بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شن حرب إقتصادية غير مسبوقة في التاريخ ضد النظام الايراني لتركيعه أو اسقاطه على يد شعبه، وقوله في منشور له إن “أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية والشركات والمطارات او الكيانات الحكومية التابعة لها بأن تمد شريان حياة لإيران ستصبح هي ذاتها عرضة لتبعات اقتصادية هائلة”.
وبعد أن توعد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بقطع شريان التمويل عن الاقتصاد الايراني عبر توسيع نطاق العقوبات لتشمل قطاعات الاصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن البحري وتهديده كل دولة تسهل غسل الاموال الايرانية باستبعادها من نظام الدولار، اتجهت الأنظار إلى عدة دول تربطها بإيران علاقات اقتصادية وتجارية ونفطية متينة. غير أن الأنظار تركزت تحديدا على الصين، باعتبارها الشريك التجاري الأهم لإيران والمستورد الأكبر لنفطها (تستحوذ الصين على نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية)، ولأن العقوبات الأمريكية على طهران لن تكون مؤثرة تماما ما لم تمتثل لها بكين.
ويصدق هذا القول، بدرجة أقل، على موسكو التي تعتمد عليها طهران في مجالات تعاون حيوية أخرى. خصوصا وأن وزير الاقتصاد الإيراني “علي مدني زاده” ذكر الصين وروسيا بالإسم في معرض تعليقه على القرارات الأمريكية، حينما قال ما مفاده أن الحرب الاقتصادية الأمريكية على بلاده مآلها الفشل لأن الصين وروسيا لن توافقا عليها ولن تمتثلا لها.
يعتقد مراقبون كثر، أن دولا مثل باكستان وتركيا والعراق، وجميعها ساهمت بصورة أو بأخرى طيلة السنوات الماضية في تقويض العقوبات المفروضة على النظام الإيراني، من خلال تهريب النفط والمقايضة وغسيل الأموال وتزوير سجلات السفن وتأسيس الشركات الوهمية، سوف تضطر إلى الانصياع للمطالب الأمريكية، لكن من المستبعد أن ترضخ الصين وروسيا بسهولة، خصوصا وأنهما ضد مبدأ فرض عقوبات اقتصادية وتجارية أحادية الجانب. وفي هذا السياق، ردت الخارجية الصينية على تصريحات ترامب حول شن حرب اقتصادية على شركاء ايران التجاريين بقولها “أن ذلك لن ينجح في حل التوترات في المنطقة”، كما أن الصينيين لا يريدون خلق سابقة بسماحهم للأمريكان بتحديد من يمكنهم ومن لا يمكنهم التعامل معه.
أما روسيا فإنها تعمل فعليا بمعزل عن النظام المالي الأمريكي وإطار العقوبات الأمريكية، وتربطها منذ 2025 بإيران معاهدة شراكة مدتها عشرين عاما. وبموجب هذه الاتفاقية تعزز كثيرا حجم التجارة بينهما ليصل إلى نحو خمسة مليارات دولار، حيث زودت موسكو طهران بشحنات كبيرة من الذخائر وقطع غيار الطائرات المسيرة مقابل مشتريات ضخمة من المنتجات الزراعية والسمكية والمواد الغذائية والمصنوعات الكيميائية.
ستشكل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ لواشنطن هذا الشهر، وهي الأولى لزعيم صيني إلى أمريكا منذ عقد، أول فرصة لمعرفة مدى تصميم واشنطن المضي قدما في تهديداتها ضد الدول المتعاونة مع ايران، لاسيما وأن الصين ليست دولة من الدول الهامشية بالنسبة لإيران وانما دولة تغذيها بالسلاح والتكنولوجيا والسلع ذات الاستخدام المزدوج. كما وأنها تساعدها دبلوماسيا من خلال احباط أية قرارات أممية ضدها في مجلس الأمن، وعسكريا من خلال تزويد حرسها الثوري بصور ملتقطة بالأقمار الصناعية للقواعد والمنشآت الأمريكية في الخليج لتستهدفها.
فإذا ما قررت إدارة ترامب التعامل الصارم مع الصين كغيرها من الدول فإن من شأن ذلك أن تتعقد أكثر العلاقات الأمريكية الصينية المعقدة أصلا. وإذا كانت واشنطن تملك ورقة حرمان المنتجات الصينية من دخول أسواقها الواسعة أو تقييدها برفع الرسوم الجمركية إلى حدودها القصوى، فإن الصين قد ترد بتقييد تصدير المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة، وهو ما هددت به سابقا فأجبرت ترامب على التراجع نسبيا عن سياساته المتعلقة بالتعريفات الجمركية. كما وأن بكين قد تصعد باللجوء إلى ورقة تايوان بفرض حصار عليها.
ومن ناحية أخرى، ستواجه الولايات المتحدة معضلة اقناع دول أخرى أقل شأنا بالكف عن التعاون مع إيران. وتأتي تركيا، حليفتها في حلف الناتو على رأس القائمة باعتبارها ثاني أكبر مستورد للصادرات الإيرانية بعد الصين، ثم تأتي الهند، الشريك الإستراتيجي للولايات المتحدة والتي تعد مصدرا رئيسيا لواردات إيران من الغذاء والدواء. أما باكستان التي تلعب دورا غامضا في الوساطة وحظي قادتها هذا العام بمديح امريكي غير مسبوق فمتورطة في تهريب النفط الايراني وتساعد شركاتها المصرفية على اعادة أموال النفط المهرب والمباع إلى الخزينة الإيرانية بطرق ملتوية، يساعدها في ذلك الطرق البرية المعقدة والعلاقات التاريخية والقبلية التي تربطها بإيران.
وجملة القول أن بكين وموسكو هما اللتان تطيلان عمر النظام الإيراني، وإنْ تظاهرنا خلاف ذلك أمام دول الخليج العربية، وهما اللتان منعتا مرارا صدور قرارات أممية ضدها، وهما اللتان ستحولان دون تنفيذ العقوبات الامريكية بشكل مؤثر.
* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي
