(الصورة: ديسمبر 2025، اجتماع ثنائي لبناني ـ إسرائيلي في مقر قيادة قوات “اليونيفيل” في “الناقورة”)
على مدى عقود، عاش لبنان في ظلّ النزاعات والحروب؛ حدودُه متوترة، واقتصادُه مثقل، وشعبُه غالبًا ما أُجبر على التطلّع إلى الخارج بحثًا عن سبل العيش. لكن اليوم، مع بروز أولى الإشارات الجدية لمحادثات سلام لبنانية–إسرائيلية في الولايات المتحدة، ثمة أمر أكثر هدوءًا، لكنه أشد تأثيرًا، بدأ يتشكل: أملٌ نابع من الناس أنفسهم.
هذا الأمل ليس فكرة مجردة فحسب، بل هو عمليّ بعمق.
جيل جديد من اللبنانيين لم يعد تحرّكه الأيديولوجيا أو السرديات القديمة للصراع، بل تدفعه رغبة أكثر إلحاحًا: أن يعيش ويعمل ويبني مستقبله في وطنه. لسنوات، تفرّق الشباب اللبنانيون حول العالم، خصوصًا إلى أماكن مثل “دبي”، بحثًا عن الاستقرار والفرص. وفي ذلك، تركوا خلفهم أهلًا مسنّين، وقرى فارغة، وبلدًا بات يشبه وجهة صيفية أكثر منه وطنًا يُعاش فيه. وكحال “صقلية” في أوروبا، شاهد لبنان شبابَه يرحلون، ولا يعودون إلا لفترات قصيرة خلال العطل.
السلام يقدّم فرصة لقلب هذه المعادلة.
إذا فُتحت الحدود وتطوّرت العلاقات، فقد تكون التداعيات الاقتصادية جذرية. فاقتصاد إسرائيل، الذي يُقدّر بنحو 500 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي، يقف على نقيضٍ صارخ مع اقتصاد لبنان الذي انكمش إلى أقل من 20 مليار دولار بعد سنوات من الأزمات. هذا الفارق ليس مجرد رقم، بل يمثل إمكانات هائلة. لقد أصبحت إسرائيل مركزًا إقليميًا للتكنولوجيا والابتكار، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي. وبالنسبة للبنانيين—المتعلّمين، ومتعددي اللغات، وذوي الخبرات العالمية—قد يفتح هذا القرب فرص عمل غير مسبوقة.
بدلًا من اقتلاع حياتهم للعمل في الخارج، يمكن للمهنيين اللبنانيين التنقّل والتعاون والمساهمة داخل المنطقة. فكرة بناء مسار مهني مع البقاء قريبًا من العائلة ليست فقط جذابة، بل إنسانية بعمق. وكثيرون قد يعودون من الاغتراب فورًا إذا أصبحت هذه الإمكانية واقعًا.
أما السياحة، فهي بدورها تروي قصة واعدة. يشترك لبنان وإسرائيل في واحد من أغنى السواحل تاريخيًا وأكثرها تماسكًا جغرافيًا في العالم. تخيّل مستقبلًا تبدأ فيه الرحلات من بيروت، مرورًا بجبيل وصور، لتستمر بسلاسة نحو حيفا والقدس. مثل هذا المسار قد يصبح من أكثر المسارات الثقافية زيارةً على وجه الأرض، ما سيعود بالفائدة على البلدين ويعيد تشكيل نظرة العالم إلى المنطقة.
وربما الأهم من ذلك، أن السلام قد يكون شاملًا. بالنسبة للطائفة الشيعية في لبنان، التي تعيش غالبًا في مناطق كانت الأكثر تأثرًا بالنزاعات، قد تعني الحدود المفتوحة فرصًا للعمل والتجارة والتنقّل ظلّت لعقود خاضعة للقيود. المشاركة في اقتصاد قائمٍ على السلام قد تُترجم إلى تحسّن ملموس في الحياة اليومية، ما يجعل الاستقرار واقعًا معيشًا لا مجرد مفهوم سياسي.
ما يميّز هذه اللحظة هو مصدر الزخم. ففي تجارب إقليمية أخرى، مثل مصر أو الأردن، توجد اتفاقيات سلام على مستوى الحكومات، لكن التفاعل بين الشعوب يبقى محدودًا. أما في لبنان، فقد يكون الوضع مختلفًا؛ إذ يتنامى شعور بأن الرأي العام، خصوصًا الجيل الشاب، مستعد للسلام حتى وإن تأخرت البُنى السياسية.
وهذا ما يمنحها قوتها: إنه سلام مرغوب، لا مفروض.
في جوهره، هذا الأمل يتجاوز الاقتصاد. إنه اختيار لدفن عقود من العداء الموروث، وتخيّل هوية إقليمية مختلفة—هوية تقوم على التعاون بدل الصراع. شرق أوسط يتحوّل إلى مركز للذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال والازدهار المشترك لم يعد حلمًا مستحيلًا، بل خطوة منطقية إذا سقطت الحواجز.
ومن هنا، فإن هذه اللحظة تتطلب شجاعة—ليس من الناس الذين أظهروا استعدادهم بالفعل، بل من أصحاب القرار. على السياسيين اللبنانيين أن يصغوا جيدًا إلى شبابهم، وإلى اغترابهم، وإلى هذا الإجماع الصامت المتنامي بأن وقت التغيير قد حان. إنه تلاقٍ نادر بين الضرورة الاقتصادية والإرادة الشعبية، ولا ينبغي تجاهله.
إلى قادة لبنان: هذه لحظتكم للارتقاء فوق الماضي وبناء المستقبل الذي يطلبه شعبكم. أنتم تحملون ليس فقط مسؤولية الحكم، بل أيضًا إمكانية التحوّل.
إننا نوجّه تمنياتنا بالقوة والحكمة إلى جميع المعنيين بهذه الجهود. ونُقرّ بدور القيادة في فتح هذا الباب، ونُثني على رئيس الجمهورية جوزيف عون لمساهمته في إتاحة هذه الفرصة.
لعلّ ذلك يكون بدايةً لشيء مستدام، إنساني، ومفعم بالأمل.
