سطوع وافول نجم سياسي

0

كتب لي زميل ، اعلامي فلسطيني يحرر موقع على الشبكة العنكبوتية ، رسالة يطرح فيها هموم اليسار العربي، والفلسطيني ضمنه بالتاكيد أو “اليسار الدمقراطي” حسب تعبيره الدقيق، طارحا بعض الاشكاليات في طريق التنسيق والعمل الموحد لليسار . كذلك يطرح موضوعة هامة للغاية ، يسميها “الفردية المدمرة” و “القومية غير محددة الملامح سياسيا”. ليصل الى بيت القصيد في ما يقلقه ، فيسمي الآفة باسمها بقوله انه يشعر بضيق كبيرفي الفترة الأخيرة من نهج الدكتور عزمي بشارة ، وتحديدا بتسويقه ” ظلامية دينية هي حماس “، ويقول انه يعتقد ان : “عزمي باصراره على القومية العمياء يتكامل موضوعيا” …” ( ربما يقصد يتكامل مع حماس وأشكالها المتعددة الأسماء في العالم العربي ؟- نبيل ) ويعبر عن قلقه : “من الاحتكار الذي تمارسه المؤسسة الاعلامية ( العربية) لعزمي بشارة”.

انتهت الرسالة .

نحن لسنا غافلين عن الاحتكار الاعلامي الذي توفرة بعض الفضائيات العربية لبعض الأوساط تحت صيغ تبدو “سوبر قومية”، وخاصة قناة القرضاوي (الجزيرة) صاحب الفكر الظلامي، القناة التي روجت لكل ما هو ظلامي في العالم العربي والعالم الواسع، من القاعدة حتى حماس حتى فتح الاسلام ومن هم على شاكلتهم،وسوقت وتسوق الطغيان العربي ( نموذج طاغية العراق السابق صدام حسين. واليوم يتحدثون عن وثائق تثبت شراء صدام لولاء الجزيرة لنظامه بمبالغ شهرية كبيرة) وأعطت تغطية اعلامية ممتازة لفتح الاسلام في لبنان والقاعدة وطالبان في افغانستان .. وروجت لنهج الزرقاوي في العراق، ولورثائه..

قناة الجزيرة، رغم ما انجزته من قفزة اعلامية في الاعلام العربي، الا انها تواجه في السنوات الأخيرة ارتدادا ظلاميا، قد يفقدها طليعيتها لحساب قنوات منافسة ، تتميز بنهج عقلاني وواقعي في اعلامها .

لنا نقاش غير بسيط مع نهج الدكتور عزمي بشارة، الذي أوصله الى ما هو به الآن، لاجئ سياسي باختياره الحر. ونعرف ان عزمي ليس مجرد “آخر” في برمجة الجزيرة الاعلامية، ومهما كان خلافنا السياسي معه، وتناقض مفاهيمنا وقناعاتنا، الا انني لا أستطيع الظن ولو للحظة بأن عزمي بشارة يجهل حقيقة الجزيرة، وحقيقة صاحبه حسن نصرالله، وحقيقة الأنظمة التي احتضنته .

بالتأكيد، العرب في اسرائيل ليسوا الهدف الاعلامي المباشر للجزيرة وما نحن الا مجرد حجر شطرنج له مربعه، ولكنه ليس حجرا اساسيا وحاسما في اللعبة السياسية الشطرنجية للقوى المقررة في سياسة الاعلام الفضائي، وفي القرار السياسي العربي. ويظل عزمي نجماً اعلامياً سطع بقدراته الفكرية والسياسية والتنظيمية والماليةالتي لا يستهتر بها أحد، ولا يشك أحد بقيمة ما أنجزه في كمل المجالات المذكورة .

صحيح اني أفضل اتجاها فكريا وسياسيا آخر لا يلتقي مع نهج عزمي، يعطي أفضلية للسياسات الداخلية، ولايجاد صيغة حوار مع المجتمع اليهودي، والنضال من أجل تجنيد القوى اليهودية الدمقراطية والليبرالية الى جانب دعم مطالب المساواة وحقوق الانسان للعرب الفلسطينيين مواطني اسرائيل، وأرى ان ذلك سيفتح الباب الواسع لتجنيد أوساط واسعة من أجل الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني باقامة دولته المستقلة بحدود 1967. ومن الواضح ان ما أطرحه قد لا يقع جيدا على آذان القومجيين عندنا أو في العالم العربي، الذين تعودوا على خطابات قومية من عرب اسرائيل ومن تيارات قومية عربية، كلما ازدادت تفككا وضعفا ازداد صراخها وتطرفها .

