ولأنّ للعواطف مكانًا في هذا الفضاء العربي الدّامي، فقد آن أوانُ هذا القريض الذي يسير على خطى القصيد العربيّ…
أحيانًا، هنالك لحظات يبتعد فيها المرء عن الخوض في تحليل الأحداث التي تجري على الساحة، ويبتعد فيها عن اللغة التقريرية التي يتطلّبها مقال سيّار من هذا النّوع. أحيانًا، هنالك لحظات يكون فيها للعاطفة دور غالب. فما بالكم، ونحن نرى كلّ هذا التّقتيل اليومي للبشر في منطقتنا؟
لقد كان ذكر قديمًا، طرفة بن العبد، شاعرٌ عربيّ حكيم من السّلف الصّالح، أنّ ”ظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً“. وها هو ذلك الظّلم، وها هم ذوو القربى، وها هي تلك المضاضة من ذلك الماضي تظهر جميعًا الآن على الملأ وبجلاء، بفضل وسائل الاتّصال الحديثة. إنّها بارزة بكلّ قتامتها أمام أعين من لا يزال يمتلك ذرّة من بصر أو بصيرة.
ولأنّ للعواطف مكانًا في هذا الفضاء العربي الدّامي، فقد آن أوانُ هذا القريض الذي يسير على خطى القصيد العربيّ:
القصيدة الشاميّة
نَدًى بِعَيْنِكَ، أَمْ دَمْعٌ بِهِ نارُ؟
أَمْ فَارَقَتْ سِرْبَهَا فِي الجَوِّ أَطْيَارُ؟
وَمَنْ تَرَجَّلَ جُنْحَ اللَّيْلِ عَنْ فَرَحٍ
إذْ رَجَّعَتْ حُزْنَهَا فِي الأُفْقِ أَسْحارُ؟
لا زِلْتَ لَيْلَكَ أَرْضَ الشّامِ تَرْقُبُها
شَعْبٌ تَمَلْمَلَ مِنْ ظُلْمٍ، لَهُ ثارُ
فَالظّالِمُونَ تَمَادَوْا فِي مَظَالِمِهِمْ
لا يَأْبَهُونَ بِطِفْلٍ قَامَ يَخْتارُ
عَيْشًا كَرِيمًا وَحُلْمًا فِي مَرابِعِهِ،
حُرِّيَّةً نُقِشَتْ فِي النَّفْسِ، فَاحْتارُوا
إنْ أَخْمَدُوا وَلَدًا شَبَّتْ مَلائِكَةٌ
لا يَعْرِفُونَ بِأَنَّ الجَمْرَ سَعَّارُ
لَنْ يُطْفِئُوا أَمَلاً فِي نَفْسِ مَنْ نَبَتَتْ
فِيهِ حَمِيَّةُ أَبْرارٍ، بِهِ نَارُ
لِلظّالِمِينَ دِيَارٌ عِنْدَ مِزْبلَةٍ
كَيْ يَخْلُدُوا مَثَلاً فِيها وَيَعْتَارُوا
لا يَفْقَهُونَ أُصُولَ الحُلْمِ مُذْ دُحِيَتْ
أَرْضٌ لِعَيْشٍ، بِأَنَّ الدَّهْرَ دَوَّارُ
مَهْمَا تَغابَى سَراةُ الضَّيْمِ فِي بَلَدٍ
وَاسْتَأْسَدُوا عَمَهًا فَالشَّعْبُ صَبَّارُ
وَإنْ تَأَخَّرَ بَلْجُ الصُّبْحِ عَنْ مَهَلٍ
لا بُدَّ تَعْقُبَهُ فِي التّوِّ أَنْوارُ
***
نَدًى بِعَيْنِكَ أَمْ كَلْمٌ يُؤَرِّقُها
غَداةَ طَلَّ عَلَى الشّاشاتِ أَحْرارُ
