«العشائر التي تمارس الثأر هي الأخطر»
رالف غضبان هو باحث في الدراسات الإسلامية ومؤلف الكتاب الأكثر مبيعًا «العشائر العربية». يتحدث هنا عن زعماء العشائر في الحفلات الانتخابية، وعن فشل سياسة الهجرة. وهو يرى أن الإسلام لا ينتمي إلى ألمانيا.
رومان زيللر
عندما فاز اليسار في برلين بانتخابات مجلس النواب، احتفل أيضًا أفراد من العشائر في الحفل الانتخابي. وبالنسبة إلى رالف غضبان، لم يكن ذلك مفاجئًا.
ويقول الباحث في الدراسات الإسلامية ومؤلف الكتاب الأكثر مبيعًا على قائمة مجلة «دير شبيغل» «العشائر العربية» إن السياسة لم تكن تريد النظر في هذه الظاهرة طوال أربعين عامًا.
وفي هذا الحوار، يشرح مدى تغلغل العشائر داخل أجهزة الدولة، ولماذا يرى أن تأثير الإسلام في ألمانيا يُستهان به، وما رأيه في مفهوم «إعادة المهاجرين»(Remigration)
«فِلت فوخه»: السيد غضبان، عندما فاز حزب اليسار «دي لينكه» في برلين بانتخابات مجلس النواب، شوهد أيضًا في الحفل الانتخابي زعماء وأعضاء من العشائر. ماذا دار في ذهنكم؟
رالف غضبان: لقد عارض حزب اليسار، وكذلك حزب الخضر وأجزاء من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، استخدام مصطلح «جرائم العشائر» منذ بدء النقاش حول هذه الظاهرة. وهم يعتبرون هذا المصطلح تمييزيًا، ويطالبون الشرطة بعدم ذكر الخلفية الإثنية للمشتبه بهم.
منذ أكثر من عقدين، يدافع اليسار والخضر وأجزاء من الحزب الاشتراكي الديمقراطي عن هذه السياسة، والعشائر تعتبرهم حُماتها. وليس من المستغرب إذن أن يصبح السياسي من حزب اليسار في برلين، المنحدر من نويكولن والذي يحظى بدعم العشائر، اليوم عضوًا في البرلمان الألماني وعضوًا في لجنة الشؤون الداخلية.
وبذلك تكون العشائر قد وصلت إلى صميم المنظومة الأمنية في جمهورية ألمانيا الاتحادية. لقد وصلنا إلى هذه المرحلة لأن السياسة لم ترغب، طوال أربعين عامًا، في النظر إلى هذه الظاهرة ومواجهتها.
«فِلت فوخه»: هل فاجأكم هذا المشهد؟
غضبان: لا، كان ذلك متوقعًا. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، لم تكتفِ السياسة بحماية تنامي نفوذ العشائر، بل شجعت أيضًا الإسلاموية والمجتمعات الموازية، باسم التعددية الثقافية «Multikulti».
وقد أكدت هذه الأيديولوجية أن جميع الثقافات متساوية في القيمة، وأن حقوق الإنسان ليست سوى نتاج غربي لا قيمة عالمية له. وبذلك بدأ تقويض ديمقراطيتنا من الداخل.
وكوننا وصلنا اليوم إلى هذه المرحلة ليس أمرًا مفاجئًا.
«فِلت فوخه»: ما المقصود بالعشائر أصلًا؟
غضبان: العشيرة هي عائلة ممتدة، تتفاوت درجة تماسكها بحسب البيئة التي تعيش فيها؛ فقد تكون عشيرة بدوية أو شبه بدوية أو زراعية أو حضرية. وهي توفر للفرد الحماية منذ ولادته وحتى وفاته، لأن الدولة لم تضطلع قط بهذه الوظيفة في منطقة المنشأ
«فِلت فوخه»: إلى أي مدى تشكّل هذه العشائر خطرًا حقيقيًا؟
غضبان: إنها خطيرة جدًا. لقد أدركت بسرعة حجم النفوذ الذي يمكن أن تمتلكه جماعة في مجتمع تسوده الفردانية: فمن يدخل هنا في نزاع لا يستطيع ببساطة أن يستدعي ثلاثين أو أربعين فردًا من أقاربه، بينما تستطيع العشائر فعل ذلك.
