عدتُ مؤخرًا إلى صيدا، المدينة ذات الغالبية السُنّية جنوب بيروت — مدينةٌ تربطني بها علاقةٌ عاطفية خاصة، وتتمتع بمكانة مشحونة سياسيًا في السياق اللبناني. ذاكرتي معها شخصية: ضعتُ فيها طفلةً ذات مرة، إلى أن أجلَسني رجلٌ مُسنّ على درجٍ وانتظرَ بصبرٍ إلى أن عادت والدتي. المدنُ قادرة على أن تَجرح وعلى أن تحمي في اللحظة نفسها؛ وصيدا تفعلُ الأمرَ ذاته اليوم مع اللاجئين الشيعة القادمين من الجنوب هربًا من الحرب.
اليوم، أصبحت صيدا أحدثَ محطة للنزوح الداخلي في لبنان — ليس فقط للاجئين السوريين والفلسطينيين، بل أيضًا للبنانيين “اللاجئين اقتصاديًا” من “النبطية” والجنوب الشيعي الأوسع. هذا التدفق من جنوب الجنوب نحو شماله يحمل أبعادًا سياسية تعجز الإحصاءات عن التقاطها. فعندما أُغلقت التجارات والمتاجر في “النبطية” — تحت وطأة الانهيار الاقتصادي الناتج عن حرب لم تكن طرفًا فيها — لم تختفِ تلك التجارات. بل انتقلت إلى صيدا. شبكاتُ تجارةٍ كاملة، و”أسواق جُملة”، تغيّرت جغرافيتها. تبعها العمال المياومون. وتشكّلت جغرافيا اقتصادية جديدة بلا أي خطة حكومية، بلا استراتيجية تنموية، وحتى بلا ادعاء بوجود سياسة عامة.
في بلدٍ طبيعي، كان مثل هذا التحول الديموغرافي والاقتصادي سيُدرس ويُنظَّم ويُدار. أما في لبنان، فإنه يتمُ، ببساطة، امتصاصُه — من قِبل أي مدينة يَصدفُ أنها تتميز بإيجارات أرخص وقليلٍ من المساحة. ثم أن “صيدا”، بطبيعتها، مدينة دافئة القلب.
سياسات فائض العرض
تدفُّقُ اليد العاملة إلى صيدا خلق فائضًا كلاسيكيًا في سوق العمل، ما أدى إلى خفض الأجور اليومية. عندما سألت العمال لماذا يبقون فيها، جاء الجواب حقيقةً سياسية متنكرةً بلباس اقتصادي: “صيدا رخيصة”. المدن الرخيصة تتحول إلى مصائد فقر عندما تُغلق سُبُلُ الصعود أو الخروج. وانسدادُ الحركة في لبنان ليس جسديًا فقط، بل هو سياسي — تفرضه الحرب، والودائع المُجمّدة، والمحسوبيات المناطقية، وقوة (أو ضعف) الأحزاب المحلية.
لم تطلب صيدا أن تصبح مركزًا لِعمالة الجنوب النازحة، لكنها أصبحت كذلك. وبذلك، فإنها تحتل اليوم موقعًا جديدًا في الاقتصاد السياسي اللبناني المتشظي: مدينة عازلة بين الداخل الشيعي والساحل السُنّي، تمتصُّ الصدمةَ الاقتصادية لمنطقة كاملة من دون أن تنالَ التعويضَ السياسي الذي كان يُفترض أن يرافق هذا الدور في دولة تعمل بصورة طبيعية.
العملات الرقمية كبُنية تحتية لـ”العقوبات”
صالات بيع السيارات المستعملة التي انتقلت من النبطية إلى صيدا تكشفُ طبقةً سياسية أخرى. كثيرٌ من تلك الصالات بات يفضّل الدفع بالعملات الرقمية. فعندما تعقّدُ العقوباتُ الاستيرادَ و”التمويلَ الإقليمي”، يبحث التجار عن أدواتٍ تتجاوز المصارف كليًا. صعودُ العملات الرقمية في البلدات اللبنانية الأفقر ليس قصة تكنولوجيا؛ إنها قصة عقوبات — بصفتها قطاعاً تهيمن عليه، إلى حد كبير، شبكاتٌ مرتبطة بحزب الله، فقد دخلت صالاتُ عرضِ السياراتِ المستعملة العصرَ الرقَمي.
المفارقة صارخة: المناطق اللبنانية الأكثر ثراءً وتطورًا تتعامل اليوم بالنقد — الملموس، المراقَب، التقليدي — فيما تتعامل الاقتصادات الطرَفية الأفقر بعملات رَقَمية عابرة للحدود. “الهامش” أصبح أكثر عولمة من “المركز”. والقطاع الرسمي أصبح أكثر بدائية من القطاع غير الرسمي!
سواء كانت تلك الصالات مرتبطة مباشرة بشبكات استيراد تابعة لحزب الله أو مجرد جزء من منظومة تجارية جنوبية أوسع، فذلك سؤالٌ ثانوي تقريبًا. الواقعُ السياسي هو أن فاعلين من خارج الدولة، وتجاراً في عصر “العقوبات”، قاموا ببناء قنوات مالية موازية حين انهارت الدولة اللبنانية.
مدينتان اندمجتا، بلا تخطيط
عمالةُ اللاجئين — اللبنانية والفلسطينية والسورية — تضغط على الخدمات الاجتماعية في صيدا، مع ذلك تستوعبها المدينة. كثيرون يعملون في صيدا نهارًا ويبيتون في الجنوب ليلًا، ما يخلق اقتصادًا دائريًا بلا ضرائب محلية وبلا دعمٍ وطني. عمليًا، تموّل صيدا أزمةَ نزوحٍ داخلي بقدراتها البلدية وبمرونة القطاع الخاص وحدهما.
في الوقت نفسه، اندمج اقتصاد “النبطية” في اقتصاد “صيدا”، مُشكّلًا سوقًا حَضرية واحدة بلا تنسيق بلدي وبلا استراتيجية من الحكومة المركزية. انخفضت الأسعار للمستهلكين — أحيانًا إلى النصف مقارنةً ببيروت — لأن الفراغ السياسي يولّد أسواقًا تنافسية في القاع، حتى وهو يدمّر الأجور في القمة.
تلك هي المفارقة السياسية الأحدث في لبنان: كلما كانت المدينة أفقر، كان الطعام أرخص، والأجور أدنى، والمعاملات بـ:”العملات الرقمية” أكثر، والدولة أكثر غيابًا!

سياسات مدينة عاطفية
وأنا أسير في صيدا، أدركت أن المدينة أصبحت مرآة للبنان نفسه. مكاناً تأتي فيه الرعاية من الغرباء لا من المؤسسات. حيث يتم امتصاصُ المعاناة محليًا لأن السياسة الوطنية ترفض التدخل. حيث حرصَ رجلٌ مُسِنّ، يومًا، على أن تعادَ طفلة ضائعة إلى والدتها — وهو أمرٌ لم تفعله الدولة اللبنانية يومًا مع مواطنيها.
المدن، كالدول، كائناتُ سياسية. وصيدا اليوم تحمل مدينتين في داخلها — مدينتها الأصلية، وتلك النازحة من الجنوب — مدينتان اندمجتا بلا استراتيجية، تتم إدارتهما بلا تخطيط، وتتماسكان بفضل الارتجال لا بفضل السياسات العامة!
