“يورونيوز – فارسي”
ترجمة: “شفاف”
الحديث عن ضغوط اللحظة الأخيرة التي مارستها السعودية وقطر وتركيا وعُمان لمنع هجومٍ أمريكي يبدو، في ظاهره، منطقيا ودبلوماسيا. فليس أيٌّ من هذه الدول يرغب في حربٍ غير قابلة للاحتواء في المنطقة. لكن السؤال الجوهري هو: هل، فعلاً، يتغيّر صنع القرار في واشنطن، ولا سيما قبيل اندلاع مواجهة كبرى، ببضع مكالمات هاتفية؟ أم أن هذا “العدول المؤقت” جزءٌ من السيناريو القديم نفسه؟
لترامب سجلّ واضح في هذا المجال. فقد تحدّث مرارا قبل الإقدام على عملٍ عسكري عن “عدم الرغبة في الحرب”، بل وأرسل رسائل تصالحية. فما كانت النتيجة؟ المفاجأة. لذا من الطبيعي أن يرى بعض المراقبين اليوم هذا التراجع الظاهري ليس علامةَ سلام، بل جزءًا من عملية خداع.
في هذا الإطار، تبرز بجدية فرضية “شراء الوقت للوصول إلى قوة نارية أكبر”. فتحريك حاملات الطائرات، ونشر المقاتلات، واستكمال سلسلة الإمداد اللوجستي، كلها أمور تحتاج إلى وقت. أما التعليق الإعلامي والسياسي، فهو أفضل غطاء لمثل هذا الإعداد، ولا سيما عندما يعتقد الطرف المقابل أن الخطر قد زال مؤقتًا.
لكن هذه المرة، تشير الهمسات أيضا إلى سيناريو مختلف. فبعض التحليلات تقول إن الهدف لم يعد يقتصر على المنشآت النووية أو العسكرية، بل إزالة رأس هرم السلطة: علي خامنئي والدائرة الأساسية للقيادة والأمن في الجمهورية الإسلامية. ومثل هذه العملية، إن كانت مطروحة، تتطلب معلومات دقيقة، ومراقبة التحركات، ومعرفة الملاجئ، وهو ما لا يُنال بهجوم متسرّع.
وفي هذا السياق، تكتسب الشائعات المتعلقة بـ”الضجيج الذي حدث قبل بضع ليالٍ” وتقارير تحليق الطائرات في أجواء العراق معنى جديدًا. فإذا كانت هذه التحركات ليست تمهيدا لهجوم، بل اختباراً لردود الفعل الدفاعية الإيرانية، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة: قياس أين يذهب القادة، ومتى يتحرّكون، وأي الأنظمة تُفعَّل.
إن رفض السعودية استخدام مجالها الجوي، أو قلق عُمان وقطر من فوضى إقليمية، حقائق مهمة، لكن هذه الدول سبق أن أعلنت معارضتها مرارا من قبل، من دون أن يمنع ذلك الولايات المتحدة من التحرك. فمعارضة الحلفاء الإقليميين لا تعني بالضرورة وقف القرار في واشنطن، خاصة عندما تكون الحسابات الداخلية الأمريكية واستعراض “الهيبة” على المحك.
كما لا ينبغي تفسير الجولات الدبلوماسية لعباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني إلى العواصم العربية بتفاؤلٍ مفرط. فالتقارب النسبي في العلاقات لم يُنهِ الانقسامات البنيوية: من “محور المقاومة” إلى نزاع الجُزُر وصولاً إلى مأزق القضية الفلسطينية. وهذه الفجوة السياسية قد تُفعَّل من جديد بسرعة في لحظة الأزمة.
ومن منظور وسيلة إعلام معارضة، فإن الخطر الرئيسي لا يكمن فقط في وقوع الهجوم أو عدمه، بل في إدارة الرأي العام. فعندما تُروَّج رواية مفادها أن “الخطر قد زال”، يتفاجأ المجتمع. وقد أظهرت الجمهورية الإسلامية مرارا أنها تتلقى في مثل هذه الأجواء أكبر الضربات، لا عسكريا، بل نفسيا وإداريا.
في النهاية، ليس السؤال هو ما إذا كان ترامب قد تراجع فعلا أم لا؛ بل لماذا ينبغي تصديق أقواله في مثل هذه اللحظة الحرجة. فالتجربة تقول إنه كلما طُرحت عبارات “الدقيقة التسعين” و”العدول المفاجئ”، وجب أن نكون أكثر تشككا من أي وقت مضى. ولعل ما نراه ليس تراجعا، بل صمتا يسبق ضربة مختلفة وأكثر دقة واستهدافا.

قرأت المقال فإذا هو تماما متفق مع ما أرجح لذا شاركته
قبل أن اقرأ المقال: مع التهدئة المعلنة من ترامب تذكرت الصياد الماهر الذي يجعل فريسته تخفف من توترها ثم يأتيها على لحظة..
إن لم يشر نص المقال لهذا الاحتمال ،فكاتب غير مؤهل