حسب جريدة “لوموند” الفرنسية، تُفسَّر جهود الرياض والدوحة ومسقط المحمومة لإقناع الرئيس ترامب بتأجيل الضربة العسكرية لإيران بعاملين: من جهة، الخشية من أن تؤدي سقوطُ النظام الإسلامي إلى استفادة فاعلين أشدّ عداءً منه لممالك شبه الجزيرة العربية؛ ومن جهة أخرى، الهشاشة القصوى لتلك الدول أمام ضربات انتقامية محتملة مصدرها طهران.
ولكن المُستَغرب هو أن الجريدة الفرنسية العريقة لم تلاحظ أن المظاهرات الجماهيرية الواسعة في إيران تستثير في دول الخليج، وفي مصر أيضاً، “حساسية” قديمة، ومفرطة، إزاء حركات ما سُمّي “الربيع العربي” إبتداءً من العام 2011
ويقول “حسين إيبيش”، المحلل في “معهد دول الخليج العربية” بواشنطن: «من المؤكد أن حكّام الخليج يحلمون بتغيير النظام في إيران، لكن ما داموا لا يعرفون البديل، فإنهم يفضّلون الإبقاء على الوضع القائم». «إنهم يفضّلون سيناريو على الطريقة الفنزويلية، حيث يُقطع رأس النظام من دون كلفة، فيبقى قائمًا لكنه يُجبر على أن يصبح أكثر تعاونًا بكثير. لكنهم يعلمون أنهم قد ينتهون إلى سيناريو على الطريقة العراقية، مع بلدٍ متشظٍّ واقعٍ في أيدي جماعات مسلحة خارجة عن السيطرة».
وكانت جهود قادة الخليج لردع إدارة ترامب أكثر إلحاحًا لأنهم راقبوا، في الأسابيع الأخيرة، باليه الطائرات الأميركية العملاقة حول قواعد الجيش الأميركي على أراضيهم. ووفق إحصاءات لوموند، بين 10 تشرين الأول/أكتوبر و8 كانون الثاني/يناير، نُفِّذت عشرون رحلة ذهابًا وإيابًا بين الولايات المتحدة وقطر بواسطة طائرات C-5 (المعروفة باسم «غالاكسي») وC-17 (ذات الاسم الدال «غلوبماستر»). وقد حطّت هذه الطائرات العملاقة القادرة على نقل 127 و77 طنًا من الشحنات على التوالي على مدرج “قاعدة العديد”، مقر القيادة الأميركية في الشرق الأوسط، المقام في صحراء قطر.
وخلال الفترة نفسها، هبطت عشر طائرات أميركية في البحرين، التي تُعدّ ميناء الأسطول الخامس للولايات المتحدة («الأسطول الخامس»)، كما هبطت ست طائرات أخرى في الكويت.
معادلة عسكرية جديدة
إلى جانب التموضع المسبق للأسلحة والمعدات، أنشأ الأميركيون قدرات مراقبة كبيرة في الخليج الفارسي. إذ تقوم طائرة بوينغ «بوسيدون» بدوريات يومية هناك، أحيانًا على مقربة شديدة من ميناء بندر عباس الإيراني، ويتولى طائرة مسيّرة من طراز «تريتون» المهمة ليلًا. وهما متخصصتان في التقاط الإشارات الإلكترونية، وتكملان المعلومات المتحصّل عليها عبر الأقمار الصناعية.
كما أن دور الاستخبارات الميدانية، الذي تعتمد فيه الولايات المتحدة جزئيًا على الإسرائيليين، بالغ الأهمية. غير أن المعادلة العسكرية لم تعد إطلاقًا كما كانت في حزيران/يونيو. «في الربيع الماضي كان هدف العملية واضحًا: تدمير البنى التحتية لبرنامج إيران النووي. أما الآن فقد يكون الهدف أيضًا إسقاط النظام»، يوضح ديدييه غرو، الذي شغل منصب ملحق عسكري في السفارة الفرنسية بواشنطن بين عامي 2015 و2018.
تجربة أيلول/سبتمبر 2019 “عَلَّمت” دول الخليج
لم تكن دول الخليج دائمًا بهذه الدرجة من التحوّط تجاه إيران. ففي الولاية الأولى لترامب، وبعد إلغاء الاتفاق النووي الإيراني في أيار/مايو 2018، انضمّ المعسكر الموالي للسعودية—المكوَّن من السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين—إلى سياسة «الضغط الأقصى» الأميركية على طهران.
وفي قصور الرياض وأبوظبي، كان الوقت وقتَ احتواءٍ للتوسّع الإيراني في الشرق الأوسط. كان لا بدّ من دفع الجار والمنافس الشيعي إلى التراجع، وهو الذي كان يتباهى آنذاك بالسيطرة على «أربع عواصم عربية» (بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء) عبر حلفائه غير الدولتيين المنضوين في «محور المقاومة»، مثل حزب الله اللبناني أو الحوثيين اليمنيين.
لكن الهجوم المدمّر بالطائرات المسيّرة والصواريخ، الذي نسّقته إيران في أيلول/سبتمبر 2019 ضد موقعين نفطيين سعوديين، وضع حدًا لهذا التشدد. فالردّ الذي كان ينبغي أن تتولاه الولايات المتحدة، بوصفها الحامي التاريخي للسعودية، لم يأتِ قط، ما أثار استياء محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة، وحليفه آنذاك محمد بن زايد، الرجل القوي في الإمارات.
