مرّ اكثر من عام على اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، وما زالت إسرائيل تتابع عمليات تدمير وهدم للمنازل وتوجيه ضربات مركزة في الجنوب اللبناني في خطة لإقامة شريط غير مسكون وممنوع الحياة فيه ملاصق لحدودها. فإذا بنا امام بلدات فارغة من سكانها النازحين، وقد تحولت الى مساحات واسعة من الابنية المهدمة، ويُمنع إعادة الاعمار والبناء فيها.
ومن هذه البلدات: عيتا الشعب، رامية، بليدا، عديسة، كفركلا، بيت ليف وغيرها من البلدات والقرى الحدودية.
مرت على اهالي هذه البلدات انتخابات بلدية، ويجري حاليا التحضير للانتخابات النيابية فما هو واقع الحال السياسي فيها؟
يُجمع عدد من الناشطين على أن السكن في هذه البلدات الحدودية ممنوع من قبل إسرائيل.
وعن الانتخابات البلدية التي حصلت في ايار 2025 يجيب الناشطون:” لم تجرِ انتخابات بلدية فعلية، ما جرى هو تفاهم بين حزب الله وحركة امل على مجالس جديدة تعكس التفاهم الموجود بين الطرفين حول حصة كل من الطرفين منذ عام 2000. والانتخابات الفعلية جرت على مواقع المخاتير، واذا كان بعض قوى المعارضة قد أقدم على ترشيح عدد الى المجالس البلدية سابقاً ففي هذه الانتخابات التي جرت مؤخراً فازت اللوائح بالتزكية، وضمت عناصر جديدة ما يجعل المتابع ان يلاحظ تراجعاً بموقف حزب الله الذي كان يضع شروطا قاسية على المرشحين ويفرض اخرين بالمجالس، لكنه قَبِلَ اليوم بأشخاص يمثلون عائلات ولا يمثلون الثنائي الشيعي بشكل كامل”.
ويشير بعض الناشطين ان هذه المجالس المنتخبة استطاعت، بعد انتخابها، تقديم بعض المساعدات والاصلاحات التي سمحت بها القوات الإسرائيلية التي تراقب تفاصيل ما يجري بشكل دقيق!
ولكن الان، وبعد مرور اكثر من عام، عاد خطاب حزب الله الى السابق، اذ عاد الى تخويف الناس بان الشيعة في خطر وجودي وأن المطلوب هو الدفاع عن الوجود وأن المكونات الاجتماعية الأخرى متأمرة على الطائفة الشيعية، وما علينا سوى التضامن والتكاتف! والناس العاديّون صامتون بانتظار التعويضات وإعادة بناء منازلهم، وبعضهم مضطر لمسايرة حزب الله للحصول على تعويضاته الموعودة.
وفي التحضير للانتخابات النيابية القادمة، هناك إجماع في البلدات الحدودية على عودة ممثلي الثنائي الشيعي، لكن تبدو العلاقة بين الطرفين سيئة على الأرض. اذ تسعى “حركة امل” الى تنشيط عناصرها في أماكن إقامة أهالي البلدات الحدودية لتكون هي البديل عن حزب الله ولتحسين حصولها على أصوات انتخابية اكبر من انتخابات عام 2022.
قضاء صور
يختلف الوضع في قضاء صور عن منطقة البلدات الحدودية بشكل طفيف.
بلدات تعرضت الى دمار نسبي، خرجت من الحرب وما زالت تنتظر التعويضات التي بات هناك شك بالحصول عليها.
لم تشهد بلدات القضاء انتخابات فعلية بقدر ما شهدت لوائح تزكية. بلدات شهدت في الانتخابات البلدية السابقة تسويات ومنافسات عدة، انتهت هذا العام باقصاء اي بديل عن الثنائي الشيعي الذي أعاد السيطرة على كل المجالس البلدية، وهناك مثال: ان احد المعارضين تم وعده بانتخابه في المجلس البلدي لإحدى البلدات شرط عدم تشكيل لائحة منافسة، لكن جرى إسقاطه.