هَبُّوا فَرَادَى فَهَبَّ النّاسُ خَلْفَهُمُو
حَتَّى أَتاهُمْ إلَى المَيْدانِ غَدَّارُ
فَاسْتَلَّ مِنْ جُعْبَةِ الشَّيْطانِ عُدَّتَهُ
يَغْتالُ فِي شَغَفٍ أَحْفادَ مَنْ سَارُوا
وَراءَ حُلْمٍ تَنامَى بَعْدَمَا انْعَتَقَتْ
فِي النّاسِ أُغْنِيَةٌ تَعْلُو وَأَنْظارُ
إنَّ الغَمامَ الّذِي يُرْخِي ضَفائِرَهُ
ناحَتْ بَوَارِقُهُ مِنْ فِتْيَةٍ ثَارُوا
فَاسْتَقْبَلُوا حِمَمًا مِنْ نَارِ غاصِبِهِمْ
لَمْ يَنْجُ مِنْ لُؤْمِها الأَهْلُونَ وَالجارُ
***
نَدًى بِعَيْنِكَ أَمْ دَمْعٌ تُكَفْكِفْهُ
لَيْلاً عَلَى نَفَرٍ فِي النّهْرِ قَدْ صَارُوا
لَوْلا الهَوانُ الّذي أَخْنَى عَلَى عَرَبٍ
لاسْتَنْفَرَتْ رَبْعَهَا فِي الشَّرْقِ أَخْيارُ
لكِنَّنَا هَمَجٌ مِنْ أُمَّةٍ دَثَرَتْ
لا يَنْفَعُ القَوْلُ فِي مَنْ زَيْتُهُ قَارُ
يَا سَامِعَ الصَّوْتِ لا تَبْخَلْ عَلَى وَلَدٍ
مِنْ بَعْضِ ما حَمَلَتْ فِي اللَّيْلِ أَذْكَارُ
وَارْحَمْ بِعَطْفِكَ طِفْلاً غَابَ فِي عَفَرٍ
أَلْغَتْ جَوارِحَهِ الأَحْقَادُ وَالعارُ
عارٌ عَلَى عَرَبٍ مِنْ أُمَّةٍ حُسِبَتْ
فِي قَوْلِهَا نَسَبٌ، وَالفِعْلُ أَغْيَارُ
عارٌ عَلَى حَجَرٍ، عارٌ عَلَى شَجَرٍ
عارٌ عَلَى بَشَرٍ فِي الشّامِ بَشّارُ
*
كانون الثاني 2012
***
نشرت في: ”إيلاف“، 12 يناير 2012
مقالات ذات صلة
- قصيدة وطنيّة، ربّما
ناحَ الحَمامُ على فَرْعٍ، فَقُلتُ لهُ: ماذا دَهاكَ، خَلَطْتَ الحُزْنَ بِالغَرَدِ؟ * قالَ: افْتَقَدْتُ هَدِيلِي،…
- في ذم الجهل
لقد نما إلى مسامع الشيخ سلمان بن صليبي آل مصالحة أنّ بعضًا من أيتام ابن…
- رسالة القمّة إلى القاع
الشّيخ سلمان بن صليبي آل مصالحة، حاكم إمارة "من جهة أخرى" الافتراضيّة، يردّ على الشيخ…
- الأديان لا ينسخ بعضها بعضًاولكن يكمل بعضها بعضًا(3)
في العدد الماضي ذكرنا ستة مبادئ قرآنية تقرر التعددية الدينية وتعايش الأديان بعضها بعضًا، وأن…
- الأديان لا ينسخ بعضها بعضًا ولكن يكمل بعضها بعضاً (2)
** أحد عشر دليلاً على تقرير الإسلام التعددية الدينية رأينا في القسم الأول من هذا…
- ثورة الحريّة السوريّة
كَلامًا مِنْ لَمَى أَلَمٍ يُسَلُّ - وَبَوْحًا مِنْ فُؤادِي أَسْتَهِلُّ فَفِي الشَّامِ الّتِي نَكَأَتْ جِراحِي…
