ثمة شيء يكاد يكون ميتافيزيقياً في الدور الذي تؤديه اللغة في لبنان.
لدينا وزيرٌ للمالية لا يتحدث الفرنسية. ويعتمد إلى حدٍّ كبير على مستشارٍ أول جاء من مصرف يحمل اسماً فرنسياً، لكنه هو أيضاً لا يتحدث الفرنسية. وكلاهما يُسرِّبُ المعلومات إلى صحافي لا يتحدث الفرنسية كذلك، ولكنه يكتب في آخر صحيفة فرنسية متبقية في لبنان. أما مصدرهم الخارجي الأساسي فهو فريق من صندوق النقد الدولي، لا يتحدث معظم أعضائه الفرنسية أيضاً.
ومع ذلك، يصرّ الجميع على أن تُنشر تلك التسريبات… بالفرنسية.
لماذا؟
إن لغز هذه اللغة لا يتعلق باللغة نفسها، بل بالجمهور الذي تُوجَّه إليه.
فهؤلاء جميعاً لا يملكون منفذاً حقيقياً إلى الصحافة الدولية. فلا حضور لهم في “فايننشال تايمز”، ولا في “ذي إيكونوميست”، ولا في “لوموند”، ولا في “وول ستريت جورنال”. عالمُهم الفكري محصور في دائرة ضيقة من التسريبات، والإشاعات، وصحافة تتراجع يوماً بعد يوم إلى مستوى الإثارة والاصفرار.
فلماذا إذاً الصحيفة الفرنسية؟
لأنها ما زالت آخر صحيفة أجنبية في لبنان تصل صباح كل يوم إلى مكاتب السفارات والقنصليات. إنها، في الواقع، محطة عبور دبلوماسية. فما إن يُنشر فيها مقال حتى يأمل أصحابه أن يقتطعه موظف سياسي كسول أو ملحق قنصلي، فيرفعه في تقرير إلى عاصمته باعتباره دليلاً على “ما يجري في لبنان”.
أما قراؤها الحقيقيون، فليسوا كثراً.
فمن جهة، هناك سيدات الأشرفية اللواتي يفتحن الصحيفة أولاً على صفحة الوفيات ليتحققن من أخبار الأقارب والأصدقاء والمعارف.
ومن جهة أخرى، هناك البعثات الدبلوماسية التي تبحث عن مصدر فرنسي جاهز وسهل، فتكتفي بإعادة تدوير ما تنشره في تقاريرها.
وهنا تكمن حقيقة جمهور هذه الصحيفة.
وما الذي يجمع الشخصيات الثلاث؟
وزير مالية يحلم بأن يصبح يوماً رئيساً لمجلس النواب.
ومستشار أول تبدو طموحاته بلا حدود: رئيساً للحكومة إن تيسّر الأمر، وزيراً إن تعذّر، مستشاراً إن اقتضت الحاجة، أو مديراً مؤقتاً لأي مؤسسة تقع في طريقه، من محل لبيع الفستق إلى مصرف تجاري.
وصحافي لا يبحث إلا عن أمر واحد: أن يؤخذ على محمل الجد. انتهت مسيرته المهنية على نحو لا يخلو من الجدل، وأصبح رأسماله الأساسي اليوم هو تلقي التسريبات بالعربية، ثم ترجمتها إلى الفرنسية، وتقديمها على أنها مادة ذات بعد دولي.
أما القاسم المشترك بينهم، فهو أسلوب العمل.
تسريب…
ولا شيء غير التسريب.
لا تحقيق.
لا تحليل.
لا تدقيق.
لا فهم.
مجرد نقلٍ للمعلومات، كما هي، دون قيمة مضافة.
وهوسهم المشترك هو مصرف لبنان.
أما هوسهم الأكبر، فهو حاكم مصرف لبنان.
والمفارقة أن هذا الأخير لا يزوّدهم بالمعلومات، ولا يردّ عليهم، ولا يبني أجندته على عناوينهم، ويبدو وكأنه لا يعيرهم أي اهتمام. ومع ذلك، تدور الحكومة، والبرلمان، وصندوق النقد الدولي، والقطاع المصرفي، وحتى الجهات الدولية، حول القرارات التي تصدر عن مكتبه. إنهم جميعاً يعلّقون على أفعال لا يصنعونها، ويتابعون قرارات لا يشاركون في اتخاذها.
وفي نهاية المطاف، تبدو المفارقة بالغة الوضوح.
فالذين يتكلمون كثيراً لا ينتجون سوى التسريبات، والعناوين، والخُطب.
أما الذي يتكلم أقل، فهو الذي يعمل أكثر.
وفي السياسة، كما في الحياة، لا يكتب التاريخ أولئك الذين يروون الأحداث، بل أولئك الذين يصنعونها بصمت.
