لا يختلف اثنان بأن الوساطة والمفاوضات اداتان ضروريتان ومهمتان في إدارة النزاع اياً كان نوعه.
وفي لبنان ساد اختلاف في فهم المفاوضات ودورها خلال الحرب الحالية، لكن هذا الاختلاف سرعان ما تحول إلى خلاف بين المكونات الاجتماعية والسلطات على مختلف المستويات.
ومن شروط نجاح المفاوضات ان يكون الوسيط المحضّر لها حيادياً ويفهم أهداف كل طرف من اطراف النزاع.
يوم الخميس 14 ايار 2026، تبدأ المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية بإشراف ورعاية أميركية، وبذلك يكون قد حسم امر المشاركة الأوروبية سلبياً، القرار الأميركي واضح: عدم السماح لاحد بالتدخل في هذه المفاوضات، وتلقى هذه المفاوضات تأييداً عربياً عاماً وسعودياً على وجه الخصوص.
سيكون هناك وفود من الاختصاصيين الذين يحملون ملفات تتناول مختلف المجالات التي سيجري التفاوض عليها، وخصوصاً الجانب الأمني والعسكري.
حالياً إسرائيل تملك اوراقاً هامة بيدها ولديها رؤية لما تريد في الجنوب اللبناني.
ما تريده إسرائيل هو إنهاء القدرة العسكرية لحزب الله، ليس في جنوب الليطاني فحسب، بل في جميع المناطق التي تعتقد انه موجود فيها او له تأثير أمني عليها.
كما أنها اعلنت مراراً عن قرارها بناء منطقة عازلة وغير مسكونة وهي منطقة تضم 55 بلدة وقرية، ومنع اهاليها من الوصول إليها او التحقق من امكانية العودة الى ما تبقى من منازلها اذا بقي منها شيء،
اما مناطق شمال الليطاني فانها ستستمر بعملياتها العسكرية لتدمير اي وجود عسكري او أمني لحزب الله.
لذلك يبدو ان المفاوضات ستستمر فترة طويلة ليس بسبب الملفات المطروحة للنقاش بقدر ما يمكن ان تقوم به إسرائيل من ضربات أمنية وعسكرية.
وما يريده المستوى السياسي في إسرائيل هو اتفاقية مع لبنان تمنع عودة الأهالي وتفرض حظراً على المناطق الواقعة جنوبي الليطاني، وقد نشر المستوى السياسي خطة لتنظيم الحياة جنوبي الليطاني تكون شروطها وفق الشروط التي طرحها، وتكون السلطات المحلية ممسوكة بالكامل منها.
اما المستوى العسكري فيؤكد على تدمير وقصف اي شبهة قد تصل اليه، من دون الأخذ بعين الاعتبار موقف السلطة اللبنانية. وتجد إسرائيل نفسها في هذا المجال، تمسك الأوراق المطروحة بقوة تعتمد على ما توصلت اليه خلال شهرين ونصف من الحرب.
على الجانب اللبناني، فان الرؤساء الثلاثة متفقون على المفاوضات وعلى فريق العمل التقني الذي سيتابع تحضير الملفات والمفاوضات بإشراف من الرؤساء الثلاثة.
ربما يسأل البعض، وهل الرئيس نبيه بري موافق على ذلك؟ الجواب حاضر بسرعة، نعم انه موافق مع مساحة من الحرية لاطلاق تصريحات للاستهلاك السياسي المحلي، وخصوصاً بعد الانهيارات التي شهدتها المناطق الجنوبية.
المفاوضات مستمرة، والعمليات العسكرية مستمرة، وخصوصاً ان إسرائيل تفصل موقفها هذا ضد حزب الله، حتى عن ما يمكن ان تصل اليه المفاوضات بين أميركا وإيران.
على الرغم من الدمار الذي الحقته واشنطن وتل أبيب بايران، من تدمير قوى عسكرية ومؤسسات الطاقة واقفال هرمز، لكن كل هذه الحملات والانتصارات العسكرية لم تستطع ان تُحدث انقساماً ايرانياً داخلياً يجعلها تنهار، وجلست إيران على طاولة المفاوضات بصفتها طرفا يسعى الى دور إقليمي في المنطقة لم تستطع واشنطن شطبه. والرئيس ترامب وعلى الرغم من خطبه التي تحوي الكثير من المبالغة، لكنه يبدو أنه يتجنب الاستمرار بالحرب العسكرية ضد إيران خوفاً من اي انقلاب داخلي عليه، وخصوصا بعد اقتراب الانتخابات داخل الولايات المتحدة الأميركية، لذلك سارعت باكستان الصديقة للطرفين الإيراني والأمريكي للعب دور الوسيط ورعاية المفاوضات التي ايدتها ايضا الصين وروسيا.
المفاوضات في باكستان ستؤدي الى تسوية سياسية بين الطرفين تتضمن تقليص التخصيب، رفع بعض العقوبات، فتح هرمز، الصواريخ البالستية.
