تحليل جيوسياسي: رصد الصراعات العابرة للحدود
في “ديناميكا” الحروب الإقليمية المعاصرة، لم تعد القوة تُقاس بمجرد تكديس العتاد، بل بالقدرة الفائقة على تأمين “سيولة الإمداد” وضمان استدامة الشرايين اللوجستية. لسنوات، نجحت أبوظبي في تشغيل رواق عسكري معقد يمتد من موانئ الخليج العربي إلى قواعد الشرق الليبي، وصولاً إلى تخوم “أمد جراس” التشادية، في هندسة لوجستية بدت وكأنها عصية على الرقابة الدولية. إلا أن مطلع عام 2026 يحمل نذراً بانقلاب جيو-استراتيجي؛ حيث بدأت “الجغرافيا” الموالية تضيق، وتحولت المسارات المفتوحة إلى “حوائط سيادية”، تضع مشروع النفوذ الإماراتي في السودان والقرن الإفريقي أمام اختبار “العزلة القسرية”.
“كماشة الأجواء” وتأميم السيادة العملياتية
انتقلت المواجهة من مربع “التلاسن الدبلوماسي” إلى مربع “الجغرافيا الخشنة”. وتتمثل هذه “الكماشة” في ضلعين استراتيجيين أعادا صياغة قواعد اللعبة:
المحور الشمالي (التنسيق المصري-السعودي): في خطوة تعكس وحدة المصير الأمني، فعّلت القاهرة والرياض “حق السيادة المطلق” لسحب تصاريح التحليق أمام شحنات الإمداد المتجهة من أبوظبي إلى شرق ليبيا. هذا القرار ليس مجرد إجراء فني، بل هو “فيتو” جيوسياسي يمنع توظيف العمق العربي لتغذية صراع يهدد استقرار البحر الأحمر والأمن القومي المصري.
المحور الشرقي (الانتفاضة الصومالية): شكّل قرار مقديشو بإنهاء الوجود العسكري الإماراتي في “بوصاصو” وحظر طيرانها العسكري “سكتة لوجستية” للخطة البديلة. فقد كانت الصومال تُمثل الرئة التي يتنفس منها المشروع الإماراتي للالتفاف على حظر الشمال عبر الأجواء الإثيوبية، وبفقدان هذا المرتكز، باتت تكلفة الإمداد تضاعف المخاطر السياسية والمالية.
إعادة هندسة التوازن.. “المعادلة التركية-الباكستانية”
يأتي هذا الحصار اللوجستي في توقيت يشهد فيه الجيش السوداني “نهضة عسكرية” مدعومة بتوازنات إقليمية جديدة:
تمويل الرياض وسلاح إسلام آباد: أدت الوساطة السعودية لصفقة السلاح الباكستاني (1.2 مليار دولار) إلى تزويد القوات المسلحة السودانية بذخائر وقدرات نوعية حطمت “توازن الرعب” التقليدي.
التفوق التقني التركي: دخلت المسيرات التركية كعامل حسم تقني في معارك “جنوب وسط السودان”، مما حول معركة “الأبيض” الوشيكة من طموح للدعم السريع إلى استنزاف لمخزونه البشري والمادي المنهك أصلاً بفعل انقطاع الإمداد.
واشنطن “ترامب” وتجفيف منابع المال السياسي
تتقاطع هذه التحولات مع مقاربة أمريكية “برجماتية وصارمة” تجاه الصراع السوداني. فالأجندة التي أعلنتها إدارة ترامب لا تكتفي بالمراقبة، بل تستهدف:
الملاحقة المالية: ملاحقة “الأخطبوط المالي” العابر للحدود الذي يغذي الصراع، تحت لافتة حماية الاستقرار العالمي من الفواعل غير الحكومية.
الضغط الأيديولوجي: استخدام ملف “الإخوان المسلمين” ليس لدعم طرف ضد آخر، بل لفرض “شرعية دولية” ترفض وجود مليشيات خارجة عن سلطة الدولة المركزية، مما يرفع الكلفة السياسية لأي استمرار في دعم قوات الدعم السريع.
“فخ أرض الصومال” والنموذج الإسرائيلي
تمثل محاولة الارتكاز في “أرض الصومال” حالياً الرهان الانتحاري الأخير. غير أن المناخ الدولي الذي بات “شديد الحساسية” تجاه خروقات القانون الدولي- قياساً على الضغوط التي تواجهها إسرائيل- ينذر بتحول الإمارات من “لاعب دولي مرن” إلى “طرف محاصر” قانونياً إذا ما استمرت في رعاية كيانات غير معترف بها أو دعم مليشيات متهمة بارتكاب فظائع.
“تجفيف المنابع” كخيار إجباري
نحن أمام مشهد تاريخي يُعاد فيه “تأميم” المجال الجوي والبحري الإقليمي ضد التدخلات العابرة للحدود. إن نجاح “القفل الأحمر” في أداء مهمته يعني أن الصراع في السودان قد لا ينتهي بحسم عسكري تقليدي، بل بـ “جفاف المخازن” الذي سيجبر الفواعل الإقليمية على مقايضة نفوذها العسكري بالنجاة السياسية، والقبول بشروط القاهرة والرياض كمرجعية وحيدة للاستقرار.
لقد أثبتت وقائع مطلع 2026 أن “العباءة” التي تمددت فوق القارة السمراء، قد تمزقت عند نتوءات السيادة الوطنية والتحالفات الإقليمية الصلبة.

