في ختام معركة خاطفة، استعاد النظام السوري إقليمين من الأكراد، لكن جهاديين أجانب تمكنوا من الفرار.
ترجمة “الشفّاف”
على الرغم من مكالمة هاتفية جرت مساء الاثنين بين دونالد ترامب وأحمد الشرع، ومن المفاوضات بين هذا الأخير والقائد الكردي مظلوم عبدي، فقد واصلت القوات المسلحة السورية، يوم الثلاثاء، الضغط على آخر المعاقل الكردية، ولا سيما في محافظة الحسكة شمال-شرق البلاد، وحول مدينة “كوباني” (عين العرب) غربًا.
ونتيجة لتصاعد التوترات، أعلنت القوات الكردية يوم الثلاثاء أنها اضطرت إلى «الانسحاب» من “مخيم الهول” في محافظة الحسكة، الذي يضم عائلات جهاديي تنظيم داعش، ويؤوي نحو 24 ألف شخص، بينهم 15 ألف سوري، وحوالي 6300 امرأة وطفل أجنبي من 42 جنسية. وأوضحت قوات سوريا الديمقراطية (“قسد”)، التي يقودها الأكراد، أنها «تعيد تموضعها على أطراف مدن شمال سوريا المهددة» من قبل الجيش، منددة بـ«مجتمع دولي لا يتحمل مسؤولياته».
وبدفع من تركيا، ومع حصولهم على ضوء أخضر أمريكي، ألحق رجال أحمد الشرع، الجهادي السابق، خلال عطلة نهاية الأسبوع، هزيمةً قاسية بالأكراد، رغم أنهم كانوا مسلحين ومدرَّبين من قبل الولايات المتحدة. وبموجب اتفاق وقّعه “مظلوم عبدي” عن بُعد مساء الأحد مع أحمد الشرع، اضطر الزعيم الكردي إلى القبول بخسارة إقليمين كان الأكراد يديرونهما حتى ذلك الحين، وهما “الرقة” و”دير الزور”.
ويحلل دبلوماسي متابع للملف السوري قائلًا: «لقد تراجعت الولايات المتحدة عن وعدها للأكراد بأن رجال الشرع لن يتقدموا شرقًا إلى ما وراء نهر الفرات».
وينص هذا الاتفاق، المؤلف من أربعة عشر بندًا، على أن تتخلى قوات سوريا الديمقراطية عن آبار النفط والغاز، وعن السيطرة على المعابر الحدودية، والأهم عن مَطلبها بدمج أكثر من 100 ألف من مقاتليها في الجيش السوري ضمن وحدات خاصة، وهو خيار رفضه أحمد الشرع، مكتفيًا بعرض الانضمام إلى جهازه الأمني على أساس فردي.
وبموجب الاتفاق، تصبح الدولة السورية «مسؤولة» عن السجناء الجهاديين المحتجزين لدى الأكراد في سبعة سجون. وفي أواخر سبتمبر، نقلت فرنسا 57 من جهادييها المسجونين في شمال-شرق سوريا إلى العراق، لكنها لا تزال تحتفظ بعدد كبير من النساء والأطفال في المنطقة.
ويتساءل دبلوماسي أممي: «كيف سيتعامل نظام دمشق، الذي يقوده جهادي سابق، مع ملف المعتقلين الجهاديين؟ هل سيفتح أبواب المخيمات أمام النساء والأطفال؟ أم سيعيدهم إلى بلدانهم الأصلية؟».
وفي الوقت نفسه، تتبادل دمشق والأكراد الاتهامات بشأن المساهمة في فرار نحو 200 جهادي، وفق تقدير أمريكي. وتؤكد قوات سوريا الديمقراطية أن القوات الحكومية هاجمت يوم الاثنين سجن الشدادي في محافظة الحسكة، الذي لا يزال تحت السيطرة الكردية ويضم آلاف الجهاديين. أما دمشق، التي تمشط محيط السجن بحثًا عن الفارين، فتؤكد بالعكس أن الأكراد هم من فتحوا أبواب مركز الاحتجاز.