هذه التسوية السياسية التي يمكن ان يصل اليها الطرفان الأميركي والايراني لن تؤمن لإسرائيل الغلبة على صعيد المنطقة، وستشعر انها بخطر وخصوصاً اذا توصلا الى وقف إطلاق النار في المنطقة واستمرار وجود حزب الله عسكرياً، وترى اسرائيل أن ما سيحصل هو احتواء للمنطقة وليس حسماً كما تريد. كما ان دول الخليج والاردن تريد ان يتضمن اي اتفاق مع إيران وقف الدعم لأذرعها في لبنان، العراق، الخليج واليمن، وهذا هو شرطهم لتأييد الاتفاق.
لذلك تسعى إسرائيل لفصل المفاوضات مع لبنان عن المفاوضات الإقليمية.
وماذا عن نتائج المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية على الداخل اللبناني؟
انها ستزيد من عمق الانقسام بين المكونات اللبنانية المختلفة، وستوجد شرخاً داخل الطائفة الشيعية نفسها، وقد تؤدي إلى انهيار الثنائي الشيعي، ويفقد الموقع الشيعي موقعه المقرر في سياسة لبنان وتنشأ صيغة جديدة للحكم وخصوصاً اذا استمرت إسرائيل في خطتها المعلنة بإنهاء الوجود العسكري لحزب الله والوصول الى اتفاق سياسي مع السلطة اللبنانية يأخذ بعين الاعتبار واقع “الميدان”.
ويبقى السؤال كيف ستلتقي “منازل بيته الكثيرة” للوطن اللبناني كما وصفه المؤرخ كمال الصليبي عندما قال عن لبنان “بيت بمنازل كثيرة”

ـ لأن « الأوهام « الإيديولوجية القومية العربية » (يسارية أم غير يسارية) ما تزال سائدة، فأن الكاتب لا يناقش مسألة نزع سلاح حزب الله الإ بوصفها « مطلباً إسرائيلياً »! ماذا لو اعتبرنا ذلك مسألة « داخلية »، أي « لبنانية »؟ لنضع إسرائيل جانباً: هل يحق للبنانيين أن يطالبوا بدولة « طبيعية » تحتكر فيها دولتهم وحدها حق حمل السلاح، وقرار الحرب والسلم؟ أم أن ذلك يشكل « اعترافاً » غير مقبول قومجياً بـ « الكيان اللبناني »؟ ولينتبه الصديق هواري إلى أن رفض احتكار الدولة للسلاح هو مبرّر « طبيعي » و « منطقي » لدعوات « التقسيم » أو « الفيدرالية » أو ما كان يسمّى « الإنعزالية »؟ أو لـ « الحرب الاهلية »؟ وأضيف هنا أن أغلبية صارخة من « البيوت اللبنانية » حسب تعبيره، أي… قراءة المزيد ..
2ـ يقول وفيق هواري: « وما يريده المستوى السياسي في إسرائيل هو اتفاقية مع لبنان تمنع عودة الأهالي وتفرض حظراً على المناطق الواقعة جنوبي الليطاني، وقد نشر المستوى السياسي خطة لتنظيم الحياة جنوبي الليطاني تكون شروطها وفق الشروط التي طرحها، وتكون السلطات المحلية ممسوكة بالكامل م. » لو كان ذلك صحيحاً، فلا معنى للمفاوضات لأن أي « وطني لبناني » لن يقبل بالتنازل عن جنوب الوطن. لكن الحقيقة هي أن ما تطلبه إسرائيل هو سحب « حق التحرّش » بها الذي تمّت ممارسته انطلاقاً من الأراضي اللبنانية منذ العام 1968 وحتى الآن. خصوصاً في 2006 حينما طلب لاريجاني من نصرالله أن « يسخّن الجبهة قليلاً » لإسناد إيران… قراءة المزيد ..
1ـ يستحق مقال الصديق وفيق هواري النشر، ويستحق الرد، تحديداً لأنه يعبّر فقط، بل عن وجهات النظر السائدة في الجانب اللبناني والعربي. ولكن بدايةً، لنوضح نقطة جزئية، ولكن فائقة الأهمية: ليس صحيحاً أن السعودية ومصر والعرب عموماً يؤيدون موقف السلطات اللبنانية! وقد نشر « الشفاف » ردوداً على التحفظات السعودية والعربية في عدة مقالات كان أبرزها مقال وليد سنّو بعنوان: “لماذا لا يستطيع لبنان تَحَمٌّل ترفَ الإنتظار السعودي؟ » )https://middleeasttransparent.com/ar/?p=199309( وكان حرياً أن يلاحظ نقطة « صادمة »: أن « العرب » كلهم، بدون استثناء، انسحبوا إلى غير رجعة من الصراع العربي ـ الإسرائيلي منذ العام 1973، أليس كذلك؟ وأن الوحيدين الذين لم يُسمَح لهم بـ « الإنسحاب » كانوا… قراءة المزيد ..