عندما تواجه المجموعات البشرية مشكلات ضخمة، وتَعجز عن مواجهتها وإيجاد الحلول المناسبة لها، تبرز الحاجة إلى حلول منتظرة من قوة غيبية من خلال منقذٍ له صفات خارقة لإنقاذ الاخيار بعد ان يصابَ الناس بالدمار والخسارة ويَحلّ الفساد في جميع ميادين الحياة.
ويمكن القول ان فكرة المنقذ المخلص المنتظر موجودة في ثماني ديانات هي: المصرية القديمة، الهندوسية، البوذية، الجنبية، الزرادشتية، اليهودية، المسيحية والإسلامية.
كما ان فرقة الدوستي تنفي وتنكر موت مؤسسها دوسينيوس، كما ينتظر مسيحيو الحبشة عودة ملكهم ثيودور كمهدي آخر الزمان، ويعتقد المغول ان جنكيز خان سيعود بعد تسعة قرون.
كما ظهر تشابه بين الديانات.
فشخصية المسيح في الفكر المسيحي تشبه شخصية كريشنا في الفكر الهندوسي وبوذا في الفكر البوذي. وفي الفكر الهندوسي تتمثل أرقى أشكال الإتقان بالتناسخ بالاله “فشنوا” وعند اليهود برز المنقذ قوة محاربة تقتل أعداء بني إسرائيل.
وفي منطقتنا، منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تعيش مجموعات بشرية عديدة يؤمن معظمها بالدين الاسلامي، فقد تواتر في السُنة النبوية عن ظهور منقذ في آخر الدنيا ليعيد الإسلام الى صوابه، وينقل البغدادي في “مختصر الفرق بين الفِرَق” حديثاً للنبي محمد “ليأتين على أمتي ما اتى على بني إسرائيل، تفرق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملّة، وستتفرق امتي على ثلاث وسبعين ملّة، تزيد عليهم ملّة، كلهم في النار الا ملّة واحدة، قالوا: ” يا رسول الله، من الملّة الواحدة؟” قال:” ما انا عليه واصحابي”.
نضجت فكرة المنقذ المخلص عند عدد من الفرق الاسلامية اهمها: الشيعة الاثني عشرية والاسماعيلية، الا ان أولى الفرق الاسلامية التي تحدثت عن المنقذ المخلص هي الفرقة السبئية التي قالت ان جزءاً الهياً تجسد في الإمام علي، وفي خلفائه من بعده، وانه لم يقتل بل صعد بجسمانه النوراني الى السماء، وهذا ما قاله “فان فلوتن” في كتابه “السيادة العربية والشيعة“. ويبدو ان هذه الفرقة تأثرت بالديانة الهندوسية في عملية التقمص والتجسد. وهناك الفرقة الكيسانية التي تقول ان محمد بن الحنيفة هو المهدي المنتظر وقد أحاط بكل العلوم، وتصفه الفرقة الكربية انه حي بجبال رضوى وأن اسداً على يمينه، ونسر على يساره يحفظانه حتى يوم الخروج.
ويقول المجلسي في بحار الانوار ان النبي محمد قال:” ان خلفائي واوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي، اثنا عشر أولهم اخي واخرهم ولدي… قيل فمن ولدك قال: ” المهدي يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً”. ويقارب هذا النص ما ورد في الفكر الزرادشتي، بان زوجة زرادشت الثالث ستكون الام الروحية للمنفذ الزرادشتي بينما ابنة محمد هي الأم الروحية للمنقذ.
والمهدي عند الشيعة الاثني عشرية هو محمد القائم بن حسن العسكري، ويقول المستشرق دوايت دونالدسون ان والده الحسن حمله عند ولادته، فوجده طاهراً مختوناً مكتوباً على عضده الأيمن “جاء الحق وزهق الباطل”. وبوصف ولادته يبدو أنها تتشابه مع ولادة كرشنا، زرادشت وعيسى وغيرهم ممن نظرت اليهم الشعوب التي تعاني، كمنقذين.

اما فكرة المنقذ عند الإسماعيلية فقد خرجت من اللحمة المادية للتاريخ واعطوها بعداً الهياً فركز فلاسفتهم مثل الجستاني والكرماني ان المنقذ من طبيعة الهية، وأن هذه الفكرة مرتبطة بالواقع السياسي لإثبات حق الإمام بالخلافة ما دامت حقاً الهياً. ونادوا “عبيد الله المهدي” اماماً مستتراً وكان لهذه النظرية دوراً في نجاح الاسماعيليين بالوصول الى السلطة. ويذكّر قول الداعية الاسماعيلي “ابي عبيد الله” طوبى لمن القى بنفسه بين يديه” اي المنقذ، بموقف تلامذة المسيح” طوبى لمن القى بنفسه بين يديه”. ورأى الاسماعيليون ان الكون لا يستطيع البقاء لحظة بدون امام (عبيد الله المهدي، بقلم حسن إبراهيم حسن)، ويقول الاسماعيليون ان بإمكان الإمام ان يقوم بما يقوم به الأنبياء(مصطفى غالب: تاريخ الاسماعيلية).
في الواقع ان ما كتبه الاسماعيليون يشبه ما جاء في الفكر الزرادشتي حيث يأتي المنقذ ساؤشبانت بولادة الهية، ويظهر تأثرهم بالمسيحية التي تقول ان للمسيح طبيعتين الهية وانسانية، ومن هذا الاقنوم الذي يربط بين اللاهوت والناسوت في شخص المسيح الذي ولد وسيعود الى الأرض في يوم ما ليطهرها من الفساد.
الاف السنين مرت على فكرة المنقذ المخلص عبر التاريخ البشري. تبرز الحاجة اليه عندما يكون المجتمع في حالة من اليأس والظلم، وهي حالة مرت فيها المجتمعات التي اعتنقت الديانات التي أشرنا اليها سابقاً. لكن هذه المجتمعات ما زالت بانتظار المنقذ المخلص الذي يُنظر اليه بطلاً خارج التكيف الانساني وذا صفات خارقة.
لكن يبدو ان الحلول ممكنة في مكان آخر لا علاقة له بالانتظار الاف السنين، اذ كلما تقدمت الشعوب وتوحدت في كيانات وطنية وبنت دولاً وطنية ذات مؤسسات وقوانين عامة وواكبت التقدم التقني والحداثوي، يمكنها ان تقوم بالدور المنتظر للمنفذ من خلال ممارسة مواطنيتها. فالشعب الذي يتقدم بخطى واثقة نحو مواطنة مدنية ديمقراطية يستطيع أن يتعرف الى أعظم منقذ وهو الشعب نفسه.
