ترجمة “الشفاف”
لطالما تمنيتُ سماع مثل هذا الصوت من “مصطفى تاج زاده” (القابع في السجن بتهمة انتقاد قائد الثورة علي خامنئي، وقد شغل تاج زاده منصب نائب وزير الداخلية في حكومة الرئيس محمد خاتمي)، ومعظم الانتقادات الصريحة السابقة في مقالاتي كانت موجهة تحديدا إلى هذا المطلب: أن يضع حدا نهائيا، علناً ودون تحيّز، لحلم “إصلاح الجمهورية الإسلامية” البالي، وأن يتحلى بالشجاعة لقبول مأزق هذا المشروع. على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية،
منذ الثاني من يونيو/حزيران 1997 (تاريخ انتخاب محمد خاتمي رئيساً) وحتى اليوم، فاز الإصلاحيون مرارا وتكرارا بأصوات الشعب، أحيانا بمشاركة واسعة، وأحيانا أخرى وسط غضب شعبي عارم. لم تكن هذه الأصوات شيكا على بياض، ولا رخصة للعيش على هامش السلطة.صوّت الشعب للإصلاحيين لتحويل “فرصة العمل السياسي” إلى أداة للتغيير الحقيقي والهيكلي، لا إلى سُلُّم للمساومة في القمة وتبرير الوضع الراهن في القاعدة.
لو استوعب الإصلاحيون هذه الرسالة الواضحة، لما استغربوا هتافات “إصلاحيون، أصوليون، انتهى الأمر” خلال احتجاجات عام 2017.

لا شك أن “مصطفى تاج زاده” كان دائما مُهتمّا بإصلاح النظام ومنع انهيار النظام السياسي، انهيارٍ قد يُوقع البلاد في دوامة من العنف وانعدام الأمن والتخلف لسنوات، ويُدمر أي فرصة ضئيلة للتنمية، تنميةٌ توقفت فعليا لسنوات بسبب سياسات آية الله خامنئي. لقد سلك “تاج زاده” طريقا شاقا ومُكلفا منذ انتخابات عام 2009، وتصرّف بوضوح وبنزاهة وشجاعة تفوق العديد من أقرانه الإصلاحيين. لقد ألحقت الجمهورية الإسلامية ضررا لا يُمكن إصلاحه بإيران منذ نشأتها، ولا شك أن جميع عناصرها مسؤولون، إلى حد ما، عن الوضع الراهن للبلاد. لكن العقدة الرئيسية للأزمة الحالية اشتدت حين رفض آية الله خامنئي تصويتَ الشعب لـ”مير حسين موسوي” (عام 2009)، وفَصَلَ علنا بين المسار السياسي وصناديق الاقتراع. ومنذ تلك اللحظة، تعود معظم التوترات المزمنة في النظام السياسي إلى ذلك الصدع الجوهري؛ وهي حقيقة لم تعد بحاجة إلى إثبات. اليوم، حتى أشدّ أنصار الوضع الراهن إخلاصا يدركون مدى دقة وحكمة تحذير “موسوي”، حول عبثية المواجهات في غياب الدعم الشعبي.
هذه الكتابة ليست رثاء ولا حنينا إلى الماضي. فالحزن الذي خيّم على هذه الأرض عميق وشامل لدرجة أننا تجاوزنا مرحلة الحداد. السؤال اليوم هو “ماذا نفعل؟”، وليس “ماذا حدث؟”. لو أُتيحت الفرصة لمشروع الإصلاح الهيكلي الذي طرحه “تاج زاده” للتجربة، لما عانت البلاد على الأرجح من هذا الجمود السياسي والاقتصادي والاجتماعي العميق. لكن تحقيق هذه الإمكانية كان مشروطا بشرط واضح: وهو عرضه على تصويتٍ حقيقي من الشعب. في هذه المرحلة التاريخية، لم يمتلك الإصلاحيون القوة والشجاعة اللازمتين. فبدلا من دعم “تاج زاده” وفرض ثمن الحصول على موافقته، لجأوا مجددا إلى النموذج الفاشل نفسه كعادتهم: المشاركة في الانتخابات بأي شكل وبأي ثمن، وتخويف المجتمع من الخصم، واستبدال التصويت السلبي ببرنامج إيجابي لتغيير هيكل السلطة. وكانت نتيجة هذه السياسة، كما رأينا في الانتخابات الأخيرة، نصرا باهتا أشبه بنصر نابليوني، نصرا أصبح فعليا المحطة الأخيرة للسياسة الإصلاحية، لا لم يستمعوا لتاج زاده اليوم وشاركوا في الانتخابات الاخيرة (تاج زاده يطالب بتغيير نظام ولاية الفقيه، وعدم المشاركة في اي انتخابات ما دام ولي الفقيه هو الذي يتحكم في الامور).
كانت جميع انتقاداتي لـ”تاج زاده” موجهة نحو الوصول إلى هذه النقطة، حيث يقف الآن: التخلي عن ولاية الفقيه، واستقالة آية الله خامنئي من السلطة، وبداية تغييرات جذرية في طريقة إدارة البلاد.
إذا فكّر الإصلاحيون ولو قليلا في مستقبلهم، والأهم من ذلك، في مستقبل إيران، وإذا كان لديهم ولو قليل من الحكمة السياسية التي تُمكنهم من رؤية نهاية هذا النفق المظلم، فلن يكون لديهم أي أولوية سوى السعي الصريح والمتهور لاستقالة آية الله خامنئي. إن المماطلة في هذا المسار ليست عقلانية ولا إصلاحية، بل هي مجرد مشاهدة الانهيار من بعيد.
*حامد آئينه وَنْدْ (Hamed Aayeeneh vand)صحفي وكاتب ايراني – خرج من سجن ايفين في 2020 بعد أن مكث فيه ٣٨ شهرا، حيث واجه اتهاما بالسعي لإضعاف النظام الإسلامي، وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات)
المصدر الفارسي: موقع سهام نيوز على تلغرام