ثم بدأ فرض الإتاوات بحجة الحماية؛ إذ كانت المطاعم والمحلات التجارية تُوضَع أولًا تحت «الحماية»، ثم يُستولى عليها لاحقًا. أما اليوم، فتدور الأمور حول ملايين من الأموال المتأتية من غسل الأموال والعقارات والاحتيال.
«فِلت فوخه»: ما العشائر الأكثر نفوذًا وخطورة؟ وماذا تعرفون عن بنيتها الداخلية؟
غضبان: أخطر العشائر هي تلك ذات الأصول البدوية، لأن الثأر بالدم يسود فيها؛ فهو يحافظ على تماسك الجماعة ويحميها من الخارج. أما لدى اللبنانيين والفلسطينيين، فنادرًا ما نجد هذا التقليد، في حين أنه موجود لدى جماعات أخرى، الأمر الذي يجعل اختراقها أكثر صعوبة، لأن جميع أفرادها تربطهم صلات قرابة فيما بينهم.
««فِلت فوخه»: العشائر والسياسة: هناك تقارير عن وجود روابط تصل إلى البرلمان الألماني. إلى أي مدى تمتد هذه الشبكة؟
غضبان: إنها أعمق مما يعتقد المرء، وهذا لا يحدث من دون مساعدة. فعمليات شراء العقارات يجب تسجيلها لدى كاتب العدل، الذي يُفترض به أن يبلّغ عن أي اشتباه في غسل الأموال. وفي عام 2018، لم يُسجَّل في ألمانيا كلها سوى ثمانية بلاغات من هذا النوع، ولم يُسجَّل أي بلاغ في برلين.
وقد أكد لي مسؤولون في حكومة برلين أن الرقابة لم تُمارَس ببساطة. ويُضاف إلى ذلك مستشارو الضرائب الذين يوضحون، بصورة قانونية تمامًا، كيفية افتتاح مطعم ثم إعلان الإفلاس وجني الأموال، فضلًا عن المحامين الباهظي الأتعاب الذين تستطيع العشائر الاستعانة بهم بفضل أموالها، في حين تظل الدولة عاجزة عن اتخاذ إجراءات فعّالة.
«فِلت فوخه»: ما الذي تستطيع الشرطة فعله، وما الذي تعجز عن فعله؟
غضبان: الشرطة هي الأكثر معاناة من هذا الوضع. فهي تعتقل الأشخاص وتحيلهم إلى المحاكم، ثم يُخلي القضاة سبيلهم. في الماضي، كان يُؤخذ على المحاكم أنها تريد أن تجعل من كل قضية عبرة للآخرين. أما اليوم، فقد أصبح المعيار معكوسًا: فعند تحديد العقوبة، يحصل المتهمون على امتياز ثقافي، بحجة أنهم، كما يُزعم، «لا يعرفون ظروف مجتمعنا».
«فِلت فوخه»: توجد في السويد أحياء لم تعد الشرطة تجرؤ على دخولها إلا بصعوبة. فإلى أي مدى تفصل ألمانيا عن الوصول إلى هذا الوضع؟
غضبان: لحسن الحظ، ما زالت ألمانيا بعيدة عن ذلك إلى حدٍّ ما. فقد أصبحت السويد حالة متطرفة لأن البلاد صغيرة، ولأن تدفّق المهاجرين تركز في مناطق محددة، ولا سيما في مالمو، وليس في ستوكهولم، ولأن السويد أعلنت رسميًا، عام 1974، أنها بلد هجرة متعدد الثقافات.
وعندما يُضاف إلى سعي الجماعة إلى فرض سيطرتها تبريرٌ إسلامي، يقوم على اعتبار الجماعة نفسها «خير أمة»، والنظر إلى الآخرين باعتبارهم مجرد كفار، ترتفع معدلات الجريمة ارتفاعًا حادًا.
وحتى الآن، لم نشهد في ألمانيا هذا المزيج من العوامل بهذا الحجم.
«فِلت فوخه»: هل يُستهان بالإسلام في ألمانيا أم يُبالَغ في تقدير حجمه وتأثيره؟
غضبان: يُستهان به، لأن الناس هنا ما زالوا ينظرون إليه وفق النموذج المسيحي. فالإسلام دين سياسي، إذ لا يمكن الفصل فيه بين العقيدة والحكم، وهذا ما ينص عليه القرآن.
وعندما يُقال إن الإرهاب لا علاقة له بالإسلام، لا يسعني إلا أن أهزّ رأسي استنكارًا. فكل جهادي، من أسامة بن لادن إلى تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، يبرّر أفعاله بالآيات نفسها التي يقرأها أيضًا علماء الدين التقليديون.
«فِلت فوخه»: في كولونيا، يرفع المؤذّن الأذان، ويشارك سياسيون علنًا في احتفالات الإفطار في شهر رمضان. فهل هذا تعبير عن الحرية الدينية التي تُمارَس فعليًا، أم استسلام ثقافي؟
غضبان: المسألة لا تتعلق بالحرية الدينية، بل بالسياسة الرمزية. فقد سادت تاريخيًا بين المسلمين قاعدة مفادها أنه ما دام المرء قادرًا على ممارسة شعائره الدينية، أي الصلاة والصيام، فإنه يقبل الأوضاع السائدة في بلد غير مسلم.
أما اليوم، فقد حلّ في كثير من الأحيان محل هذا الموقف العملي توقّعٌ يقتضي من مجتمع الأغلبية أن يتكيّف مع المسلمين. والسياسيون الذين يُظهرون أنفسهم في مثل هذه المناسبات يبعثون برسالة تتجاوز حدود التسامح.
«فِلت فوخه»: أين ترسمون الحد الفاصل بين الإسلام بوصفه دينًا والإسلام بوصفه أيديولوجيا سياسية؟
غضبان: من هذه النقطة تحديدًا ينطلق كتابي «نقّاد الله الشجعان» (Allahs mutige Kritiker, 2021). فقد جمعتُ فيه 44 كاتبًا وكاتبة من العالم العربي، من بينهم ثمانية من علماء الدين، ينتقدون دينهم علنًا ويطرحون أسئلة نادرًا ما تُناقَش عندنا. ومن ذلك، على سبيل المثال، السؤال عن سبب خلق الله للكافرين، إذا كان سيأمر بقتلهم لاحقًا.
لقد قطع هذا النقاش شوطًا أكبر في العالم الإسلامي نفسه مما قطعه عندنا، لأن الجمعيات المتأثرة بالإسلاموية تهيمن في هذا البلد على الخطاب العام.
لقد كان هدفي دائمًا هو قيام إسلام إصلاحي يفصل الدين عن السياسة.
««فِلت فوخه»: ما مقدار الهجرة الذي تستطيع ألمانيا تحمّله؟
غضبان: لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال برقم محدد، ولكن يمكن الإجابة عنه من خلال مبدأ واضح: تقوم سياسة الهجرة على ثلاثة أعمدة، هي اللجوء السياسي، وتوفير الحماية للاجئين من الحروب، والهجرة العمالية المنظَّمة.
وخلال السنوات الأخيرة، اندمجت هذه المسارات الثلاثة في مسار واحد، هو مسار اللجوء، لأن الأمم المتحدة، منذ نحو عقدين، باتت تضفي شرعية على اعتبار كل حالة فرار أساسًا للمطالبة بالاستقبال، بصرف النظر عن السبب الذي دفع إلى الفرار.
