قال سفير فرنسا السابق لدى الولايات المتحدة، “جيرار آرو”، إن لبنان قد يدفع ثمن «الفشل الأميركي» في إيران. العبارة لافتة، لكنها تقرأ اللحظة بالمقلوب. فما يبدو للبعض ارتباكاً أميركياً قد يكون في الواقع استراتيجية متماسكة لإضعاف الجمهورية الإسلامية من الداخل: التفاوض مع الدولة الإيرانية، مع ترك إمبراطوريتها الثورية تتفكك تدريجياً.
الاتفاق لا ينقذ وكلاء إيران، بل يقيّدهم. فالجمهورية الإسلامية عاشت طويلاً على ازدواجية مربحة: تفاوض كدولة عندما تريد تخفيف العقوبات وشراء الوقت، وتهدد كثورة عندما تريد النفوذ والابتزاز. تتحدث بلغة التسوية مع واشنطن، بينما يهدد حزب الله والحوثيون والميليشيات العراقية الحدود والممرات البحرية والدول ذات السيادة. اليوم، هذه اللعبة المزدوجة تصبح أصعب.
من خلال إبقاء قناة دبلوماسية مفتوحة مع طهران، تخفف واشنطن الضغط على مضيق هرمز وتسحب من المتشددين الإيرانيين أخطر أدوات الابتزاز البحري. لكنها في الوقت نفسه لا تمنع إسرائيل من مواصلة إضعاف البنية العسكرية الإيرانية في المشرق، خصوصاً حزب الله، ولا تمنع لبنان من استعادة لغة السيادة. هذا ليس تناقضاً، بل هو جوهر الاستراتيجية.
النهج الأميركي يمزق النظام الإيراني بين معسكرين. هناك من قبلوا بالبروتوكول لأنهم يريدون الحفاظ على النظام، وهم يعرفون أن إيران لا تستطيع تحمّل أزمة بحرية في الخليج، ومواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وضغطاً إسرائيلياً متواصلاً، وهشاشة داخلية، وخسارة وكلائها في الوقت نفسه. وبالمقابل، هناك المتشددون الذين يرون في البروتوكول أصفاداً. فقوتهم تقوم على بقاء التصعيد متاحاً دائماً: حزب الله في لبنان، الحوثيون في البحر الأحمر، الميليشيات في العراق، والتهديد بهرمز. هؤلاء لا يخافون فقط من خسارة الوكلاء، بل من خسارة حرية الابتزاز.
لهذا يبدو بيان حزب الله الأخير كاشفاً. الحزب يطالب إسرائيل بأن تفهم أنه لا عودة إلى ما قبل الثاني من آذار، ويستدعي خطاب السيادة اللبنانية، ويحذر من العدوان، ويزعم أن «المقاومة» ستبقى حارسة للبنان حتى الانسحاب الإسرائيلي الكامل وعودة الأسرى. ظاهرياً، هذا خطاب قوة. لكن توقيته يقول العكس. حزب الله يتكلم لأن المساحة تضيق حوله: الاستهداف الإسرائيلي مستمر، الدولة اللبنانية في عهد جوزيف عون تستعيد لغة السيادة، وطهران تدخل مساراً تفاوضياً مع واشنطن يجعل التصعيد أكثر كلفة.
حزب الله يقول عملياً: على إسرائيل احترام الواقع الجديد، وإلا. لكن: وإلا ماذا؟ هل سيعيد الحزب إشعال الحرب بينما تحاول القيادة الإيرانية الحفاظ على مسار دبلوماسي مع واشنطن؟ هل ستكسر طهران اتفاقاً صُمّم لحماية النظام فقط لإنقاذ وكيلها اللبناني من الضغط الإسرائيلي؟ هل ستعيد إيران تهديد هرمز وتخاطر بمواجهة أوسع لأن حزب الله لا يحتمل أن يُستنزف تحت غطاء الدبلوماسية؟
هنا يكمن الفخ. تهديد حزب الله لا يعمل إلا إذا بقيت إيران حرة في التصعيد. أما البروتوكول فيحد من هذه الحرية، لأنه يجبر طهران على مقارنة كلفة كل حركة يقوم بها وكلاؤها بقيمة الاتفاق في حماية النظام. لذلك فإن مطالبة حزب الله إسرائيل بالالتزام بالترتيب الجديد هي، في جوهرها، نوع من الاستسلام. الحركة التي زعمت طويلاً أنها تفرض الردع باتت تستند إلى قيود بروتوكول تفاوضت عليه قوى فوق رأسها. والوكيل الذي ادعى التحكم بساحة المعركة ينتظر الآن ما إذا كان راعيه قادراً على كسر الاتفاق.