في الوقت الراهن، هناك أمر واحد مؤكد: الاتفاق المبرم مساء الأحد يُنظر إليه بالإجماع على أنه استسلام كردي، يضع حدًا لحلمهم الذي استمر أكثر من عشر سنوات بالحكم الذاتي لمناطقهم في شمال سوريا. غير أن حلفاء الغربيين في الحرب ضد داعش لا ينوون الاستسلام. وقالت المسؤولة الكردية، “إلهام أحمد”، يوم الثلاثاء خلال مؤتمر صحفي عبر الإنترنت: «نظرًا لعدم وجود وقف لإطلاق النار في الوقت الحالي، واستمرار دمشق في مهاجمة مناطقنا، ورفض السلطة الانخراط في حوار، فإن الاتفاق لم يعد ساري المفعول في هذه المرحلة».
ويُعزى انهيار قوات سوريا الديمقراطية إلى تخلي المقاتلين العرب — الذين يشكلون الغالبية داخل قسد — عنها، ما سمح لجيش دمشق بالسيطرة بسهولة على الأراضي. كما أن الواقع الديموغرافي في شمال-شرق سوريا لا يصب في مصلحة الأكراد، إذ إن الأقاليم التي كانوا يديرونها تقطنها غالبية عربية أصبحت أكثر عداءً للأكراد منذ سقوط بشار الأسد. ولزيادة الطين بلّة، لم يقطع الأكراد يومًا الاتصال بالكامل مع الديكتاتور السابق.
وخلال بضعة أيام، حقق أحمد الشرع أكبر مكسب إقليمي منذ أن أطاح بالحاكم المستبد في ديسمبر 2024. ويقول دبلوماسي فرنسي في المشرق: «إنها انتصار له في سعيه لتوحيد سوريا، لكن علينا الآن تقديم ضمانات لحلفائنا الأكراد».
وعلى عجل، يتعين على باريس أيضًا إعادة النظر في انتشارها العسكري، الذي يضم عددًا من القوات الخاصة المنخرطة إلى جانب الأكراد ضد بقايا تنظيم داعش في سوريا.
وكان البحث عن ضمانات للأكراد أيضًا محور المكالمة الهاتفية بين ترامب والشرع مساء الاثنين. «لكن من دون نتائج تُذكر»، يعترف دبلوماسي آخر، «إذ إن قوات الشرع ما زالت يوم الثلاثاء تهدد محافظة الحسكة وتحاصر مدينة كوباني».
وفي وقت متأخر من مساء الثلاثاء، أعلنت الرئاسة السورية عن «تفاهم» مع الأكراد بشأن مصير محافظة الحسكة، يمنحهم أربعة أيام لقبول الاندماج ضمن السلطة المركزية، وكذلك بشأن تعيين مُقرَّب من مظلوم عبدي في منصب نائب وزير الدفاع.
وبينما لا تزال العديد من الإشتباكات تشوب وقف إطلاق النار، يتهم الأكراد الشرع بالسعي إلى «استسلامهم الكامل». وقد دعوا «الشباب الأكراد، رجالًا ونساءً» في سوريا والخارج إلى «الانضمام إلى صفوف المقاومة».
وكشفت “إلهام أحمد” أن إسرائيل «تواصلت معنا (…) وإذا أدى هذا التواصل إلى دعم، فنحن منفتحون عليه». وحتى الآن، ظلت إسرائيل، التي تدعم الدروز في جنوب سوريا، متحفظة. وهنا أيضًا تبقى الكرة في ملعب الحكم الأمريكي. لكن في نهاية اليوم، أكد توم باراك، مبعوث دونالد ترامب إلى سوريا، التخلي عن الأكراد، معتبرًا أن مهلة الأيام الأربعة التي عرضها النظام السوري للتوصل إلى اتفاق هي «أفضل فرصة» يمكن أن يأمل بها الأكراد.
