في موازينِ الرقعةِ الشاسعةِ التي اشتملَت عليها هذه الحربُ، سيطولُ تظهيرُ حصائلِها على الأرضِ ومعه التجاذبُ بيْن أطرافِها ومعهما الجدالُ في هويّةِ كلٍّ من المنتصرِ والمهزومِ وماهيّةِ النصرِ والهزيمةِ، وكلا هذين متعدّدُ الوجوهِ والميادينِ بديهةً. مرَدُّ هذا إلى طبيعةِ هذه الحصائلِ، بالدرجةِ الأولى، وإلى اتّصالِها ببنودِ الاتّفاقِ الذي تُفْتَرَضُ إذاعتُهُ عَمّا قَريبٍ وبتتمّةِ المفاوضاتِ المنتظرةِ، بموجِبِهِ، بالدرجةِ الثانية…
ومن الآنِ قَبَعَ لبنانُ في موقعِ الذَنَبِ من الاتّفاق نفسِهِ الذي خصّهُ بحرفِ عطفٍ واقتُصِرَ من وجوه الحربِ المستَعِرةِ فيه على وقفٍ للنارِ، مباركٍ بلا رَيبٍ، لعَلّهُ لا يَلْحَقَ بسابِقيه… وإلى الاتّفاقِ، جُعِلَ لبنانُ برمّتِهِ تفصيلاً في طوفانِ التخمينِ والتكهّنِ الذي أطلقَهُ الاتّفاقُ وفي إعلاناتِ النصْرِ والهزيمةِ التي تدفّقت بعدَ إعلانِهِ وقَبْلَ إذاعةِ نَصّه.
والمُخْزي – وإن يَكُن منتَظَراً – أن يضلَعَ لبنانيّون في هذا التقزيمِ لبِلادِهِم ولِما حلَّ بِها، وما لا يزالُ متوقّعاً أن يَحِلّ، من الجَرائرِ الفظيعةِ لهذه الحرب. ذاكَ طبيعيٌّ ما دامَت بلادُنا قد عُدّت (بإقْبالٍ عارمٍ من بعضِ بَنيها) مسرحاً “مُسانِداً” ( أي “سايد شو”) من أوّلِ يومٍ، وعُدَّ الموتُ فيها والاحتِلالُ والدمارُ دَرْءاً لنَظائرِهِا عن المَسْرَحِ الأعظمِ الذي تأخّرَ وصولُ الحربِ إليهِ وتقطّعت فُصولُها كثيراً عليه…
هذا مع أنّ ما نالَتْه بلادُنا من بَلايا الحربِ لا يَفوقُه إلّا ما نالَ غزّة منها، قبْلَ وصولِها إلى إيران، ولا يُدانيهِ (بالنسبةِ إلى “الحَجْمِ” بسائرِ مَعانيهِ) ما حصدَتْهُ الساحةُ الإيرانيّة…
فإلى ألوفٍ من القَتْلى لا يَزالُ عددُها النهائيُّ حائراً (على الرغمِ من بياناتِ وزارةِ الصحّةِ) وإلى ألوفٍ أخرى من الجرحى يرجّحُ أن تكونَ قد شطَحَت نحو الثلاثين، ولا تُعْرَفُ نسبةُ ذوي الإعاقةِ فيها، شهِدَ جنوبُ لبنان ضَرْباً من الاحتِلالِ غيرَ معهودٍ فيهِ بما صَحِبَهُ من الإبادةِ العُمْرانيّةِ طَلَباً لإخلاءِ الأرضِ من أهلِها إخلاءً يُريدُه المحتلُّ نهائيّاً وهذا مع التلويحِ بالضَمّ وبالاستيطان… وهو ما يورِثُ ديمومةً غير معلومةِ المدّةِ لفاجعةِ النُزوح، في جانبٍ منها لا يستهانُ بهِ، على الأقلّ.
تَنْزِلُ هذه النكبةُ ببِلادٍ سبَقَ نهبُها ونسفُ جانبٍ من عاصِمتِها، لتُضيفَ ما قد يبلُغُ عشرين مليار دولارٍ من الخسائرِ إلى ثمانينَ أو تسعينَ أخرى هي حصيلةُ النهبِ والنسفِ السابقينِ، بمن تولّاهُهما أو تواطأَ عليهما من معروفٍ ومجهول…
هذا في إقليمٍ لا تُفْهَمُ فيه الأرقام حقّ الفَهمِ ما لم يُقَس الحجم الإجماليّ لحاجاتِ الإعمارِ والتَعافي إلى المواردِ المتاحةِ لهذه الغايةِ ومَصادِرِها المحتمَلةِ وشروطِ توفّرِها من سياسيّةٍ واقتِصاديّةٍ وغَيْرِها… هذا حديثٌ يطولُ وله أهْلُه.
تكفي الإشارةُ الآن إلى أنّ الساحات المرشّحة تشتملُ على السودان (أضخمِها) وسوريا وليبيا واليمن وإيران وفلسطين ولبنان… وأنّ الرقمَ الإجماليَّ المتداول هو تريليون واحدٌ وستّمائة مليار… والحبلُ، في بعضِ هذه الساحاتِ، باقٍ علي الجَرّار…
على أنّ ما يجبُ أن يحظى بأكثرِ التوجُّسِ والتحسُّبِ – في ما أرى – قد لا يكونُ شيئاً من هذا كلّهِ، على فداحةِ خطَرِه. قد يكونُ الأهَمُّ وَقْعُ الحربِ وعَواقِبِها على مستقبَلِ بلادِنا السياسيّ. ففي هذا المضمارِ تُخَلّفُ الحربُ لبنانَ في حالِ استِقطابٍ أهليٍّ استثنائيِّ الخطَرِ على استقراره التكويني. وهو أمرٌ يصعبُ الاتّكالُ في مداراتِه على “حكمةِ” ما في البلادِ من قوى سياسيّةٍ معلومةِ الأصلِ والفصلِ والتاريخِ القريبِ والبعيد.
هذا أيضاً حديثٌ يطول. فَلْيَعْكفْ عليه، من الآنِ، من يحفظُ اعتِباراً لا نفاقَ فيهِ لهذه البلادِ الصغيرةِ المستباحةِ ولأهلها…
