خاص بـ”الشفاف”
مرة أخرى يُطلَب من اللبنانيين أن ينتظروا: أن ينتظروا البرّ الآمن للوحدة العربية، وأن ينتظروا توافقاً إقليمياً، وأن ينتظروا “اللحظة المناسبة” قبل مواجهة مسألة سيادتهم. غير أنّ ذلك الصكّ، حين قُدِّم إلى المصرف المركزي للفضيلة العربية، عاد مختوماً بعبارة جازمة: «صك بدون رصيد كافي». وفي اللحظة التي كان لبنان فيها أحوج ما يكون إلى التضامن والتشجيع، لم يُعرَض على طاولة ما يُسمّى “جامعة الدول العربية” أيُّ فعلٍ ذي معنى لحماية قيادته والتضامن معها، من قِبَل أولئك الذين أمضوا عقوداً يلقّنونه الدروس في فلسطين، والكرامة، والتضامن العربي والاسلامي، والمقاومة، والتوازن الإقليمي. بكلامٍ آخر،قدّمت “جامعةُ الدول العربية” «شيكاً بلا رصيد» لِشَعبنا. لكن لم يعد هناك وقت لتَرَف “التروّي”، ولا لتناول مخدّر التدرُّج المطمئن.
إن المقال الذي نشره “شفاف الشرق الأوسط” أمس، ووردَ فيه أنّ الرياض تبتعد أكثر فأكثر عن التطبيع مع إسرائيل، بينما تدعم استراتيجية خنق اقتصادي لإيران — يلتقط تحوّلاً إقليمياً مهماً. فالسعودية، بحسب التقرير، لم تعد واقعةً تحت ضغط أميركي فوري للانضمام إلى “اتفاقات أبراهام”، بل تعيد تموضعها ضمن محورٍ سنّي أوسع يضم باكستان وتركيا ومصر، في الوقت الذي تشاطر فيه الرؤية الأميركية القائلة بأنه يجب إضعاف النظام الإيراني تدريجياً إلى أن يصبح عاجزاً عن مواصلة مشروعه الإقليمي.
بالنسبة إلى السعودية، قد يكون هذا حساباً عقلانياً. أمّا بالنسبة إلى لبنان، فسيكون ذلك وهماً قاتلاً.
السعودية تستطيع تحمّل الغموض. لبنان لا يستطيع.
الرياض تستطيع تأجيل التطبيع الرسمي لأنها تفاوض من موقع قوة. لديها النفط، والثروة السيادية، والدولة العاملة، والجيش الوطني، والرافعة الدبلوماسية، والعمق الاستراتيجي. تستطيع أن تتحدث إلى واشنطن، وبكين، وإسلام آباد، وأنقرة، والقاهرة، وباريس من دون أن تستأذن ميليشيا. تستطيع أن تؤجل دخولها إلى هندسة إقليمية جديدة، لأنها، حتى من خارجها، تبقى دولة.
لبنان في الوضع المعاكس تماماً. لبنان لا يفاوض من موقع قوة. بل إنه لا يفاوض أصلاً كدولة كاملة السيادة. لقد صودِر قراره الوطني منذ زمن طويل من قبل حزب الله، وأُلحقت سياسته الخارجية بطهران، ودُمِّر اقتصاده، وخُرّبت مصارفه، ونُفي شبابه، واختُزلت مؤسساته إلى إدارة الانحدار الوطني. بالنسبة إلى لبنان، البقاء خارج الهندسة الإقليمية للسلام ليس علامة استقلال استراتيجي. إنه استمرار متعمّد للخضوع للإحتلال.
تلك هي الفوارق الجوهرية التي لا يزال كثير من اللبنانيين يرفضون مواجهتها: قد تبقى السعودية خارج “اتفاقات أبراهام” لأنها تملك السيادة. أمّا لبنان فيحتاج إلى منطق “اتفاقات أبراهام”، تحديداً لأنه فقد السيادة..
الرياض تستطيع أن تقف على العتبة وتفاوض على ثمن الدخول. أمّا بيروت فهي مُحتجزة أسفلَ قبو على يد حزب الله، ويُقال لها إنّ حالة الخضوع للإحتلال هي مقاومة.
ويشير المقال نفسه إلى أنّ السعودية والإمارات تبدوان متفقتين مع الرؤية الأميركية القائلة إنّ حصار إيران أو خنقها اقتصادياً قد يُنتج في نهاية المطاف عواقب لا يستطيع النظام تحمّلها، مع استمرار الخشية من الفوضى التي قد تلي انهياراً إيرانياً. هذه الخشية مفهومة. فلا توجد دولة عربية مسؤولة تريد انفجاراً إقليمياً. لكن مشكلة لبنان أكثر إلحاحاً وأكثر محلية: لا يحتاج النظام الإيراني إلى أن ينهار غداً لكي يبدأ لبنان بتحرير نفسه اليوم.
مهمة لبنان الأولى ليست تصميم مستقبل طهران. بل إنهاء حق النقض الذي تمارسه طهران على بيروت.
وهذا يعني استعادة احتكار السلاح، وإعادة سلطة الدولة اللبنانية، والقبول بأن السلام مع إسرائيل ضرورة استراتيجية، لأن البديل، ببساطة، جُرِّب بالفعل: حرب دائمة، إفلاس دائم، وهجرة دائمة.
لعقود، قيل للبنان أنّ “المقاومة” ستحمي كرامته. الواقع أن ما يُسمّى “المقاومة” حَمَت أسلحةَ حزب الله، وممرَّ أسلحة إيران إلى البحر المتوسط، والطبقةَ السياسية التي اختبأت خلف الاثنين. والنتيجة لم تكن “التحرير” المزعوم، بل جمهوريةً مدمَّرة.
المأساة أنّ لبنان دفع ثمن حروب لم يختَرها، من أجل قضايا لم يتحكم بها، وتحت شعارات مُنعَ من مساءلتها. كلما تحرّكت المنطقة، نزف لبنان. كلما فاوضت إيران، انتظر لبنان. وكلما صعّد حزب الله، دفع المدنيون اللبنانيون، والمودعون، والطلاب، ورجال الأعمال، والجنود الثمن.
لا يمكن تسمية هذا سيادة. إنه خضوع استراتيجي.
لذلك، لا ينبغي فهم “اتفاقات أبراهام” فقط بوصفها وثيقة دبلوماسية بين إسرائيل وبعض الدول العربية. إنها تمثل شيئاً أعمق: قراراً اتخذته أجزاء من العالم العربي بعدم السماح للقضية الفلسطينية، أو الثورة الإيرانية، أو خطاب “المقاومة”، بأن تمارس حق النقض على اولوية و نهائية الوطن. دولة “الإمارات” فهمت ذلك. البحرين فهمت ذلك. المغرب فهم ذلك. قد تختار السعودية توقيتها. لكن لبنان لم يعد يملك ترف انتظار الآخرين.
حالة لبنان فريدة لأن السلام لا يتعلق فقط بالعلاقات الخارجية. إنه يتعلق بالتحرر الداخلي. فأي أجندة سلام لبنانية ستفرض السؤال الحقيقي: من يملك قرار الحرب والسلم؟ الدولة المنتَخبة، مهما كانت غير كاملة، أم حزب مسلح مرتبط بقيادة أجنبية؟ جمهورية، أم ميليشيا؟ جيش وطني، أم “وكالة تجارية” لنظامٍ ثوري؟
لهذا يكون فتحُ النقاش هو أكثر ما يخافهُ معارضو السلام. فهم يعرفون أنه متى بدأ لبنان يناقش السلام بجدية، فلن تعود المسألة إسرائيل وحدها. بل ستًصبح أسلحة حزب الله. ستصبح شرعية الجيش الموازي. ستصبح الكذبة القائلة إنّ لبنان يمكن أن يكون في الوقت نفسه دولة ذات سيادة وساحة معركة تديرها إيران.
لذلك: لن نقلّد موقف الرياض من دون أن نملك قوة الرياض. ولن نتظاهر أنه إذا قرّرت المملكة الثرية والمُقتدرة أنها تستطيع تأجيل التطبيع، فإن جمهوريتنا المُفلسة والأسيرة تستطيع أن تأخذ وقتها.
بالنسبة إلى لبنان، السلام ليس خدمةً لإسرائيل. وليس تنازلاً لأميركا. وليس خيانةً لفلسطين. إنه الطريق الجدي الوحيد للعودة إلى الدولة.
لم يعد الخيار بين “المقاومة” و”الاستسلام”. تلك مفردات تخصّ الذين دمّروا البلد وهم يزعمون أنهم يدافعون عنه. الخيار الحقيقي هو بين لبنان سيِّد مُندمج في الشرق الأوسط الجديد، ولبنان رهينة محكوم عليه أن يخدم كخندق غربي لإيران.
السعودية تستطيع أن تتحمّل الانتظار خارج الاتفاقات.
لبنان لا يستطيع.
«لكننا نرفض أن نؤمن بأن مصرف العدالة مفلس. ونرفض أن نؤمن بأن خزائن الفرص العظيمة في هذه الأمة لا تملك رصيداً كافياً. ولذلك جئنا لنصرف هذا الشيك، الشيك الذي سيمنحنا عند الطلب ثروات الحرية وأمانة العدالة.»
— مارتن لوثر كينغ الابن

كلام رائع وتحليل منطقي
من الطبيعي أن يبقى لبنان في موقع الانتظار، طالما أن الدولة لم تحسم خيارها في مسألة احتكار السلاح. فبرغم امتلاكها نحو 120 إلى 150 ألف عنصر بين الجيش والقوى الأمنية (مع الاحتياط)، تبقى هذه القوة بلا فعالية من دون قرار سياسي واضح. المشكلة في الإرادة السياسية. وعلى قاعدة بسيطة “قلع شوكك بإيديك”، أي أن استعادة السيادة تبدأ من الداخل، لا من الخارج ! اكبر مثال حي وقريب، اعلان مجلس الوزراء بيروت الادارية منزوعة السلاح. عراضات وحواجز ودوريات في احياء لا تطرح إشكالية ! … والمهزلة اكثر اعلان السلطة والجيش ان مهمة نزع السلاح والسيطرة جنوب الليطاني تم انجازها، لنكتشف الويلات… قراءة المزيد ..