أنقرةـ خاص بـ”الشفاف”
يمثل عرض تركيا المشاركة في الترتيبات الأمنية الخاصة بجنوب لبنان محاولةً من أنقرة لتصبح طرفًا محوريًا في عملية الانتقال من “قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة” إلى سيطرة الدولة اللبنانية. كما يبدو أن الاقتراح يشكل جزءًا من عملية دبلوماسية أوسع تشمل واشنطن، رغم عدم وجود أي تأكيد علني على أن دورًا تركيًا قد نوقش رسميًا في البيت الأبيض.
تعمل تركيا على ترسيخ موقعها للحصول على دور في إطار أمني جديد لجنوب لبنان، في الوقت الذي تستعد فيه الأمم المتحدة لإنهاء ما يقرب من خمسة عقود من عمليات حفظ السلام، وهو ما يثير مخاوف من احتمال حدوث فراغ أمني على طول الحدود الإسرائيلية-اللبنانية.
وقال الرئيس رجب طيب أردوغان، عقب محادثاته مع الرئيس اللبناني جوزيف عون في أنقرة، أن تركيا مستعدة للمشاركة في المبادرات الرامية إلى دعم سيادة لبنان والأمن الإقليمي عقب انسحاب قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل).
وجاءت زيارة عون بعد تسعة أيام فقط من لقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في 21 يوليو/تموز، وهي أول زيارة يقوم بها رئيس لبناني إلى واشنطن منذ ما يقرب من عقدين.
وركزت الروايات العلنية لتلك المحادثات على نزع سلاح حزب الله، وانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، وتعزيز الدعم الدولي للقوات المسلحة اللبنانية.
وقالت مصادر دبلوماسية إن احتمال مشاركة تركيا في الترتيبات التي ستلي انتهاء مهمة “اليونيفيل” قد طُرح أيضًا في مناقشات مرتبطة بالزيارة إلى واشنطن. غير أن هذا الادعاء لم يتم تأكيده في الروايات العلنية الأمريكية أو اللبنانية. ولذلك ينبغي التعامل معه باعتباره مؤشرًا على أن مشاورات جارية بشأن الإطار الناشئ، وليس دليلًا على أن واشنطن قد أيدت نشر قوات تركية.
من واشنطن إلى أنقرة
ومع ذلك، فإن تسلسل زيارات عون يحمل دلالة مهمة. ففي واشنطن، سعى إلى الاستفادة من النفوذ الأمريكي لضمان انسحاب إسرائيلي والحصول على دعم لجهوده الرامية إلى حصر جميع الأسلحة بيد الدولة. أما في أنقرة، فقد بحث الكيفية التي يمكن لتركيا من خلالها أن تسهم في الهيكل الأمني المتوقع أن يخلف قوات “اليونيفيل”.
يشير الاجتماعان إلى أن بيروت تسعى إلى تشكيل ائتلاف واسع بدلاً من الاعتماد على راعٍ دولي واحد. ولا تزال واشنطن طرفًا لا غنى عنه بسبب نفوذها في إسرائيل ودعمها المستمر منذ فترة طويلة للجيش اللبناني، في حين يمكن لتركيا أن توفر العلاقات السياسية الإقليمية، والتدريب العسكري، والدعم اللوجستي، والخبرة البحرية.
ومن المقرر أن تنتهي ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في 31 ديسمبر/كانون الأول 2026، بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2790. وسيؤدي انتهاء مهمتها إلى نقل مسؤولية أكبر إلى الدولة اللبنانية، ولا سيما إلى القوات المسلحة اللبنانية، التي يُتوقع أن تصبح السلطة الأمنية الرئيسية في جنوب البلاد.
الجيش اللبناني في صلب المشهد
لا يبدو أن المسؤولين الأتراك يتصورون استبدال “اليونيفيل” بقوة تركية خالصة. فالنموذج الذي تفضله أنقرة يضع الجيش اللبناني في قلب العمليات، بينما يقدم الشركاء الإقليميون والدوليون التدريب والمعدات والاستخبارات والدعم اللوجستي والمراقبة البحرية.
ويتماشى هذا النهج مع مبدأ الرئيس جوزيف عون القائم على “دولة واحدة، وجيش واحد، وسلطة واحدة”. وقد أوضح عون، وهو القائد السابق للقوات المسلحة اللبنانية، أن أي مساعدة خارجية يجب أن تعزز المؤسسات الوطنية، لا أن تنشئ هيكلًا عسكريًا موازيًا.
وتكمن المشكلة الأساسية في القدرات. فقد أدى الانهيار المالي في لبنان إلى إضعاف قدرة الجيش على دفع رواتب أفراده، وصيانة معداته، والحفاظ على عمليات انتشار واسعة النطاق. كما أن تولي مسؤولية كامل جنوب لبنان، ومراقبة الخط الأزرق، ومنع عودة الجماعات المسلحة، سيتطلب دعمًا خارجيًا كبيرًا ومستدامًا.