ولهذا يتجاوز لبنان حدود لبنان. عندما يقول جوزيف عون إن لبنان لا يمكن أن يكون ورقة تفاوضية بيد إيران، وإن سيادة لبنان تعود إلى الدولة اللبنانية، فهو لا يطلق مجرد موقف وطني. إنه يطعن في المنطق الذي حوّلت به طهران لبنان إلى منصة أمامية لمشروعها. فإذا تفاوضت الدولة اللبنانية مباشرة مع إسرائيل، ولو بحذر وتدرج، يبدأ احتكار حزب الله لقرار الحرب والسلم بالتفكك. وهذا بالنسبة إلى طهران قد يكون أخطر من ضربة عسكرية، لأن الضربة تدمر بنية تحتية، أما استعادة الدولة لسيادتها فتدمر شرعية الوكيل نفسه.
لذلك لا ينبغي قراءة اللحظة كفشل أميركي. واشنطن لا تضغط على إيران من الخارج فقط، بل تدفع منطق الدولة ومنطق الثورة داخل الجمهورية الإسلامية إلى الاصطدام. إذا حافظت طهران على الاتفاق، فهي تقيّد المتشددين ووكلاءهم. وإذا كسرته، فهي تعرض النظام لمواجهة أوسع. إذا صعّد حزب الله، فهو يبرر استمرار الضربات الإسرائيلية ويبعد لبنان أكثر عن طهران. وإذا سكت، فهو يفقد وظيفته كذراع إيرانية أمامية. وإذا هددت إيران هرمز، تثبت أنها لم تكن تفاوض بحسن نية. وإذا امتنعت، تتخلى عن إحدى أقوى أدوات الإكراه لديها.
هذه هي النقطة التي يغفلها كثير من الدبلوماسيين الأوروبيين: غياب الحرب المفتوحة ليس بالضرورة استقراراً. الوضع السابق لم يكن سلاماً، بل حرباً مؤجلة وابتزازاً منظماً: هرمز رهينة، لبنان معلق بين دولة ضعيفة ووكيل مسلح، إسرائيل تحت قوس من الميليشيات، وطهران تفاوض بيد وتشعل المنطقة باليد الأخرى.
يبدو أن أميركا فهمت أن الجمهورية الإسلامية تكون في أضعف حالاتها عندما تُجبر هويتاها على التناقض: الدولة التي تريد البقاء، والثورة التي تريد التوسع. إسرائيل تضعف الذراع العسكرية الخارجية، لبنان يبدأ باستعادة القرار السياسي السيادي، وواشنطن تبقي القناة الدبلوماسية مفتوحة بما يجعل التصعيد مكلفاً على المتشددين.
المسألة إذاً ليست فقط تفكيك إمبراطورية الوكلاء، بل تمزيق النظام بين من يريدون الحفاظ عليه ومن لا يستطيعون تحمل القيود التي يتطلبها هذا الحفاظ. هذا هو المعنى الحقيقي لبيان حزب الله: تحت لغة التحدي، هناك اعتراف بأن القواعد تغيرت، وأن الحزب قد لا يعود حراً في تحميل لبنان وإيران والمنطقة كلفة بقائه.
لقد عاشت الجمهورية الإسلامية طويلاً من تحويل الدول الأخرى إلى أوراق تفاوض. وقد يكون لبنان اليوم المكان الذي يبدأ فيه هذا المنطق بالانهيار. فإذا لم يعد حزب الله قادراً على القتال بحرية، ولم تعد إيران قادرة على تهديد هرمز بحرية، وأصبحت بيروت قادرة على الكلام باسمها، فإن ما نشهده ليس انهياراً للاستراتيجية الأميركية، بل بداية التصدع الداخلي للجمهورية الإسلامية.
