في ظل الدور الديني/ المذهبي والسياسي الثوري الذي تلعبه “جامعة المصطفى العالمية” من خلال تجنيد الطلبة الأجانب الذين درسوا في الجامعة وإرسالهم إلى بلدانهم، وذلك لدعم دولة ولاية الفقيه والدفاع عن مشروع الجمهورية الإسلامية، كان للحرس الثوري الإيراني دورا مهما في هذا الإطار. فحسب مراقبين توجد حالات موثقة واتهامات رسمية بوجود تداخل بين بعض شبكات الطلاب الأجانب المتخرجين من الجامعة وبين أنشطة الحرس الثوري، خصوصا في مناطق الصراع.
في ديسمبر 2020 فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على جامعة المصطفى، وقالت إن الجامعة استُخدمت كمنصة للتجنيد، بما في ذلك لأفراد مرتبطين بميليشيات أجنبية يقودها “فيلق القدس”. كما اتهمتها باستخدام مرافق في مدينة قم في عمليات تجنيد لأفغان وباكستانيين.
يقودنا هذا الأمر لاستنتاجٍ مهم، وهو أن مسار جامعة المصطفى لم يكن فحسب مسارا دينيا تعليميا، بل كان هناك مسار آخر ثقافي/ سياسي، وثالث أمني/ عسكري. وهي مسارات تتقاطع بين بعضها البعض.
وحزب الله اللبناني هو النموذج الأوضح في هذا الإطار. فالثورة الإيرانية لم تقتحم لبنان من الصفر، إنما كانت هناك بيئة شيعية لبنانية ورجال دين لبنانيين وحركات ومؤسسات موجودة أصلا.
لكن بعد الثورة نشأت علاقة أعمق بين إيران وشرائح من الحركة الشيعية اللبنانية، وكان حزب الله أحد أهم نتائج هذه العلاقة. وكانت قم وحوزاتها الدينية وبالذات جامعة المصطفى مصدرا للفكر وللتدريب الديني والتمويل للطلبة اللبنانيين مستندة في ذلك إلى مرجعية سياسية ودينية، إضافة إلى الدور السياسي والعسكري للحرس الثوري على الأرض اللبنانية، ما أدى إلى أن تصبح لبنان نقطة إنطلاق عسكرية وانتشار دينية إقليمية. ثم انتشر هذا النموذج لاحقا في بلدان أخرى مثل العراق وسوريا واليمن وأفغانستان وباكستان.
وكان العراق، كمثال، أكثر تعقيدا من لبنان، بسبب وجود حوزة النجف، المنافس التاريخي لحوزة قم والمركز الفقهي الشيعي الرافض لنظرية ولاية الفقيه السياسية ولأن هذه الحوزة تمثل الثقل المرجعي الفقهي للشيعة حول العالم ومركز ما يسمى بالمرجعية الأعلى لا أقل خلال المائة سنة الأخيرة.
بعد 1979 حاولت الجمهورية الإسلامية أن تجعل قم هي مركز الثقل الشيعي في العالم، ونشأ نوع من المنافسة مع النجف ليس فقط من الناحية العلمية/ الفقهية، وإنما أيضا حول مفهوم المرجعية، وعلاقة رجل الدين بالسياسة، وولاية الفقيه، وطبيعة الدولة الإسلامية.
وتشير دراسة أكاديمية صادرة عن جامعة المصطفى إلى أن توسع الجامعة كان مرتبطا أيضا بالمنافسة مع حوزة النجف ومحاولة جعل قم مركزا عالميا لتعليم الفقه الشيعي.
إن مسألة “تصدير الثورة” لم تكن تعتمد على مؤسسة واحدة، بل على منظومة تضم جامعة المصطفى، والحوزة، ومكتب المرشد، ومؤسسات الدولة، والحرس الثوري وفيلق القدس، مع اختلاف الأدوار بين كل جهة. وهذه المسألة لم تكن ناجحة بالدرجة نفسها في كل البلدان، ففي بعض الأماكن أنتجت نفوذا دينيا وثقافيا، وفي أماكن أخرى أصبحت جزءا من شبكات سياسية، وفي حالات محددة تداخلت مع شبكات عسكرية.