ويمكن لتركيا أن تسهم من خلال التدريب، والدعم البحري، والخدمات اللوجستية. وقد شاركت القوات التركية في قوة المهام البحرية التابعة لليونيفيل، مما منح أنقرة خبرة عملياتية في الساحل اللبناني وفي البيئة الأمنية الأوسع لشرق البحر المتوسط.
آلية متعددة الجنسيات
وقال عون إن عدة خيارات لا تزال قيد المناقشة، من بينها مبادرة أوروبية تقودها فرنسا وإيطاليا، وصيغة تضم تركيا بدعم من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومقترحات تشمل دولًا عربية أو إسلامية. ويشير ذلك إلى أن بيروت تدرس إنشاء شبكة من الشركاء الدوليين والإقليميين بدلاً من الاعتماد على قوة بديلة واحدة.
ومن المرجح أن تكون هذه الآلية أخف حجمًا من “اليونيفيل”. إذ ستتولى القوات اللبنانية تنفيذ الدوريات البرية وممارسة السلطة السيادية، بينما يقدم الشركاء الخارجيون أعمال المراقبة، والمساعدة الفنية، والتمويل، والتنسيق الدبلوماسي الطارئ.
بالنسبة لأنقرة، فإن المشاركة ستعزز ادعاءها بأنها وسيط أمني إقليمي قادر على الجمع بين القدرات العسكرية والدبلوماسية وبناء الدولة. كما أنها ستوسع نفوذ تركيا في مختلف أنحاء المشرق في وقت أصبحت فيه التطورات في لبنان وسوريا وشرق البحر المتوسط مترابطة بشكل متزايد.
الاعتراضات الإسرائيلية
يبقى الموقف الإسرائيلي العقبة الأكثر صعوبة. فقد اتهمت الحكومات الإسرائيلية مرارًا قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (“اليونيفيل”) بالفشل في منع حزب الله من بناء بنية تحتية عسكرية بالقرب من الحدود. ولذلك، فإن أي ترتيبات بديلة سوف تُقَيَّك في المقام الأول على أساس قدرتها على منع الجماعات المسلحة من العودة إلى المناطق الحدودية الجنوبية.
كما ستكون إسرائيل متحفظة إزاء وجود عسكري تركي كبير. فقد تدهورت العلاقات مع أنقرة بشكل حاد، بينما أدى دعم الرئيس رجب طيب أردوغان لحركة “حماس” وانتقاداته للعمليات العسكرية الإسرائيلية إلى تعميق حالة انعدام الثقة الإسرائيلية.
وعليه، فمن المرجح أن تعمل تركيا ضمن إطار متعدد الجنسيات ويحظى بتفويض دولي، بدلاً من تنفيذ انتشار عسكري مستقل. وقد يجعل انخراطها إلى جانب أعضاء أوروبيين في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبِعِلم الولايات المتحدة، الدور التركي أكثر قبولًا، وإن كان ذلك لن يزيل الاعتراضات الإسرائيلية.
اختبار للدبلوماسية الإقليمية
لذلك، ينبغي فهم إعلان أنقرة على أنه بداية لمفاوضات، وليس إعلاناً عن تشكيل قوة تمَّ الإتفاق عليها بالفعل. فقد أعلنت تركيا اهتمامها، وأقر لبنان بأن المشاركة التركية تُعد من بين الخيارات المطروحة، ويبدو أن الاتصالات الدبلوماسية تمتد إلى ما هو أبعد من العلاقة الثنائية.
ويضيف الاجتماع في البيت الأبيض بُعدًا مهمًا، لأنه يشير إلى أن الرئيس جوزيف عون ينسّق مرحلة ما بعد “اليونيفيل” مع واشنطن وكذلك مع أنقرة.
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة قد وافقت على دور تركي، لكنه يشير إلى أن أي ترتيبات نهائية ستنبثق من مفاوضات مترابطة بين الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية وتركيا.
وسيعتمد النجاح على ما إذا كانت هذه الأطراف قادرة على الاتفاق على إطار يعزز الجيش اللبناني، ويؤمّن الانسحاب الإسرائيلي، ويقيّد أسلحة الجهات غير الحكومية، ويتجنب استبدال وجود أجنبي غير محدد المدة بآخر. ومن دون مثل هذا التوافق، فإن رحيل “اليونيفيل” قد يجعل جنوب لبنان أكثر عرضة للمخاطر بدلًا من أن يجعله أكثر سيادة.
الأصل بالإنكليزية:
Türkiye seeks post-UNIFIL role as Lebanon builds new security framework
