ثمة ظاهرة تستحق التأمل في الحياة العامة اللبنانية. فهناك مسؤولون يمضون سنوات طويلة في مواقع القرار من دون أن يتركوا أثراً فكرياً أو إصلاحياً يُذكر. لا مبادرات، ولا اقتراحات، ولا مذكرات إصلاحية، ولا مواقف شجاعة في اللحظات المفصلية، ولا اعتراضات موثقة عندما كانت المؤسسات تنحرف عن مسارها. ثم، وما إن يغادروا مناصبهم، حتى يستعيدوا فجأة قدرتهم على الكلام، وكأن التقاعد هو اللحظة التي تُولد فيها القناعات.
وكأن الشجاعة مؤجلة إلى ما بعد انتهاء المسؤولية.
يتبادر إلى الذهن سؤال بديهي: أين كانت كل هذه الحكمة عندما كانت القرارات تُصنع؟ وأين كانت هذه النصائح عندما كانت المؤسسات تتداعى؟ ولماذا لا يتحرر اللسان إلا عندما يصبح الكلام بلا ثمن؟
إن المعيار الحقيقي لأي مسؤول عام ليس عدد المقالات التي يكتبها بعد مغادرته المنصب، ولا المقابلات التي يجريها، ولا النصائح التي يُغدق بها على من خَلَفَهُ. المعيار الحقيقي هو ما تركه وراءه من أثر وهو في موقع المسؤولية. فالمؤسسات تحتفظ بالمذكرات، ومحاضر الاجتماعات، والاقتراحات، والتوصيات، والمواقف. وهي وحدها تكشف من حاول أن يغير، ومن اكتفى بإشغال الكرسي.
التاريخ لا يحاسب على البلاغة المتأخرة، بل على الشجاعة في وقتها.
من السهل أن يشرح المرء أخطاء الأمس بعد أن تتبدل موازين القوى. أما الأصعب فهو أن يعترض عليها وهو جالس إلى طاولة القرار، وأن يتحمل تبعات موقفه وهو لا يزال مسؤولاً. لقد عرف لبنان كثيرين أتقنوا فن الشجاعة بأثر رجعي: صامتون عندما كان الصمت مجزياً، وناطقون عندما أصبح الكلام بلا كلفة.
وهذه ليست ظاهرة محصورة بالمؤسسات المالية. إنها انعكاس لثقافة سياسية أوسع.
فكم من شخص التزم الصمت في مراحل الوصاية والهيمنة، ثم تحول، بعد زوالها، إلى أكثر المدافعين حماسة عن السيادة والاستقلال. لم تتغير المبادئ بقدر ما اختفت كلفة التعبير عنها.
لا أحد يحتكر الحقيقة، والنقد البنّاء يبقى ضرورياً لأي مؤسسة تريد أن تتطور. لكن المصداقية لا تُكتسب بعد مغادرة المنصب، بل تُبنى خلال سنوات الخدمة العامة، من خلال المبادرات، والاقتراحات، والاعتراضات، والإصلاحات التي تُسجل في حينها.
وفي نهاية المطاف، لن يحكم التاريخ على الناس بما كتبوه بعد التقاعد، بل بما فعلوه وهم في موقع القرار. فالكلمات التي تُقال بعد انتهاء المعركة قد تُضاف إلى الأرشيف، أما الأفعال التي تُنجز أثناء المعركة، فهي وحدها التي تصنع التاريخ.
