إعادة بناء الجيش السوري بين النفوذ التركي ومعادلة الردع مع إسرائيل
منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، دخلت سوريا مرحلة إعادة تشكيل عميقة لمؤسسات الدولة وموازين القوة فيها. وفي قلب هذا التحول برزت تركيا بوصفها القوة الخارجية الأكثر قدرة على التأثير في عملية إعادة بناء الجيش والأجهزة الأمنية السورية.
لكن السؤال لم يعد: هل تدعم تركيا سوريا الجديدة؟
بل أصبح أكثر تعقيدا: هل تساعد أنقرة دمشق على بناء جيش وطني مستقل، أم تؤسس لنفوذ عسكري طويل الأمد يجعل الجيش السوري مرتبطا بها استراتيجيا؟
حتى الآن، لا توجد أدلة علنية كافية للقول إن تركيا تسيطر على الجيش السوري أو تدير قراراته بصورة مباشرة. لكن المؤشرات المتراكمة تكشف انتقال العلاقة من دعم فصائل سورية إلى شراكة عسكرية مؤسسية تشمل التدريب والاستشارات ونقل الخبرات والتسليح والمساعدة في إعادة بناء القوات المسلحة.
من دعم الفصائل إلى بناء المؤسسة العسكرية
تمتلك تركيا أوراق نفوذ يصعب على أي قوة أخرى منافستها داخل سوريا: حدود طويلة، وجود عسكري سابق، علاقات مع فصائل سورية، خبرة ميدانية، شبكات أمنية واستخباراتية، وصناعة دفاعية قادرة على توفير العربات والطائرات المسيّرة والذخائر وبعض منظومات الدفاع الجوي.
والأهم أن أنقرة لم تعد تتعامل مع سوريا باعتبارها ساحة فصائل متنافسة، بل باعتبارها دولة تحتاج إلى جيش مركزي قادر على احتكار السلاح.
في أغسطس/آب 2025، وقعت تركيا وسوريا مذكرة تعاون عسكري تضمنت، بحسب ما نقلته رويترز عن وزارة الدفاع التركية، توفير منظومات سلاح ومعدات لوجستية وتدريب القوات السورية على استخدامها، إضافة إلى تبادل الخبرات والاستشارات.
ثم جاء عام 2026 ليعطي هذا التعاون بعدا أكثر مؤسسية، مع مشاركة عسكريين سوريين في تدريبات ومناورات تركية، بينها EFES-2026، التي شاركت فيها قوات من عشرات الدول.
هذه التطورات لا تثبت وجود وصاية تركية على الجيش السوري، لكنها تثبت شيئا أكثر أهمية: تركيا أصبحت شريكا في عملية بناء المؤسسة العسكرية السورية نفسها.
وهنا يكمن النفوذ الحقيقي.
النفوذ لا يحتاج إلى احتلال
السيناريو الأكثر واقعية ليس أن تصبح سوريا «دولة تركية»، بل أن تتحول إلى دولة ذات اعتماد عسكري واستراتيجي عميق على تركيا.
فإذا أصبح الجيش السوري يعتمد مستقبلا على تركيا في التدريب والصيانة والذخائر والطائرات المسيّرة والاتصالات والقيادة والسيطرة والحرب الإلكترونية، فإن أنقرة ستمتلك قدرة كبيرة على التأثير في المؤسسة العسكرية السورية حتى من دون وجود ضباط أتراك في مواقع القيادة.
وهذا يختلف تماما عن مفهوم السيطرة المباشرة.
لذلك فإن التعبير الأدق في المرحلة الحالية هو:
نفوذ عسكري تركي مؤسسي متزايد، وليس وصاية عسكرية مثبتة.
وهذه نقطة مهمة، لأن مستقبل الجيش السوري لن تحدده كمية السلاح التي يحصل عليها، بل من يساهم في صياغة عقيدته العسكرية وشبكة قيادته وتسليحه وتدريبه.
إسرائيل: سوريا القوية أم سوريا المرتبطة بتركيا؟
هنا تبدأ المعادلة الأكثر حساسية.
