أزمة تتجاوز مفاهيم “الدولة الفاشلة”
لم تعد أدوات القياس الكلاسيكية، وعلى رأسها مؤشرات الدول الفاشلة (Fragile States Index) بمتغيراتها الاثني عشر، قادرة على تفكيك الطبيعة المركبة والمعقدة للأزمة الليبية الراهنة. فما تشهده البلاد اليوم لا ينحصر في إطار قصور إداري أو عجز مؤقت عن إدارة المرافق العامة، بل يرقى إلى مستوى التدمير البنيوي والممنهج لركائز الدولة ومؤسساتها.
إن المفارقة الصارخة في الحالة الليبية تكمن في أن الانهيار لا يرتكز على شح الموارد المالية، بل يمثل النتيجة الحتمية لتوحش منظومة فساد ريعية تحولت إلى شبكة “كلبتوقراطية” (حكومة اللصوص) تتغذى على نهب المال العام، وتقويض الحقوق الأساسية، وتجريف البنية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
من الأمن الإنساني إلى الأمن الغذائي
تتجلى خطورة المشهد الليبي في تداخل الأزمات وتشابك مخرجاتها الكارثية على مستويات عدة:
الفقر متعدد الأوجه: أدى استنزاف مقدرات الدولة وغياب العدالة في توزيع الثروة إلى اتساع رقعة الفقر متعدد الأوجه بمعدلات مقلقة، ما ينذر بانفجار اجتماعي وشيك.
الأمن الصحي والبيئي كمؤشر للانهيار: لم تعد الانتهاكات تقتصر على نهب الخزينة العامة، بل تعدتها لتطال الأمن الحيوي للمواطن؛ وتبرز هنا كارثة المبيدات الزراعية الفاسدة وما أفرزته من تداعيات كارثية حاضراً ومستقبلاً على صحة الإنسان وسلامة الغذاء والحيوان، تزامناً مع أزمة الأدوية منتهية الصلاحية وفاقدة الفاعلية.
الانهيار الاقتصادي وتراجع العملة: يتسارع التآكل المالي بالتوازي مع هبوط القيمة الشرائية للدينار الليبي، واحتدام الصراعات والنزاعات في الجنوب الليبي الذي بات مسرحاً للتوترات وتدفقات الهجرة غير النظامية وأنشطة التهريب المنظم.
الإخفاق الدولي وتآكل الوساطة السياسية
أمام هذا المشهد المتردي، سجلت المبادرات والجهود الدولية إخفاقات متلاحقة، كان أبرزها فشل الجهود الأمريكية والدولية في توحيد الميزانية العامة وتوحيد القطاعين الأمني والعسكري. هذا العجز الدولي عن فرض مقاربة حقيقية لإعادة هيكلة السلطة أسهم في منح غطاء غير مباشر للمجموعات المستبدة بالسلطة؛ حيث استغلت هذه الأطراف الانقسام الدولي والانشغال الإقليمي لتكريس حالة الجمود السياسي، وتعميق شبكات المصالح المرتبطة بالفساد والنهب المؤسسي.
وعزز هذا الاستنتاج ما كشف عنه تقرير خبراء مجلس الأمن الأخير من أدلة دامغة تؤكد تورط شبكات محلية وإقليمية في تقويض الاستقرار وإدامة حالة الفوضى المنظمة.
الاحتقان الشعبي ومخاطر الانفجار المؤسسي
أدى تراكم الأزمات المعيشية وغياب الأفق السياسي إلى تصاعد ملحوظ في وتيرة الغضب الشعبي، تجسد في لجوء قطاعات واسعة إلى إعلان العصيان المدني، وتحول عدد من المدن والمناطق إلى بؤر توتر واحتجاج متواصل.
وفي ظل تمترس النخب المستفيدة من الوضع الراهن ورفضها القاطع لأي تنازل عن الامتيازات غير المشروعية، تشير المعطيات التحليلية إلى مسارين رئيسيين:
• الانهيار المؤسسي الشامل: تفكك ما تبقى من هياكل إدارية وخدمية، وتعطل تام لوظائف الدولة الحيوية.
• عسكرة الأزمة ودخول الكلبتوقراطية مرحلة البقاء: تتوقع دراسات استراتيجية متقدمة أن تلجأ شبكات الفساد والكلبتوقراطية، عندما تدرك قرب نفاد خياراتها وتهديد وجودها المالي والسياسي، إلى افتعال الحروب والصراعات المسلحة كاستراتيجية أخيرة للدفاع عن مكاسبها، مستغلة الانقسامات الاجتماعية والجهوية.
آفاق المعالجة ومحاذير المصير المجهول
إن تفكيك حلقة الفساد المفرغة في ليبيا لم يعد مجرد خيار إصلاحي ترفي، بل هو شرط بقاء للكيان السياسي الليبي برمته. إن استمرار المجتمع الدولي في مقاربات ترقيعية تعتمد على تقاسم السلطة بين أمراء الحرب وشبكات النهب لن يؤدي إلا إلى تسريع وتيرة الانهيار الكلي.
إن إنقاذ ما يمكن إنقاذه يتطلب إرادة وطنية جامعة مدعومة بضغط شعبي حاسم يفكك بنية الكلبتوقراطية الحاكمة، ويعيد الاعتبار لسلطة القانون ومؤسسات الرقابة والمحاسبة، قبل أن تتحول ليبيا بالكامل إلى دولة ساقطة بمعزل عن أي سيادة أو استقرار.
