إلى أي حد نحن “لاأدريون”؟

0

يطرح الفيلسوف البريطاني برتراند راسل وجهة نظره في موضوع “اللاأدرية”، ويمكن أن نعتبرها معيارا للإجابة على سؤال المقال.

 

بداية.. من هو اللاأدري؟ حسب راسل فهو الشخص الذي يعتقد بأن معرفة الحقيقة في مسائل مثل وجود الله ووجود حياة بعد الموت كما تقول الأديان، غير ممكنة. لكن هل اللاأدري، ملحد؟ الإجابة على السؤال بالنسبة لراسل هي لا. فالملحد يستطيع أن يعرف بأن الله غير موجود. كذلك المسيحي، أو المسلم، فهو يستطيع أن يعرف بأن الله موجود. أما اللاأدري فإن الإجابة على سؤال وجود الله من عدم وجوده تظل معلّقة عنده، فهو يشير إلى عدم كفاية الأدلة لتصديق أو تكذيب سؤال وجود الله، لكنه وبالرغم من عدم نفيه كل احتمالات وجود الله إلا أنه لا يرجّح احتمال وجوده. لذلك، هو لا يبتعد كثيرا عن الموقف الذي يتبنّاه الملحد.

يعتقد راسل بأن اللاأدري لا يتبنى في العادة “المرجعية” التي يتبناها الناس، بل على كل فرد أن يمارس اعتقاداته بصورة مستقلة. فاللاأدري يرى بأن ما يسمى بـ”القانون الإلهي” (مرجعية يتبناها الناس) لا يمكن أن يكون قانونا ثابتا على مر الزمان بل قد يتغيّر بتغيّر الظروف.

ما الشي الذي قد يعتبره اللاأدري “ذنباً”؟ حسب راسل، لا يملك اللاأدري اليقين في مسائل الخيروالشر مثلما يملك المسيحي. وبالتالي يرفض اللاأدري العقوبات الدينية الشديدة المفروضة على المخالف للمسائل اليقينية، لأنه يعارض اضطهاد وتعذيب الإنسان.

يعتقد اللاأدري بأن فكرة “الذنوب” لا يمكن أن تكون صحيحة، بل يعتقد بأن بعض أنواع السلوك ممكن أن يكون مقبولا وبعضه غير مقبول، وبأنه يمكن هضم العقوبات المفروضة على السلوك غير المقبول إذا كانت هذه العقوبات إصلاحية لا عقوبات مفروضة من جهة عليا بغرض الانتقام. ففكرة “الذنوب” حسب راسل هي التي أنتجت فكرة الانتقام.

هل اللاأدري يمارس أي سلوك يحبه؟ الإجابة عند راسل هي من جهة لا، ومن جهة أخرى فإن أي شخص سيمارس أي سلوك يحبه. ويضرب راسل مثالا: إذا كرهت شخصا إلى حد أنك فضّلت أن تقتله، لماذا لا تُقدم على هذا الفعل؟ قد يجيب أحدهم بأن “ديني يحرّم هذا الفعل”، لكن اللاأدري يرفض ممارسة القتل مثلما يرفض أغلب الناس ذلك، فهو يشترك مع أغلب الناس في امتلاك مجموعة من الحوافز التي تمنعهم من ممارسة القتل، وأقوى تلك الحوافز هو الخوف من عواقب هذا الفعل. فهناك أدلة غير دينية، ومنها الضمير الإنساني، تمنع الإنسان من قتل إنسان آخر وتحفزه لإيجاد مجتمع آمن. ففي الظروف العادية، أغلب الناس يتقيّدون بالقانون، لكن ما أن تصبح الظروف غير عادية، ينتشر انتهاك القانون بين الأغلبية. فالفرد يستطيع أن يمنع المجرم من ارتكاب جرمه من خلال بعض النصائح الدينية، ويمكن كذلك منعه عن طريق بعض النصائح غير الدينية، كنصيحة صديق مثلا.

ما هي نظرة اللاأدري إلى الكتاب المقدس؟ حسب راسل فإن نظرة اللاأدري هي نفس نظرة الكاهن المتنوّر. فهو لا يعتقد بأن الكتاب المقدس مستوحى من الله، بل هو كتاب أسطوري قديم، وأن التعاليم الأخلاقية الموجودة فيه قد تدعو إلى الخير وقد تكون تعاليم سيئة.

هل يعتقد اللاأدري بوجود حياة بعد الموت؟ اللاأدري لا يملك وجهة نظر حول ذلك إلا إذا توفّرت”دلائل” تثبت وجود هذا الأمر. وحسب راسل، فهو لا يعتقد بوجود دليل مقنع يفيد بأن الإنسان يمكن أن يظل حيا بعد موته. ويضيف بأنه إذا توفر الدليل فسيقبل بذلك.

بقراءة الإجابات التي طرحها راسل، يمكننا أن نتساءل، وبغض النظر عن كوننا نؤمن أو لا نؤمن، إلى أي حد نحن قريبون أو بعيدون عن اللاأدرية؟

 

كاتب كويتي

Share.

Post a comment

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar

إلى أي حد نحن “لاأدريون”؟

by فاخر السلطان time to read: <1 min
0