إسرائيل اعتادت خلال السنوات الماضية العمل في بيئة سورية ضعيفة، ومنهارة عسكريا، ومفتوحة أمام الضربات الجوية. لكن ظهور دولة سورية جديدة تحاول إعادة بناء جيشها يغير هذه البيئة تدريجيا.
الخطر الإسرائيلي لا يرتبط فقط بإعادة بناء الجيش السوري، بل بمن يساعد في بنائه.
فإذا اقتصر التعاون التركي السوري على تدريب القوات وحماية الحدود ومكافحة التنظيمات المسلحة، يمكن لإسرائيل التعامل معه.
أما إذا تطور إلى وجود عسكري تركي دائم، أو منظومات دفاع جوي متقدمة، أو رادارات عسكرية، أو قدرات حرب إلكترونية، أو طائرات مسيّرة بعيدة المدى، أو مراكز قيادة وسيطرة مشتركة، فإن الحسابات الإسرائيلية ستصبح أكثر تعقيدا.
وهنا تظهر المفارقة:
سوريا الضعيفة تمثل فراغا أمنيا، لكن سوريا القوية قد تمثل تحديا استراتيجيا جديدا لإسرائيل، خصوصا إذا كانت هذه القوة مرتبطة عسكريا بتركيا.
هل تبني تركيا سوريا لمواجهة إسرائيل؟
رغم تصاعد التنافس التركي الإسرائيلي داخل الساحة السورية، لا توجد حتى الآن أدلة كافية على أن أنقرة تبني الجيش السوري بهدف خوض حرب مع إسرائيل.
تركيا لديها مصالح أوسع بكثير: منع قيام كيان كردي مسلح على حدودها، تثبيت وحدة الدولة السورية، منع عودة النفوذ الإيراني، الحد من الفراغ الروسي، حماية حدودها، وتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني في دمشق.
كما أن الدخول في حرب مباشرة مع إسرائيل سيكون خيارا شديد الكلفة بالنسبة لتركيا، العضو في حلف الناتو وصاحبة المصالح الواسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا.
لذلك فإن السيناريو الأقرب ليس حربا تركية إسرائيلية مباشرة من الأراضي السورية، بل منافسة استراتيجية طويلة الأمد قد تشمل الاستخبارات، والحرب الإلكترونية، والضربات المحدودة، والصراع على القواعد والنفوذ وترتيبات الأمن في جنوب سوريا.
هل يمكن أن تصبح سوريا جبهة جديدة ضد إسرائيل؟
نظريا نعم، لكن ذلك ليس السيناريو الأكثر ترجيحا في الوقت الراهن.
فالجيش السوري لا يزال في مرحلة إعادة التشكيل، ودمج الفصائل لم يكتمل، ومؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية لا تزال هشة. كما أن وجود قنوات تفاوض سورية إسرائيلية، إلى جانب الاتصالات التركية الإسرائيلية لمنع الاحتكاك العسكري، يشير إلى أن الأطراف الرئيسية لا تزال تفضل إدارة الصراع على تفجيره.
لكن المعادلة يمكن أن تتغير إذا اجتمعت عدة عوامل:
فشل المفاوضات السورية الإسرائيلية. توسع الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية. اكتمال إعادة بناء الجيش السوري. حصول دمشق على قدرات صاروخية ومسيرة ودفاع جوي متقدمة. انتقال جماعات فلسطينية مسلحة إلى الجنوب السوري. ظهور قرار سياسي باستخدام الأراضي السورية ضد إسرائيل.
عندها يمكن أن تتحول سوريا من دولة في مرحلة إعادة بناء إلى جبهة عسكرية جديدة.
لكن حتى في هذه الحالة، لن يكون السلاح وحده هو العامل الحاسم.
العامل الحاسم: من يقرر استخدام القوة؟
قد تمتلك سوريا خلال السنوات المقبلة طائرات مسيرة، ودفاعا جويا، وقوات خاصة، وربما قدرات جوية وصاروخية أكثر تطورا. لكن امتلاك هذه القدرات لا يعني بالضرورة استخدامها ضد إسرائيل.
هناك فرق بين القدرة العسكرية والنية الاستراتيجية والقرار السياسي.
وهذا هو الدرس الأهم في قراءة مستقبل سوريا.