ان نهج الدكتور عزمي بشارة أبعدنا، وأعاق لمدى طويل… انجاز العديد من المطالب المشروعة والملحة، على المستوى الاجتماعي والاقتصادي واليومي، وخلق ردود فعل سلبية داخل اسرائيل، في أوساط كان من المفروض ان تدعم التطلعات السياسية والاجتماعية المشروعة للأقلية العربية، وجند الاعلام العبري في حملة تحريض شملت كل الجماهير العربية. حقاأعطته نجومية أكبر في العالم العربي، وخاصة في الاعلام العربي. ولكن هل قيم أحد النتائج السلبية على القضايا المطلبية الملحة والهامة للعرب في اسرائيل ..؟!وعلى نسيج العلاقات بين الأقلية العربية والأكثرية اليهودية؟! هل قيم أحد الخسائر السياسية والمطلبية الكبيرة للمجتمع العربي في اسرائيل من المواقف “السوبر قومية”؟! هل قيم أحد الخسائر الاقتصادية من ابتعاد اليهود عن أسواقنا نتيجة أجواء التحريض؟

لا ادافع عن الحملات المعادية للجماهير العربية، ولكننا، ولنفهم هذا الأمر بوضوح، لا نستطيع أن نتصرف حسب العقيدة التوراتية، العين بالعين والسن بالسن. لا نستطيع ان نواجه التحريض العنصري بعنصرية مضادة. ما أقوله ليس قطف للرأس، انما مواجهة العنصرية بمنطق سياسي. هل هذا مستحيل؟ أبدا.. تجربتناالسياسية في العقود الأشد سوادا على الجماهير العربية من تاريخ اسرائيل أثبتت قدرتنا.. واذا كانت الساحة اليوم مهيئة للنشاط السياسي القومي والسياسي الديني بحرية مطلقة، فهذا انجاز للحنكة السياسية التي ميزت جيل الطليعة الشيوعية في الحقبة بالغة السواد، ولكنها الحقبة التي أخرجتنا من الضياع والتشتت وجمعتنا شعبا متماسكا، قبل ان نبدأ نتشرذم طائفيا وعائليا في مرحلة الرفاه والحريات النسبية الواسعة جدا .

هل هناك من يظن اننا نملك القدرة على مواجهة عنصرية الأكثرية القومية (العنصرية اليهودية) بعنصرية الأقلية القومية (العنصرية العربية) ؟؟

هل حقا أغلقت كل الطرق للتحاور العقلاني وللطروحات غير المتشنجة؟!

لا شكوك لدينا بالمفاهيم السائدة لدى أوساط واسعة في المجتمع اليهودي بكل ما يتعلق بالأقلية العربية. لكن ما الحل ايها النجوم السياسيين؟؟ هل نضاعف الشكوك، ام نناضل من أجل تغيير النظرة السلبية؟؟

لنا تجربة سياسية تاريخية لا يمكن تجاهلها والاستهتار بها، تجربة الحزب الشيوعي الاسرائيلي في العقود الثلاثة الاولى بعد اقامة الدولة. للأسف هذه التجربة تدفن اليوم بلا نعي ويتحول الحزب الى شركة دفن للفكر والتجربة والتاريخ النضالي. هذه التجربة عاشها أيضا الدكتور عزمي بشارة وتكون وعيه في اطارها، ولكن متطلبات النجومية، وشهوة السيطرة، عبر الفكر والطرح السياسي والقوة المالية، كان لها أولوية على قناعاته .

ما أنجزه عزمي بشارة من “شعبية” في أوساط الأنظمة المشبوهة في العالم العربي وفي بعض اوساط العرب في اسرائيل،وفي أوساط قومية عربية هو انجاز غير بسيط .

من المستفيد الأساسي من نجم مقاوم للصهيونية في عقر دارها، ويعطي صكوك الغفران لأنظمة تقبر في سجونها الفكر والمفكرين والمناضلين من أجل الدمقراطية والتطور؟!

هل هم العرب في اسرائيل؟!

من المستفيد من مناضل ومفكر وسياسي وأديب وفيلسوف، بكل ما تحمله هذه الكلمات من معانى وأبعاد، حين تطرحه أنظمة البطش العربية، كنموذج للمثقف العربي الحديث، الذي يرى ببطشها صيانة للنظام الوطني، وتعزيزا للانتماء القومي؟!

هل هم العرب في اسرائيل؟!

ان معرفتنا بالبضاعة والتاجر اثبتت نفسها،وكانت رؤيتي من اليوم الأول لظاهرة بشارة انها انعكاس للحالة الفكرية المتحجرة وللجسم المريض والمأزوم للحزب الشيوعي، الذي أفرز أعداءه من داخلة، ومن بين حلفائه المقربين ، بدءا بتنظيم الحركة التقدمية، التي تلاشت خلال عقد ونصف العقد من السنين .. ليرثها الدكتور عزمي بشارة، طبعا بمفاهيم وقدرات لم تتوفر للتنظيم المتلاشي وللشخصيات التي شكلته .

