احد المشاكل التي أواجهها في نقاشي مع الأيدولوجيين والعقائديين هو عدم اكتراثهم بالحقائق اليومية الضاغطة والواضحة التي لا يمكن تجاهلها بنحو مستمر ودائم باسم الايمان والمقاومة والتحدي والصمود.
صحيح إنّ امريكا لم تحقق اهدافها التي اعلنتها لِشنِّ هذه الحرب. لكن المهم جداً النظر للخسائر! أيُّ طرفٍ خسر اكثر من الطرف الآخر؟
إيران مُنِيَت يخسارة مادية كبيرة: البنى العسكرية دُمرت الى حدّ كبير.. وكذلك المصانع العسكرية والمصانع ذات الاستخدام المزدوج الحربي والسلمي كمعامل الحديد والصلب والألمنيوم والبتروكيماويات والكهربائيات. بعض التقديرات الأولية تتحدث عن تدمير 40 بالمئة من الاقتصاد الايراني!
خسارة نسبة 10 بالمئة من اقتصاد أي دولة تعد صدمة مالية هيكلية. تؤدي هذه الخسارة إلى انكماش حاد، وتتطلب حزم إنقاذ حكومية عاجلة، وتقليصاً للإنفاق العام.
اما خسارة 40٪ من اقتصاد الدولة (الناتج المحلي الإجمالي) كما هو حاصل الان في ايران بعد الحرب فتعني انهياراً اقتصادياً شاملاً وحالة طوارئ قصوى تُشبه ما يحدث أثناء الحروب المدمرة أو الأوبئة العالمية. يؤدي هذا الانكماش الضخم إلى شلل كامل تقريباً في الدولة وتسارع وتيرة الفقر والبطالة وانهيار الخدمات العامة وتدهور قيمة العملة الوطنية وارتفاع فاحش في قيمة المواد الغذائية والاساسية وإفلاس الأعمال والشركات. و تضطر الدولة للاستدانة بمبالغ ضخمة لسد العجز، مما يرفع الدين العام إلى مستويات غير مستدامة.
وايران دولة ليست غنية كأمريكا أو حتى اسرائيل الذي ناتجها القومي 500 مليار دولار وهي دولة صغيرة جداً إذاما قورنت بإيران.
إذاً الفاتورة المالية لإيران كبيرة لان الدمار الاكبر حصل على أراضيها ولم يحصل على ارضٍ امريكية. التكلفة المالية والاقتصادية ستكون مهمة في تحديد المسار السياسي الايراني بخصوص كيفية إنهاء هذه الحرب ومرحلة ما بعد الحرب. بمعنى أن ايران سوف تكون تحت ضغط اقتصادي كبير جداً ويجب علينا فهم هذا التاثير!
كثير من (الخبراء و المحللين السياسيين) يتحدثون عن قدرة النظام الايراني على الصمود والردع وان الشعب الايراني معتاد على التضحيات. وقد يكون هذا صحيحا ولكنه لا يُغيّر الوقائع المادية والحقائق اليومية الضاغطة والمؤثرة. والتاريخ يعلمنا بأن الارادة والإيمان مؤثرة الى حد ما ولكنها لا تستطيع ان يعطي حلولاً لعجز الدولة الكارثي في الموارنة وتلبية ابسط ضروريات شعبها! بعض المتابعين الذين يأتون من موقف ايدولوجي ومذهبي يبالغون في جانب واحد كالصمود والتحدي على حساب جوانب أخرى واضحة لايمكن تجاهلها كانهيار العملة والتضخم الجامح! وانا أعتقد بان هذه التكلفة الهائلة التي تكبدتها ايران كانت واضحة في طريقة تعامل امريكا مع ايران في اختيارها وسائل الخناق الاقتصادي بدل السياسة العسكرية وحرب التحدي .