فالخطر الأكبر ليس أن تصبح سوريا قوية، وإنما أن تصبح لديها قدرات عسكرية متقدمة في ظل دولة غير مستقرة، أو جيش غير موحد، أو فصائل قادرة على اتخاذ قرارات منفردة.
عندها قد تبدأ الأزمة بعملية محدودة لا تقررها دمشق، ثم يأتي الرد الإسرائيلي، فتجد الحكومة السورية نفسها مضطرة للرد، قبل أن تتدخل تركيا أو قوى إقليمية أخرى.
وهكذا يمكن أن تتحول حادثة صغيرة إلى أزمة إقليمية واسعة.
تركيا ليست اللاعب الوحيد
ورغم صعود النفوذ التركي، فإن سوريا لا تتحرك في فراغ.
السعودية ودول عربية أخرى تحاول دعم استقرار الدولة السورية وإعادة دمجها إقليميا، بينما تحتفظ روسيا بأشكال من الحضور والتعاون، وتواصل الولايات المتحدة وأوروبا متابعة ملف الاستقرار والأمن ومكافحة التنظيمات المسلحة.
وفي أغسطس/آب 2026، عزز الاتفاق الدفاعي الثلاثي بين تركيا والسعودية وباكستان شبكة التعاون العسكري بين هذه الدول، خصوصا في مجالات التدريب والتكنولوجيا والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية. لكنه لا يعني أن سوريا أصبحت جزءا من هذا التحالف.
ومع ذلك، يمكن أن تستفيد دمشق مستقبلا بصورة غير مباشرة من هذا التطور، خصوصا إذا تحولت العلاقات مع الرياض وأنقرة وإسلام آباد إلى شراكات أوسع في التدريب والأمن والدفاع.
2026 ـ 2030: معركة تحديد هوية الجيش السوري
خلال السنوات المقبلة، لن يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت سوريا ستعيد بناء جيشها. من المرجح أنها ستفعل.
السؤال الحقيقي سيكون:
من سيبني هذا الجيش؟
ومن سيحدد عقيدته؟
ومن سيزوده بالسلاح؟
ومن سيؤثر في منظومة قيادته واتصالاته وتدريبه؟
وهل سيكون جيشا سوريا مستقلا يستفيد من الشراكة التركية، أم جيشا وطنيا يعتمد بصورة عميقة على تركيا، أم مؤسسة عسكرية تتحول إلى ساحة تنافس بين تركيا وإسرائيل وروسيا والقوى العربية والغربية؟
المؤشرات التي تستحق المراقبة خلال المرحلة المقبلة واضحة: إنشاء قواعد تركية دائمة، نوعية منظومات الدفاع الجوي التي تصل إلى سوريا، حجم التدريب العسكري السوري في تركيا، إدخال أنظمة القيادة والسيطرة التركية، استمرار المناورات المشتركة، مستقبل المفاوضات السورية الإسرائيلية، وحجم الوجود العسكري الإسرائيلي داخل سوريا.
تركيا لا تسيطر، وفق الأدلة المتاحة، على الجيش السوري، ولا توجد حتى الآن مؤشرات كافية على أنها تستعد لاستخدامه في حرب ضد إسرائيل.
لكنها أصبحت الشريك العسكري الخارجي الأكثر تأثيرا في إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية السورية، وهذا بحد ذاته تحول استراتيجي كبير.
المشكلة المستقبلية لن تكون فقط في عدد الجنود أو الطائرات أو الصواريخ التي ستمتلكها سوريا، بل في العقيدة التي سيُبنى عليها الجيش الجديد، ومصدر تسليحه، وشبكة تحالفاته، والجهة التي سيكون لها التأثير الأكبر على قرار استخدام القوة.
ومن هنا قد يكون السؤال الأكثر أهمية في سوريا ما بعد الأسد ليس: هل ستدخل سوريا حربا مع إسرائيل؟
هل ستستعيد سوريا سيادتها العسكرية كاملة، أم ستبني جيشا قويا داخل شبكة نفوذ إقليمية تجعل قرار الحرب والسلم جزءا من صراع أكبر على مستقبل المشرق؟
عبدالله البنيه