رسالة الزميل الآعلامي (التي ذكرتها في بداية مقالي) أعادتني للظاهرة المتهاوية اليوم التي يمثلها الفكر القومي المندمج بالفكر الظلامي الذي يسوقه فصيل كبير من القوميين العرب (ولنا حصة جيدة في ترويجه) تحت شعارات عروبية براقة، وبتغطية اعلامية من الفضائيات العربية، ومن أنظمة عربية فاسدة، حتى لو تلفعت بكل الشعارات القومية .

بالطبع ظاهرة بشارة اليوم تتحول الى مشهد أقرب للمأساة منها الى الدراما السياسية. مشهد فاجأنا وأذهلنا. وبصدق لا اتمنى هذا المصير لأي مناضل سياسي مهما اختلفنا معه سياسيا وفكريا. ان افول نجم عزمي يشكل ضررا كبيرا لفصيل سياسي واسع. كنا نتمنى ان يجد هذا الفصيل طريقه لتوحيد اليسار العلماني بكل اتجاهاته، اذ باتت هذه القضية ملحة ومصيرية أكثر من أي وقت سابق. الأمر الأساسي ان عزمي في اطار نشاطه السياسي والفكري، يشكل جزءا من التيار العلماني المتنور، وهذا الأمر اساسي وحاسم في هذه الأوقات الحرجة التي تواجة مجتمعنا العربي الفلسطيني في اسرائيل. ان ما نواجهة ليس تحديا وجوديا بمواجهة الفكر الصهيوني ونظام التمييز والاضطهاد القومي فقط، انما تحديا حضاريا، بين ان نكون مجتمعا وطنيا متماسكا متعاضدا قابل للتطور والنضال من أجل مطالبة الوطنية والحقوقية، أو مجتمعا متفككا بين انتماءات طائفية وعائلية وقبلية تشده الى الخلف وتعمق انعزاله السياسي والاجتماعي دخل اسرائيل .

واقول بوضوح، وأعرف ان كلامي جارح وقاس على البعض، ولكنها الحقيقة المؤلمة: ان ظاهرة التفكك الاجتماعي للعرب في اسرائيل تزداد تعمقا واتساعا، لدرجة بات من الصعب على الكثير من المواطنين العرب رؤية بارقة أمل في مستقبل مجتمع لم تعد تربطه ببعضه الا الشعارات الفارغة من المضمون. مجتمع تتعمق تناقضاته وتتشعب.. وتتعمق الشروخ الخطرة بين أبنائه .

ولا بد من السؤال المؤلم: هل هرب عزمي بشارة من العنف الصهيوني بسبب مواقفه الوطنية النضالية، وبسبب طروحاته السياسية التي “اربكت وفضحت عالميا” سياسة التمييز العنصري والقمع البوليسي ضد العرب في اسرائيل؟..

لا أعزائي، رفاق عزمي في الداخل، أعضاء حزبه ومؤيديه، عزمي لم يغادر الوطن بسبب “مؤامرة صهيونية”. وانا على ثقة انه تورط بأمر لا يليق به.. وكان عليه ان يكون أكثر انتباها. المبالغ التي يتحدثون عنها لا تقول لي شيئا.. ولا أرى غضاضة في جلب المليارات اذا كانت ستذهب لدعم مؤسسات وابحاث ضرورية لمجتمعنا، وأعرف ان جمعيات عزمي تنشط بشكل واسع في العديد من المجالات الهامة جدا والملحة جدا، رغم انها أحيانا تخضع لتغطية أهداف اعلامية وحزبية .

آمل ان لا يجلب عزمي المزيد من الضرر للفكر القومي، وان يخرج القوميون الحقيقيون من القوقعة القومية المحدودة والضيقة، وان يعود للحركات القومية العربية، وعندنا أيضا… اتزانها الفكري خدمة أيضا لنضال العرب داخل اسرائيل من أجل مطالبهم القومية والحقوقية. ومن المهم ان لا يستمر الصمت، حين تبطش الأنظمة العربية بالدمقراطيين العرب. وان لا يواصل عزمي أو سائر القوميين منهجهم غير المحدد الملامح، وان يسموا الظلامية الدينية باسمها، حتى لو كانت فلسطينية ومناضلة ضد الاحتلال، لأن ما سببته من ضرر لقضية الشعب الفلسطيني، عبر كل تاريخ نضالها، هو بمثابة كارثة أخرى لا نرى نهايتها بعد ..