ولم تشهد المنطقة انتخابات سوى على مستوى المخاتير الذين تمت تسميتهم وفق تسويات عائلية.
حالياً يجري الاستعداد للانتخابات النيابية حيث التنافس على أشده بين حزب الله وحركة أمل، من يحصد اصواتاً اكثر، كل ذلك في غياب معارضة ديمقراطية جدية قادرة على تقديم رؤية جديدة وخطط تواجه الواقع الحالي في قضاء صور.
في حين ان حركة امل بدأت الاعداد للمعركة الانتخابية من الناحية التنظيمية ومحاولة تقديم مرشحين جدد للحركة، في محاولة تعديل موازين القوى مع حزب الله او وراثته في مكان ما بعد الخسائر التي مني بها خلال الحرب الأخيرة حسب خطاب حركة امل في عدد من بلدات القضاء.
من جهة اخرى ينشط حزب الله باعادة تنشيط قواعده من خلال الاحتفالات الدينية، في حين يواجه مشكلة اجتماعية مع كتلته لان شيكات التعويضات لم تقبض، والناس مضطرون للسكوت بسبب الوعود المقطوعة بدفع التعويضات، لكن الخدمات المجانية المقدمة من قبل الحزب وخصوصا الطبية منها صارت مقابل بدل مالي يتفاوت بين شخص وآخر حسب الصلة بالاطار الحزبي. من جهة اخرى تشهد بلدات القضاء تراجعاً من قبل حزب الله بالتدخل في شؤون المواطنين.
قضاء الزهراني
على الرغم من وجود معارضة للثنائي الشيعي في قضاء الزهراني، وخرق احد المعارضين للائحة الثنائي الشيعي في الانتخابات البلدية في بلدة “عدلون”، وهي من أكبر بلدات القضاء، فما زال الثنائي الشيعي هو المسيطر على بلدات القضاء، وفوز لائحة اخرى في “الزرارية” لم يكن فوزا للمعارضة بقدر ما هو فوز للعائلات المناهضة للثنائي الشيعي والتي تملك إمكانيات مالية كبيرة.
اما هموم المواطنين فتنحصر بضرورة استمرار الحياة في البلدات وقبض التعويضات وبدل السكن، وأن الرؤية لا تكمن بضرورة التغيير.
وينظر الناس الى انهم ليسوا في موقع مواجهة حزب الله ومحاسبته بل في موقع الاستمرار بالعيش في منازلهم وعدم النزوح.
وتشهد بلدات القضاء نقاشاً واسعاً بين عناصر طرفي الثنائي الشيعي، وهناك ضغط من القيادتين لامتصاص اي نزاع في ظل تزايد الاحتفالات والنشاط في البلدات. وتجدر الإشارة الى ان قضاء الزهراني شهد هذا العام احتفالات واسعة في ذكرى مقتل القيادي في حركة امل “ابو جمال جعفر” الذي قضى خلال معارك إقليم التفاح بين الطرفين الشيعيين عام 1989.
على صعيد حزب الله، ما زال يمارس مواجهة اي انتقاد يوجه له ولسياسته الحالية وعدم السماح لاي نقد يوجه له، في حين يواجه حالات إحباط داخل اطره الحزبية، ويواجه ذلك بتحميل اللبنانيين الآخرين مسؤولية ما وصلنا اليه لعدم وقوفهم الى جانبه. وأن مشاركته في الانتخابات البلدية والنيابية هي للمحافظة على المواقع الممسك بها تحت شعار المحافظة على إنجازات الحزب.
وتحولت الوعود التي أطلقها الحزب حول التعويضات بدفع الجميع للضغط على الدولة لدفع التعويضات المستحقة للناس اثر الحرب الأخيرة.
وهذا يعني أن لا انفصال فعلياً بين الحزب وجمهوره المضطر للصمت بانتظار التعويضات.