ولكن الخسارة الاهم او الفاجعة التي منيت بها ايران الاسلامية هي ان امريكا نسفت الرمزية الدينية التي استثمروا فيها 47 عاما، والمتمثلة بالمرشد القائد الذي يحكم اربع دول عربية واذرعها ومليشياتها وخلاياها النائمة العابرة للقارات والتي أنفقت ايران مئات المليارات في تمويلها لوجستيا وعسكريا و اعلاميا، وصرفت مثلها في بناء القواعد والأنفاق و دفع الرواتب و شراء الذمم .
*_فحوى مذكرة التفاهم : _*
حسب ما نُشر، اهم ثلاثة نقاط في مذكرة التفاهم بين إيران وامريكا هي :
١ . رفع الحصار الامريكي عن الموانئ الايرانية
٢- فتح مضيق هرمز للملاحة الدولية
٣-موافقة ايران على التخلص من اليورانيوم عالي التخصيب المقدر تقريباً بـ450 كيلوغران والذي يمكن زيادة تخصيبه الى 90٪ وصنع عشرة قنابل ذرية.
بقية النقاط في مذكرة التفاهم من تعليق العقوبات ورفع التجميد عن الاموال الايرانية يعتمد بشكل اساسي علي السلوك الايراني في مرحلة الهدنة ومدى تعاونها مع امريكا ومرهونة بتقدم وتطور المفاوضات و تغير العقلية الايرانية. عدا ذلك لا وجود لتنازل جدي أو حقيقي !
مع الاخذ في الحسبان امكانية انهيار المفاوضات وعودة الطرفان الى الحرب، وهذا احتمال قائم و ربما يكون كبير !
*نقطة هامة و لافتة للانتباه في هذه المذكرة*:
الولايات المتحدة الأمريكية تشرع مع وكلائها الإقليميين (الدول الخليجية) بتوفير ما لايقل 300 مليار دولار إستثمارات في ايران والذي صرح عنه جي دي فانس نائب ترامب ووصل إلى الاعلام العربي بشكل مشوه ومُحرّف، ولا يعني أموالاً او هبة مالية تُعطى لإيران، بل بمعنى قيام شركات أجنبية بمشاريع تنمويّة واستثماراتية داخل ايران بقيمة 300 مليار دولار تُساهم في تحسين التركة المالية والاقتصادية الثقيلة التي ستواجه ايران بعد نهاية الحرب. وبالطبع، دول الخليج غير ملزمة بهذه الصفقة، وتنفيذها مرتبط بشكل اساسي بتطور و نجاح المفاوضات! بمعنى ان بنود الاتفاق تؤخذ كحزمة واحدة، اما تنجح كلها او تفشل كلها! والهدف منها محاولة كسب ايران نحو مسار تنموي اقتصادي بدل المشروع الاقليمي التوسعي، والوكلاء، ومحور الممانعة ومقاومة امريكا و ابادة اسرائيل، والحرب مع الاخرينـ وتغير فهم الحياة في هذه المنطقة على انه صراع بين الاستكبار العالمي والمستضعفين.
اعطى جي دي فانس «مهندس» مذكرة التفاهم مع إيران، صورة اكثر وضوحا مما ورد في مذكرة التفاهم بقوله: بإمكان الايرانيين الاستفادة من هذا الاستثمار الكبير بشرط ان يقبلوا ان يكونوا دولة طبيعية بمعنى دولة مهتمة بالتنمية وليس بتمويل الاذرع او الاتفاق على الاسلحة استعدادًا للحرب المقبلة.
الاهتمام بالاقتصاد والتنمية وجهة نظر و رؤية غربية امريكية عميقة تخفف الغلو القومي والديني وتقرب الشعوب. و جوهر الحديث عن 300 مليار دولار في المذكرة هو تطبيق هذّه الرؤية. الاستثمار في المصالح المشتركة قد يساهم في تخفيف العداوات. وهذا ما فعلوه بعد الحرب العالمية الثانية حينما جعلوا من الصلات التجارية والاقتصادية الاساس في العلاقات بين الشعوب والدول. وفعلاً نجحت تلك السياسة نجاحاً باهراً في اوروبا واليابان وادت الى التعاون والتقارب الثقافي واستتباب الأمن و السلام.