«فِلت فوخه»: أصبح مصطلح «إعادة المهاجرين» (Remigration) كلمةً مثيرة للجدل وسامة سياسيًا. ما رأيكم فيه إذا نظرنا إلى المسألة بموضوعية؟
غضبان: ما الذي كان سامًّا تحديدًا في برامج تشجيع العودة التي أُطلقت في عهد هيلموت كول؟ لقد دُفعت أموال للناس مقابل عودتهم إلى بلدانهم.
ولا يصبح المصطلح سامًّا إلا عندما يتجاهل سيادة القانون، أي عندما يشمل دون تمييز أشخاصًا يعملون هنا منذ عقود ولديهم أسر.
لكنني أتبنّى، من حيث المبدأ، الموقف القائل إن من لم يتمكن من الاستقرار هنا، وكان بلده الأصلي قد استعاد الهدوء، كما هو الحال في سوريا مثلًا، ينبغي له أن يعود إلى بلده. على أن تتم العودة بمرافقة ودعم، لا عن طريق الترحيل القسري ببساطة.
هذه سياسة عملية، وليست مجرد شعار.
«فِلت فوخه»: أنتم تعرفون ألمانيا ولبنان والعالم العربي وأوروبا من الداخل. ما الذي ترونه ولا يراه معظم الألمان؟
غضبان: إن التعددية الثقافية (Multikulti) ليست أيديولوجيا يسارية، بل أيديولوجيا معادية للديمقراطية، وإن اليسار التقليدي قد اختفى.
فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، عندما فقد اليسار قاعدته التقليدية، أي الطبقة العاملة، بدأ يتجه نحو الأقليات والفئات المهمّشة. وكان هذا التوجّه مشروعًا في البداية، لكنه أصبح تدريجيًا أكثر أيديولوجية، وصولًا إلى مرحلة ما بعدالاستعمار(Postkolonialimus)، ثم إلى ما يُعرف اليوم بـ«الوكوية» (Wokismus).
إنه يحارب النظام الديمقراطي بحجة أنه نظام تمييزي، في حين أن الديمقراطيين الحقيقيين من بين اليساريين السابقين يجلسون اليوم في المعسكر المحافظ.
«فِلت فوخه»: تشهد فرنسا وبريطانيا وإسبانيا أيضًا تنامي المجتمعات الموازية. فهل ينبغي أن نشعر بالقلق على القارة الأوروبية بأكملها؟
غضبان: نعم، وتؤدي ألمانيا دورًا حاسمًا في هذا التطور، نظرًا إلى ثقلها الأكبر في أوروبا. ففي فرنسا، حصل حزب ميلانشون على 69٪ من أصوات المسلمين في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية لعام 2022. وقد بدأ هذا النمط ينتشر أيضًا عندنا؛ ففي برلين، صوّت 51٪ من الناخبين المسلمين لصالح حزب اليسار «دي لينكه». ولم تعد هذه ظاهرة هامشية خاصة بألمانيا، بل أصبحت واقعًا جديدًا على مستوى القارة الأوروبية بأسرها.
أحدث إصدارات رالف غضبان:
شبكة الملالي: إيران والإسلام السياسي الشيعي
دار Herder للنشر، 368 صفحة (2026).
يمكنكم مشاهدة المقابلة المصوّرة على موقع Weltwoche.ch.
« Les clans pratiquant la vendetta sont les plus dangereux »

أتابع من حين إلى آخر الصحافة في ألمانيا . الوضع هناك أسوأ مما يصفه الأستاذ رالف غضبان. لا ينصب أحد نفسه قاضياً في محكمة حزبية على أفكار الناس.
صباح الخير
هذا المقال ضد سياسة “لقاء سيدة الجبل” في بناء الحوار المسيحي- الإسلامي على أسس علمية وقواعد العيش المشترك. ان الاطلالة على شأن بنية العشائر- وعادة البنية العشائرية أقوى من الدين- في ألمانيا بالشكل الذي يغطيه المقال لا يخدم الحوارية اوالسلم الأهلي في لبنان.