لنحاسب أنفسنا قبل «الوافدين»!

0

 الاعتماد الشامل على «الوافدين» و«المقيمين» وعلى «العمالة الأجنبية»، أغرق المجتمع الكويتي منذ سنين طويلة في نوع مؤلم من ازدواجية القيم، وازدواجية الرواتب، وازدواجية الإنسانية، وابتلاه بالاتكالية والكسل وكل العلل، وخلق في النهاية شريحة من الكويتيين تفتح المكاتب والمحلات، وتقبض الرواتب السخية، فيما تلقى جوانب العمل المرهق والممل على الآخر!

ثمة تهجم ظالم في اعتقادي منذ فترة ليست بالقصيرة على المقيمين و«الوافدين» وغير الكويتيين عموما، مع ما نرى من عدم توجيه اللوم إلى المسؤولين الحقيقيين عن بناء قوة العمل والأداء الوظيفي بهذا الشكل الطفيلي غير المنتج في أحيان كثيرة، والاعتماد على هذا النمط الاستهلاكي من الاقتصاد النفطي.

علينا كذلك أن نقر ونعترف أننا غير قادرين على تغطية احتياجاتنا الحياتية والوظيفية والخدماتية دون هذا العطاء السخي الذي يقدمه المقيميون والوافدون من عرب وغير عرب، كما أن جانبا أساسيا من الاقتصاد الكويتي وقطاع العقارات- وهو قطاع لا يخص التجار و«الأثرياء» وحدهم كما يتوهم البعض- قائم على وجود الوافدين وخدماتهم، ولو تركوا البلاد لأي سبب من الأسباب لنشبت أزمة اقتصادية، ولتردّى المستوى المعيشي بشدة رغم وجود المال!

وعندما نحاول بموضوعية وتجرد تحليل تاريخ النهضة الحديثة في الكويت منذ عام 1950 مثلا إلى اليوم، نحو سبعين سنة، يتجلى لنا بوضوح، وبما لا يتطلب الكثير من الشرح والاستطراد، عطاء «الوافدين» والمقيمين والعمالة غير العربية، من أبناء وبنات الدول العربية والآسيوية وغيرها. فهؤلاء هم الذين قاموا عبر سبعين عاما بتحمل الكثير معنا، وأحيانا أكثر منا، في مجالات بناء الكويت وإدارتها وفي ميادين التدريس والعلاج ومختلف الوظائف الحكومية والخاصة، وفي التصدي لمشاكل كثيرة، وسط ظروف لم تكن سهلة دائما، عاما بعد عام بل جيلا بعد جيل، حيث عمل المصريون والفلسطينيون واللبنانيون والسوريون والهنود والإيرانيون والفلبينيون والإنكليز والأوروبيون والأميركيون وغيرهم!

صحيح أنهم قاموا بكل هذه الأعمال «مقابل راتب ومردود مالي»، وصحيح أنهم «حولوا الكثير من الأموال إلى بلدانهم» ودون ضرائب، وصحيح أن «رواتب الكثيرين منهم أعلى من رواتب أقرانهم في بلدانهم». ولكن حتى لو افترضنا صحة كل ما سبق فعلينا أن نتذكر أن المواطن الكويتي نفسه لا يعمل لوطنه مجانا، والمقبلون منهم على الأعمال التطوعية قلة، كما لا يمكن تجاهل حاجة الناس من كل نوع إلى المال والرفاهية. ثم إن الكويتي لن ينجز ما يقوم به «الوافد» و»الأجنبي» مقابل الأجر نفسه الذي يتقاضاه الكثير من الوافدين والآسيويين، بل حتى ولا ضعف هذا الراتب أو عشرة أضعافه.

ولو انتبهت المنظمات الدولية جيدا إلى فروق الرواتب في بلادنا، إلى جانب منع إعطاء الجنسية لغير المسلم بموجب القانون، لوجدنا أنفسنا في وضع لا نُحسد عليه، ثم إن الوافد يمضي أحيانا ثلاثين أو خمسين سنة وربما أكثر في الكويت، دون أن يحصل حتى على الإقامة الدائمة- دع عنك جواز السفر أو الجنسية- مهما كانت خدماته وحجم عطائه، في حين يحصل أي عربي أو هندي أو تركي أو إيراني في دول الغرب على الجنسية والجواز والمساعدة المادية وحق الانتخاب والترشح، وحق العمل والملكية والتجارة دون كفيل، وكل ما يجعله متساويا مع المواطن الأميركي والأوروبي الذي عاش أجداده في أوروبا وأميركا منذ قرون! ولا توجد بالطبع دولة عربية أو إسلامية واحدة تعطي «المهاجرين» إليها مثل هذه الامتيازات، بل ربما لا تسمح بهجرة أوروبي واحد إليها!

ولهذا كثيرا ما نجد المهاجر العربي أو الآسيوي هناك مديرا لبنك كبير أو جنرالا في الجيش أو وزيرا وربما حاكما للبلاد.

“وافد” لبناني من الكورة بات الآن رئيساً لخامس دولة في العالم بعدد سكانها ومساحتها:  ميشال تامر، رئيس البرازيل.

 

بالطبع، لا يمكن مقارنة ظروف وإمكانات تلك الدول بأوضاع الكويت، وإن كانت الحجة القانونية المساندة لهذا الزعم ضعيفة وربما لا إنسانية في بعض الأحيان، كما لا يعقل كذلك أن نعتصر ونكدس كل هذه الطاقات البشرية في بلادنا، دون أن تتمتع إلا بأقل الحقوق، وفي أحيان كثيرة يتعرض «الوافد» و»الآسيوي» لهضم الحقوق وامتهان الكرامة والبهدلة وغير ذلك.

وننسى في الكويت أن أوروبا وأميركا تستطيع أن تفعل مثلنا وأكثر! فتفتح أبوابها للعمالة الوافدة التي تتقاضى عُشر معشار راتب الأميركي والعامل الألماني والفرنسي مثلاً، وأن تمتلئ فلل أميركا وشقق أوروبا بالشغالات الفلبينيات والحبشيات والقادمات من دول أميركا اللاتينية والجمهوريات السوفياتية السابقة وغير ذلك، وتستطيع المرأة الأوروبية والأميركية أن تترك أطفالها لمربية أجنبية مقابل راتب ما، وتتمتع بحياتها وأسفارها إلى جزر الكاريبي والأدرياتيك!

ويستطيع المحامي الفرنسي والأميركي أن يضع ساقاً على ساق، أو يجلس بين أصدقائه في الديوانية ليلاً، وينهمك في الأسفار و»العطلات» نهاراً كلما سنحت الفرصة، فيما يكدح المحامي «الوافد» البلقاني والبولندي واليوناني أو الفنزويلي والبورتوريكي و»البدون» في مكتب هذا المحامي أو في عيادة ذاك الطبيب… إلخ. كل ذلك مقابل راتب بسيط لا يمس دخل المكتب أو العيادة أو الشركة!

ولكن القوانين الأوروبية والأميركية تمنع ذلك، كما أن المواطن الغربي نفسه لا يقبل ذلك، والمجتمعات هناك لا تستطيع أن تتعايش معه، وبخاصة بالحجم الذي نراه في بلدان العالم العربي «الغنية» وأحياناً «الفقيرة»!

هذا الاعتماد الشامل على «الوافدين» و«المقيمين» وعلى «العمالة الأجنبية»، أغرق المجتمع الكويتي منذ سنين طويلة في نوع مؤلم من ازدواجية القيم، وازدواجية الرواتب، وازدواجية الإنسانية، وابتلاه بالاتكالية والكسل وكل العلل، وخلق في النهاية شريحة من الكويتيين في مجالات مختلفة كالتجارة والمحاماة والصيدلة والإدارة، وربما حتى في إمامة المساجد والأذان، فتفتح المكاتب والمحلات، وتقبض الرواتب السخية، فيما تلقى جوانب العمل المرهق والممل على الآخر! وينال الكثير منا «بدلات العمل الشاق» والعلاوات الاستثنائية وأحياناً الدروع دون وجه حق.

يقوم الكثير من الكويتيين والكويتيات بأعمالهم بلا شك خير قيام، وما من وزارة أو إدارة أو مستوصف أو مخفر أو معسكر إلا تجد فيها وفيه الكثير من العاملين والموظفين الكويتيين المتفانين المخلصين، لكنك تجد كذلك للأسف الكثير من الموظفين اللا مبالين أو من هم في حالة غياب شبه دائم، فيما ترن الهواتف دون أن يرد أحد على المواطن المتصل بالوزارة والإدارة والمسؤول!

نحن بحاجة ماسة إلى دراسة ومحاسبة أنفسنا أولاً لا الوافدين!

الجريدة

Share.

Post a comment

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن

لنحاسب أنفسنا قبل «الوافدين»!

by خليل علي حيدر time to read: <1 min
0