طبعاً هذا ما يتمناه الطرف الامريكي والخليجي!
الجانب الاسرائيلي غير معني بهذه الرؤية ويؤمن بانه غير قابل للتطبيق مع الجمهورية الاسلامية.
ولكن هل هناك اهتمام ايراني بهذا؟
هل الجانب المالي والاقتصادي والتجاري هو المحرك الأساسي لإتخاذ القرارات في ايران ام أنه مُحرك واحد الى جانب محركات اخرى دينية وعقائدية؟ الواقع يقول بأن المحركات الدينية و العقائدية في ايران قوية بقوة المحركات المادية والاقتصادية!
نحن في ثقافتنا نشيطن كل ما هو مادي! الحضارة المادية والثقافية المادية! لا ادري كيف وصلتنا هذه الثقافة المضللة ونحن نتحرك في عالم مادي. من رغبة الناس في منصب وظيفي جيد والمعالجة في احسن المراكز الطبية و التعليم في المدارس والجامعات المعتبرة ورفاهية في مستوى المعيشة والترقى اجتماعيا واقتصاديا! جميعها محركات مادية مشروعة ولا تتنافى مع الاخلاق او تلغيها! لكن ثقافتنا الدينية تُشيطن كل ما هو مادي و تعتبره عدواً لما هو روحي واخلاقي. وانتهينا بهذا التفكير السطحي الذي لا يفهم معنى التنمية! التنمية هي الاستفادة من العوامل والعناصر المادية لتطوير حياة الناس للعيش بكرامة واحترام .
ختاماً، ربما لا يكون المرشد الجديد مسؤولاً عن تركة 36 سنة من حكم والده. ونحن لا نعرف كيف يفكر هذا الرجل لانه لم يتحدث أمام الاعلام. والتصورات عنه غير دقيقة. وربما استثمار 300 مليار دولار التي وضعتها امريكا هي عملية استكشاف لسلوك واداء المرشد في مرحلة الهدنة. هل ايران مستعدة للذهاب في مسار التنمية والتخلي عن الافكار الايدولوجية الهدامة التي سيطرت على الجمهورية على مدى 47 عاماً.
في نظري اذا كان الحديث عن الـ 300 مليار دولار مُوَثَّقاً في مذكرة التفاهم فهذا شيء جيد!

مقال يكتب بماء الذهب دكتور ويفضح تسويق المؤدلجين للهزائم بعد تحويلها ل انتصارات وتحويل الخسائر في البني و المباني الي مكاسب …
راجع يتعمر لبنان، اما غزة فلا أمل ولا ضوء في نهاية النفق في كل معركة في حرب طويلة، تنتهي باتفاق: يعلن الطرفين الانتصار أعلنت امريكا الانتصار بتحقيق أهدافها: ضربة استراتيجية لمشروع ايران النووي وتجميده لسنوات اطول/ 20 سنة، ونسف قدرة ايران على تصنيع “صواريخ عابرة للقارات” تهدد شواطئ امريكا، وتحجيم و(تقنين) مدى واهداف صواريخها بعيدة المدى/ ان تكون دفاعية ولا تهدد الجوار أعلنت ايران الانتصار بصيغة الصمود والتحدي/ النجاة في مواجهة مع الأقوى في العالم والتاريخ اسراءيل خرجت بخفي حنين، فغلاف صحيفة الليكود، حزب نتنياهو/ يديعوت أحرونوت عقب تداول الأنباء عن الوصول لاتفاق “صفقة سيءة Bad Deal” ، ودخلت بمناكفة… قراءة المزيد ..