أن يؤجّلوا البحث عن الحلول، أو أن يكتفوا بالمجاملات.
كل العرب، في الخليج والمشرق والمغرب، يحسدون اللبنانيين على « لبنان »!
آن للبنانيين، وخصوصاً الجمهور الذي جّرَّهُ حزب الله إلى الدمار، وخذله، أن يستحقوا بلدهم.