ماذا يعني ان تكون قوميا؟

الأحزاب القومية في اوروبا اليوم هي أحزاب يمينية ذات ملامح فاشية. حزب البعث “القومي” هو حزب عصابة عسكرية، سياسية طائفية قبلية متخلفة، تتعامل مع الوطن كله كمزرعة شخصية للعصابة الحاكمة ، وتتعامل مع الشعب كجوقة واجبها ان تصفق أو تقمع !!

عزمي الذي يكثر من الثرثرة حول الهوية، لم يحدد هويته السياسية القومية): هل قومية عزمي هي احتجاج لفظي ضد النظام الاسرائيلي يعود عليه بالكسب السياسي، أم احتجاج قومي حقيقي ضد النظام العربي المتخلف والظالم والسارق والذليل امام امريكا والغرب المتغطرس على شعوبنا العربية؟!

ان القومية العامة الضبابية غير الملتزمة، الجبانة، التي لا تجابه أي نظام عربي خائن ودكتاتوري، هي قومية فارغة… لا تحمل مشروعا ولا تقود لنضال.وسؤالي: كيف يلجأ قومي عربي لحكام تابعين اذلاء للنظام الأمريكي أو للنظام الايراني؟

من اليوم الأول استوعبت أن ما يقوم به عزمي ليس مشروعا قوميا بل فذلكات مثقف،لذلك لم استطع ايجاد طريقي الى صفوف حزبه. لا أنفي ان تأسيس مشروع قومي علماني متنور هو مشروع مهم، خاصة بعد انهيار كل المشاريع القومية العربية السابقة، من ناصرية وبعثية، وانهيار المشاريع اليسارية الماركسية أيضا. ولكن بأسف أقول ان ايديولوجية عزمي بشارة القومية لم تتجاوز عزمي بشارة نفسه. لا يمكن لمناضل حقيقي، قومي أو اجتماعي أن يتعايش معها، فهل بالصدفة ان حزب عزمي كان نسخة عن البعث السوري: الزعيم يخطب والقطيع يصفق؟

كنت أتمنى لو استغل عزمي طاقته فعلا لمشروع قومي بالمعنى الحقيقي للتوعية القومية وللنضال القومي،وللمفهوم الانساني للقومية بعيدا عن العنصرية، بعيدا عن الظلامية القومية التي قادت مجتمعات راقية للفاشية والنازية، وانطلاقا من رؤية ان الشعب هو البطل، لا النجم الوحيد الأوحد .

عزمي اختار للأسف ان يكون صورة كاريكاتيرية بائسة للزعامات البعثية التي دمرت سوريا ودمرت العراق ودمرت لبنان ودمرت قبل ذلك الوحدة المصرية السورية.

شعبنا العربي الفلسطيني وشعوبنا العربية يجب ان يتعلوا الدرس الحقيقي من سطوع وأفول “السوبر ستار” السياسي، النجم الأعلى لوسائل الاعلام الظلامية .

القائد الحقيقي صاحب الرؤية التاريخية والحلم القومي الحقيقي، لا يمكن ان يكون تاجرا وجامعا للأموال الملوثة.القائد الحقيقي يندمج بقضية شعبه، وقد يصل للسجن بسبب مواقفه النضالية.. منديلا كان واحدا من أولئك القادة. مروان البرغوتي نموذج آخر للمناضل والقائد الحقيقي .

اني أسأل نفسي بالم جارح: متى يتعلم شعبنا التفريق بين القومي وبين مدعي القومية؟ بين المناضل للحرية والاستقلال والتقدم الاجتماعي للشعب، ومن يريد الاغتناء في كل المفاهيم والمقاييس، المالية والسياسية والثقافية؟

لماذا يجب ان نجرب دائما ونخسر سنوات لا يمكن تعويضها قبل ان نكشف التضليل والضلال؟

المجد لأبطال النضال الوطني الدمقراطي في أوطاننا، من أجل الحرية والدمقراطية والتعددية وحقوق الانسان واحترام المرأة ومساواته، وبناء دولة المؤسسات والقضاء على الفساد، القابعين في سجون الأنظمة القمعية، والذين سيطلعون الفجر العربي الجديد، حتى بثمن دفع حياتهم ثمنا لتحرر أوطانهم .

اؤلئك هم الأبطال القوميون، لا النجوم الآفلة ومروجي الآيديولوجيات القومية الظلامية، أو الدينية الظلامية، أو اليسارية الظلامية… والمغتنين من عذاب شعبنا وسائر الشعوب العربية المقهورة .

كاتب وناقد واعلامي – الناصرة

nabiloudeh@gmail.com

Comments are closed.

Share.

اكتشاف المزيد من Middle East Transparent

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading