السباحـــــة ضــــد التيـــــــــار

0

كان بعض المثقفين والكتَّاب العرب‮ ‬يستخدمون هذا العنوان كنوع من الترف او للفت الانتباه في‮ ‬زمن عربي‮ ‬كانت مساحات قبول الرأي‮ ‬الآخر المخالف تحتمل الى حد معقول مقارنة بما هو حاصل اليوم،‮ ‬الافكار المغايرة والرؤى المختلفة،‮ ‬لا سيما في‮ ‬المسافة الاجتماعية او المجتمعية العامة لدى القاعدة الأوسع‮.‬

ولم‮ ‬يكن من المتخيل والمتصور ان‮ ‬يأتي‮ ‬علينا زمان عربي‮ ‬متشدد ومنغلق اصبحت فيه السباحة ضد تياره الجارف نوعاً‮ ‬من‮ »‬الاستشهاد‮« ‬اليومي‮ ‬الذي‮ ‬يخشاه القلم خوفاً‮ ‬على حياة صاحبه الذي‮ ‬آثر درب السلامة على درب الندامة،‮ ‬اي‮ ‬درب الرأي‮ ‬الآخر المخالف والفكرة المغايرة والنقد الجسور لافكار التدمير والتفجير،‮ ‬وتغيّب الوعي‮ ‬تحت ركامات الزيف والشعارات البراقة المغشوشة التي‮ ‬لا نصيب لها عند اصحابها الذين‮ ‬يرفعونها للقفز من خلالها الى الكراسي‮ ‬والمراسي‮ ‬والمناصب المخطوفة خطفا من جماعات باتت معروفة بالاسم والعنوان وبكل التفاصيل اياها‮.‬

وفي‮ ‬زمن‮ ‬يصبح فيه النقد ومساءلة الافكار المشوهة ومراقبة المنافقين بالشعارات والمتلاعبين بعواطف ومشاعر الجماهير‮ »‬استشهادا‮« ‬يوميا،‮ ‬وسيرا على دروب الندامة،‮ ‬نكون قد دخلنا بارادتنا العربية الخالصة الى كهوف النهاية حيث‮ ‬يصبح البحث عن السلامة الذاتية مطلباً‮ ‬وفي‮ ‬الوقت نفسه مهرباً‮ ‬فردياً‮.‬

وفي‮ ‬زمن كهذا ستصبح الضحية‮ »‬ضحية جماعات التشدد والتزمت والارهاب الفكري‮ ‬والثقافي‮ ‬السائد‮« ‬ستصبح هذه الضحية‮ »‬متهماً‮« ‬من الجميع حتى من اولئك الذين‮ ‬يدعون ويزعمون الاستنارة حيث سيبحث له الجميع عن‮ »‬تهمة‮« ‬تبرر ما‮ ‬يستحقه وتعزز الحكم الصادر عليه من تلك الجماعات بتهمة التصفية التي‮ ‬باتت مجتمعاتنا العربية تنظر إليها ببلاهة،‮ ‬وبصمت‮ ‬يعكس خوفها الخائف فيما لو قدمت عزاء لاهل الضحية،‮ ‬ناهيك عن ان تمارس الدفاع عن الضحية او تدين ما‮ ‬يجري‮ ‬لها‮.‬

في‮ ‬هكذا زمن لا تبحثوا عن الاسئلة الصحيحة‮.. ‬وعندما تغيب الاسئلة الصحيحة فلا توهموا انفسكم بالوصول والحصول على اجوبة صحيحة‮.. ‬فكل الاجابات القادمة في‮ ‬زمن السلامة والندامة المعكوسة ستكون خائبة،‮ ‬وستكون خائنة للعلم والمعرفة والصدق والشفافية وللحقيقة التي‮ ‬عنها تبحثون‮.‬

في‮ ‬زمن تخرج فيه تظاهرات صاخبة في‮ ‬احتجاجاتها تطالب برأس كاتب او روائي‮ ‬او شاعر او مسرحي‮ ‬او ملحن او تشكيلي‮ ‬ويكون خروجها وترتيبات تنظيمها كمظاهرة تنديد من رحاب جامعاتنا العربية‮ »‬بيوت العلم والمعرفة‮«‬،‮ ‬في‮ ‬هكذا زمن لن‮ ‬ينفع فيه البكاء على الزمن الجميل،‮ ‬ولن‮ ‬ينفع فيه المهرب الفردي‮ ‬والشخصي‮ ‬بحثا عن السلامة والذي‮ ‬منها‮.. ‬لان ثقافة الردة والنكوص لن تبقي‮ ‬اخضر ولا‮ ‬يابسا عندما تستعر نارها ويشتد أوارها ويمتد لسانها حتى الى الهاربين الباحثين عن سلامة مزعومة وموهومة فبعد ان‮ ‬يفرغوا من المشاكسين الذين امتلكوا الجرأة في‮ ‬قول‮ »‬لا‮« ‬كبيرة في‮ ‬وجه انكشارية ثقافتهم،‮ ‬سيلاحقون اصحاب المهرب الفردي‮ ‬ليقضوا على البقية الباقية‮.‬