وهذا يعني لا تغيير فعليا في السلوك وامتلاك القدرة على المواجهة والفعل، وما زال القوة الاساسية وحتما سيفوز الحزب في الانتخابات النيابية القادمة لكن ليس كالانتخابات الماضية. ويعتقد كثير من الناشطين ان الانتخابات القادمة ستشهد تدنياً بنسبة المقترعين، وايضاً تدنياً بنسبة المصوتين لحزب الله.
لكن في بعض بلدات القضاء تحاول حركة امل ان تقدم نفسها بصفتها الوجه المنقذ عبر إشارات غير معلنة، ومن خلال تحميل حزب الله مسؤولية الحرب في محاولة لابراز دور حركة امل بالمحافظة عل أملاك وارزاق الناس، وبرز ذلك من خلال النشاط الواسع والاحتفالات السياسية والدينية المنتشرة هذه الأيام.
محافظة النبطية
وهي تضم مكونات اجتماعية مختلفة بين المكون الشيعي الأساسي في قضاء النبطية والمكونات السنية والدرزية والمسيحية في قضاء مرجعيون.
يشهد الواقع في هذه المحافظة تبايناً في المواقف وخصوصاً بعد الحرب الأخيرة والنزوح الكبير الذي شهدته بلدات المحافظة.
في قضاء النبطية ما زالت بيئة الثنائي الشيعي هي المسيطرة ولم تلحظ بلدات القضاء اي تأثير للتغييريين وفاز الثنائي في جميع المجالس البلدية في القضاء ومعظمها بالتزكية، وما زالت الشعارات الكبيرة حول المقاومة ودورها هي الأساس، وما زال الصبر هو عنوان الجمهور بانتظار التعويضات وإعادة البناء والاعمار.
وما زال الحزب يمارس نفس سياسته بالسيطرة والامساك بجوانب حياة المواطنين، في حين ان حركة امل تعيش اجواء مفككة بين قسم يؤيد سياسة حزب الله وخطابه المرتفع، وبين قسم يتهم حزب الله بجر الجنوب الى حرب خاسرة، وقسم يحاول ان يقطف ثمار خسارة الحرب ليعزز موقع حركة امل على حساب حزب الله.
اما في قضاء مرجعيون، فيعلق احد الناشطين بالقول: “ان تحالف حزب الله وحركة امل ما زال على توازنه، وما زال يخوّن الآخرين وخصوصا المعارضة، وتوجيه التهديدات لها وخصوصا الشيعية منها. الناس متضايقون، والتعويضات متوقفة، وقد تقدم بعضهم بشكاوى للنيابة العامة بسبب الشيكات التي لم تصرف، الناس خائفة حتى من إطلاق الصرخة، ومن الداخل يبرز نزاع تاريخي بين حزب الله وحركة امل على من يقود الطائفة”.
ويشير ناشط آخر الى جو الكراهية والخطاب المعلن ضد حزب الله لدى الطوائف الأخرى في تعاطيهم اليومي.
فيما يوضح ناشط آخر الى ان صورة الانتخابات النيابية القادمة ستعود الى صورتها القديمة، اي عدم قدرة المعارضة على تحقيق اي خرق للائحة الثنائي الشيعي الا في حالة ترك المقعد المسيحي للمرشح الياس جرادة، وخصوصا ان
الخطاب الانتخابي سيدور حول الوجود الشيعي وأهمية المحافظة عليه.
انها لوحة عامة لوضع الجنوب اللبناني بعد اكثر من عام على وقف اطلاق النار، انها لوحة تظهر استمرار الثنائي الشيعي وخصوصا حزب الله بالامساك بالسلطات المحلية، والخطاب السياسي المتضمن دفاعه عن سياساته السابقة وعن الخطر الذي يواجه الوجود الشيعي وتخوين الاخرين، وعن نزاعه مع حركة امل على زعامة الطائفة الشيعية في غياب اي معارضة ديمقراطية جدية لها وجودها وتأثيرها على ارض الجنوب.
