ينبغي للطبقة السياسية اللبنانية أن تتوقف عن الخلط بين الرعاية الإقليمية والمصلحة الوطنية. فقد كشف الانهيار الاقتصادي في البلاد حقيقةً ما زالت العديد من القوى السياسية في بيروت ترفض الاعتراف بها: الدول التي تمارس أعلى درجات النفوذ السياسي العلني على لبنان ليست هي نفسها الدول التي تتحمل عبء إبقائه واقفًا على قدميه.
الأرقام واضحة وصادمة.
بحسب تقرير الأمم المتحدة لتتبع المساعدات إلى لبنان لعام 2024، ساهمت ألمانيا بمبلغ 332.6 مليون دولار كمساعدات للبنان، والولايات المتحدة بـ329.3 مليون دولار، والاتحاد الأوروبي بـ296.5 مليون دولار، وفرنسا بـ137.9 مليون دولار. أما مساهمة السعودية فلم تتجاوز 200 ألف دولار عبر قنوات المساعدات الإنسانية والتنموية الموثّقة. وهذا يعني أن ألمانيا وحدها قدمت أكثر من 1600 ضعف ما قدمته السعودية.
حتى الأرقام الأوسع المتعلقة بالمساعدات السعودية تعكس الصورة نفسها. إذ تُظهر منصة “مركز الملك سلمان للإغاثة” أن إجمالي المشاريع في لبنان منذ عام 2019 بلغ نحو 60 مليون دولار فقط — وهو مبلغ متواضع جدًا بالنسبة لدولة تعاني واحدة من أسوأ الانهيارات المالية في التاريخ الحديث. فقد انهار النظام المصرفي اللبناني عام 2019، وتخلّفت الدولة عن سداد ديونها السيادية في 2020، وفقدت العملة اللبنانية معظم قيمتها، ولا يزال المودعون عاجزين عن الوصول إلى أكثر من 80 مليار دولار من مدخراتهم. ومع ذلك، وخلال سنوات الانهيار هذه، اختارت الرياض إلى حدّ كبير الانكفاء عن بيروت سياسيًا واقتصاديًا.
كان لهذا الانسحاب أثر بالغ. فلبنان لم يخسر مجرد حليف خليجي تقليدي، بل خسر مصدرًا رئيسيًا لعوائد السياحة والاستثمارات والتحويلات المالية والثقة، وذلك في اللحظة نفسها التي كانت فيها مؤسسات الدولة تضعف تحت النفوذ الآحذ بالتوسع لحزب الله. وفي الوقت ذاته، قلّصت سياسات “سَعوَدة” الوظائف التي انتهجتها السعودية الفرص المتاحة أمام العديد من اللبنانيين المغتربين الذين طالما اعتمدوا على العمل في الخليج كطوق نجاة اقتصادي.
خلال الفترة نفسها، اتبعت إيران نموذجًا معاكسًا تمامًا: استثمار عميق في حزب الله والمنظومة المحيطة به، بدلًا من الاستثمار في الدولة اللبنانية نفسها. وقد عزّز دعم طهران بنيةً عسكرية معيّنة، لكنه أضعف المؤسسات الوطنية وعزلَ لبنان أكثر عن رأس المال الدولي. وكان الضحايا الحقيقيون في نهاية المطاف هم اللبنانيون أنفسهم، بمن فيهم أبناء الطائفة الشيعية في جنوب لبنان الذين تحملوا كلفة الحروب المتكررة والدمار.
ويفترض أن يكون الاستنتاج الآن واضحًا ولا يمكن تجاهله: لا السعودية ولا إيران نجحتا في بناء دولة لبنانية مستدامة. إحداهما انسحبت من لبنان وهو ينهار، والأخرى استثمرت في بنية سلطة موازية سرّعت من تآكل الدولة.
لهذا السبب، ينبغي للأحزاب السياسية اللبنانية، وخصوصاً تلك التي ما زالت تضبط مواقفها وفقاً للتفضيلات السعودية، أن تعيد تقييم الاتجاه الذي تتحرك فيه المنطقة. فقد تظل الاجتماعات مع الموفدين السعوديين تحمل وزناً رمزياً في صالونات بيروت، لكن الرمزية لا تعيد رَسملة المصارف، ولا تثبّت العملات، ولا تعيد بناء الاقتصادات.
بدلاً من ذلك، ينبغي للأحزاب والجماعات اللبنانية أن تلتف حول جوزيف عون وأن تدعم الانفتاح الدبلوماسي الذي يشجّع عليه الرئيس دونالد ترامب باتجاه الحوار المباشر والمفاوضات المحتملة للسلام مع إسرائيل. ومهما بدا هذا المسار مثيراً للجدل اليوم، فإن منطقه الاقتصادي سيفرض تفسه بشكل متزايد مع مرور الوقت.
لن يتمكن لبنان من استعادة خسائره المالية من خلال التقشف وحده، كما أنه لن يتعافى عبر دورة جديدة من المواجهات الإقليمية. فالبلاد تحتاج إلى انطلاقة جيوسياسية جديدة قادرة على فتح الباب أمام حزمة إنقاذ دولية واسعة النطاق، واستعادة ثقة المستثمرين، وإعادة دمج لبنان في التحول الاقتصادي الجاري في منطقة شرق المتوسط وفي منطقة الخليج.
في هذا السياق، فإن السلام ليس مجرد طموح دبلوماسي فحسب، بل إنه يتحول بشكل متزايد إلى الاستراتيجية الاقتصادية الوحيدة القابلة للحياة بالنسبة للبنان.
إن بيئة إقليمية مُطبَّعة ومستقرة من شأنها أن تفتح المجال أمام الوصول إلى الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتعاون في مجال الطاقة، وتدفّقات السياحة، والشراكات التكنولوجية، على نطاق يستحيل تحقيقه في ظل حالة عدم الاستقرار الدائمة. كما أنها ستعزز الدولة اللبنانية في مواجهة الجهات المسلحة غير التابعة للدولة، وتمنح المؤسسات المالية الدولية والحكومات الغربية مبررات أقوى لدعم برنامج إنقاذ وإعادة إعمار حقيقي وفعّال.
لسنوات طويلة، برّرت الأحزاب والجماعات اللبنانية حالةَ الشلل السياسي بإسم تحالفات إقليمية. لكن التحالفات التي لم تحمِِ الاقتصاد اللبناني ولم تنقذ الدولة اللبنانية تستحق إعادة النظر فيها. إن السؤال الذي يواجه بيروت اليوم لم يعد أيديولوجياً، بل أصبح عملياً وقاسياً: أيّ طريق يمنح لبنان فرصة للبقاء؟
قد تكمن الإجابة في نهاية المطاف ليس في طهران أو الرياض، بل في استراتيجية «لبنان أولاً» التي تعطي الأولوية للتعافي الاقتصادي، والسيادة، والسلام، بدلاً من الخصومات الفارغة الموروثة من الماضي.