لكن السؤال الشاخص الان‮.. ‬هل الصمود وممارسة الاستشهاد اليومي‮ ‬الذي‮ ‬حمل رايته البعض ممن تجاوز اللحظة الراهنة وذهب الى المستقبل منحازا للقادم‮.. ‬هل هذا الصمود سيكون مجديا ومثمرا وناجعا؟؟

يطرح علينا البعض هذا السؤال بصيغة مهادنة محايدة،‮ ‬واحيانا بصيغة‮ ‬يائسة وبعض الاحيان بصيغة مستفزة فيما‮ ‬يطرحه المثقف‮ »‬بروتس‮« ‬بصيغة التيئيس‮ .. ‬حتى‮ ‬يقدم رأس المعمدان على طبق لهم في‮ ‬المعبد الكبير هناك الذي‮ ‬دس كهنته‮ ‬يوما راقصتهم‮ »‬سالومي‮«‬وراهنوا على رأس القديس ذلك الذي‮ ‬سقط في‮ ‬حضن‮ ‬غواية الفن‮.‬

لكن الفكرة في‮ ‬السؤال رغم حرصها الجميل‮ ‬يبدو فيها الخلط هنا بين الفن كهواية وبين الموقف الفكري‮ ‬كمبدأ‮.. ‬والثبات على مبدأ الدفاع عن الحرية والتعددية والرأي‮ ‬الآخر لم‮ ‬يعد ترفا فنيا بل اصبح قضية حياة او موت‮.. ‬وليس هناك منطقة وسطى‮ ‬يمكن ان تُخبأ فيها مثل هذه القضية المحسومة اصلا والمهدور دمها على رؤوس أشهاد عصر حجري‮ ‬يريدون ايقاظه الآن‮.‬

ليس في‮ ‬المسألة خيار ترفي‮ ‬معين‮.. ‬ولكنه سؤال نكون او لا نكون‮. ‬ولأننا في‮ ‬زمن‮ ‬يهرب من اجابات الاسئلة المصيرية فـ‮ »‬ان نكون‮« ‬تصبح عند بعضهم‮ »‬اكون او لا اكون‮« ‬وهنا ستختلف الاجابات في‮ ‬اشكال كثيرة،‮ ‬وفي‮ ‬تلاوين عديدة من محاولات الهروب الفردي‮ ‬تحت عباءة الكينونة الفردية التي‮ ‬تبحث عن مكان خاص لها وحدها‮.‬

في‮ ‬زمن لا‮ ‬يعرف كيف‮ ‬يسأل وفي‮ ‬زمن لا‮ ‬يفهم كيف‮ ‬يجيب،‮ ‬سيصبح النقد الفكري‮ ‬شهادة وصليبا منصوبا على كل طريق وعند كل مفترق‮.. ‬فعادة الصلب تُبعث سريعا في‮ ‬هكذا اجواء‮ ‬يتحول فيها المهرج مفكرا عند جماعات الرقص على الحبال الذين‮ ‬ينصبون سيركهم الجوال اينما حل المال الوفير فحواتهم وهواتهم قادرون بعد العرض البائس على المرور بقبعاتهم المقلوبة لاستدرار الصدقة من جيوب المتفرجين الذين لم‮ ‬يتركوا لهم بعد كل المصادرات والملاحقات سوى هذا السيرك المنصوب في‮ ‬الفريج،‮ ‬يبحث عن تبرعات اصبحت اليوم مراقبة ومحاسبة،‮ ‬وذهب ذلك الزمن الذي‮ ‬كانت تتدفق فيه عليهم بلا حساب وبلا سؤال‮.‬

لذا فانهم‮ ‬يحقدون كل الحقد على الاسئلة ويمقتونها كل المقت ويكرهونها كل الكره ويبحثون عن عالم بلا اسئلة،‮ ‬عالم مغلق على اجاباتهم المغلقة حتى‮ ‬يملكونه ويتملكونه ويركبون موجته ويوجهون دفته ويجلسون على كراسيه ويمسكون بمراسيه‮.. ‬فالعلم والمعرفة حكر عليهم،‮ ‬وهم الذين لا‮ ‬يعلمون ولا‮ ‬يعرفون الفرق بين ان تفكر وبين ان تُلغي‮ ‬عقلك في‮ ‬اقرب صندوق للتبرعات فتأخذ منها المقسوم وتراكم الاخذ الى النهاية‮.‬

ومن اعتاد الاخذ لا‮ ‬يمكن ان‮ ‬يُعطي،‮ ‬وهكذا كل اجاباتهم المعلبة اخذت من السائل والمحروم‮.. ‬فهم القادرون على تقديم الشفاء حتى ولو كان مجرد وهم منقوع في‮ ‬ماء آسنٍ‮.‬ ولاننا لا نبحث عن مهرب فردي،‮ ‬ولاننا قادرون على طرح الاسئلة‮.. ‬فسنظل نسأل السؤال تلو الآخر؛ لانهم لن‮ ‬يئدوا الاسئلة ولن‮ ‬يستطيعوا‮.‬

sadaalesbua@alayam.com

اعلامي بحريني

Comments are closed.

Share.

اكتشاف المزيد من Middle East Transparent

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading